الترجمه للنشر
في غزة اليوم، لسياسه التجويع ثمن — ولكثير من المدنيين، الثمن يدفع بأرواحهم.
وصفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مراكز توزيع “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF) بأنها “حقول قتل” للجيش الاسرائيلي، حيث يُؤمر الجنود بإطلاق النار على المدنيين المصطفّين للحصول على ما تيسّر من معونات. أمهات، آباء، أطفال، وشيوخ — مدنيون عزّل قُتلوا أثناء محاولتهم الحصول على أكياس طحين أو علب طعام… جاؤوا طلبًا للحياة، فخرجوا في أكياس موت.
أُنشئت المؤسسة ضمن حملة دعائية صمّمتها إسرائيل ومولتها الولايات المتحدة، وروّجت لها كبديل مزعوم عن وكالات الأمم المتحدة، واعدةً بتقديم الغذاء والإغاثة للمحاصرين في القطاع. لكنها، في واقع الأمر، لم تكن سوى واجهة إنسانية زائفة لمنظومة قمع محكمة: لاداره المجاعة في ظل فوهة البندقية.
وعلى خلاف مؤسسات راسخة كالأونروا وبرنامج الأغذية العالمي، لا تمتلك GHF أي بنية تحتية للإغاثة، ولا خبرة لوجستية، ولا رقابة محايدة. وجائت بعد أكثر من ثلاثة أشهر على الحصار الصهيوني المحكم يمنع ادخال المساعدات ، هذه المؤسسة لم تأتِ لتخفيف المعاناة، بل لتكون جزءًا من آلة التجويع الممنهجة، تُخفي سياسة التدمير خلف قناع العون الإنساني.
لأكثر من عام ونصف، نجحت هيئات الأمم المتحدة في توصيل المساعدات رغم القصف الإسرائيلي المستمر، وحتى تحت نيران القناصة التي استهدفت المدنيين المنتظرين لقوافل الإغاثة. بل وحتى عند نهب المساعدات من قبل مجموعات نُسبت إلى “داعش” ومسلّحة من قبل إسرائيل، استمرت المؤسسات الدولية في عملها الإنساني.
أما اليوم، فحصيلة الضحايا في “حقل القتل” التابع لـ GHF يرتفع بشكل مروّع: حتى 25 يونيو، قُتل 549 مدنيًا، وجُرح أكثر من 4,000 آخرين.
ردود الجيش الإسرائيلي جاءت متوقعة، ومليئة بالاستخفاف: “أطلقنا طلقات تحذيرية”، “اقتربوا بطريقة مهدِّدة”، “لا علم لنا بأي إطلاق نار”، “سنجري تحقيقًا”. أعذار مكرّرة ضمن سردية مبرمجة هدفها صرف الأنظار عن الجريمة.
أما الحكومات الغربية ووسائل إعلامها، فتلتقط هذه “الردود” دون مساءلة، ما يعزز إفلات إسرائيل من العقاب، ويغسل جرائم الحرب بعبارات بيروقراطية جوفاء.
لكن الأذى لا يقتصر على الإعدام؛ فاستهداف طوابير المساعدات يهدف إلى قتل ما هو أعمق من الجسد: كسر الثقة، زرع الرعب، إذلال النفس، ونزع الأمل. فعندما يصبح السعي إلى تأمين لقمة العيش مقامرة بالحياة، تنكسر الروح، وتُداس كرامة الإنسان. لم يعد الغذاء وسيلة للبقاء، بل تحوّل إلى أداة حرب لكسر الإرادة، وتحولت مراكز الإغاثة التى من المفترض ان تكون ساحات أمل إلى ساحات رُعب وإرهاب.
وعندما نضع هذه السياسة إلى جانب التدمير المنهجي للمنازل، والملاجئ، والمدارس، والمستشفيات، والبنية التحتية للمياه والكهرباء، تكتمل ملامح المشروع الصهيوني الهادفه لتفكيك المجتمع الفلسطيني تمهيدًا لتطهير عرقي واسع — تسوّقه إسرائيل بمصطلحات مضلّلة كـ “الهجرة الطوعية” أو “رؤية ترامب”.
ومع ذلك، يبقى الصمت الدولي مدوّيًا. فبالرغم من تحقيقات الاتحاد الأوروبي التي أثبتت انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان وخروقاتها الصارخة لاتفاقيات الشراكة التجارية، لم يتخذ الاتحاد أي إجراء ملموس. بدلًا من تعليق الاتفاق لحين معالجة الانتهاكات، عامل إسرائيل كاستثناء، واستمر في التعاون معها كأن شيئًا لم يكن. وحتى عندما يُدين الاتحاد هجمات المستوطنين غير الشرعيين في الضفة الغربية، لا يوجّه اللوم للدولة ذاتها التي سلّحت وزرعت هؤلاء المستوطنين. وفي مشهد فجّ من النفاق الأوروبي. يدّعي الاتحاد رفض شرعنة 22 مستوطنة جديدة، ويدينها بانها “خرقًا للقانون الدولي”، لكنه يواصل علاقاته التجارية مع المشروع الاستيطاني ذاته دون انقطاع.
هكذا تنهار قواعد المساءلة الدولية: حين لا توجد عواقب لخرق القانون.
هذا و لم تكن “مؤسسة غزة الإنسانية” نتيجة فشل في نظام المساعدات، بل ثمرة جهد متعمد لتقويض نظام إنساني ناجح. إنها أداة أميركية-إسرائيلية تهدف إلى تطبيع التجويع، عبر فرض السيطرة المشدّدة على إيصال المساعدات. وُجدت هذه المؤسسة لأن إسرائيل تمنع دخول آلاف الشاحنات التابعة للأونروا وبرنامج الأغذية العالمي. وقد عملت على تقويض المؤسستين من خلال حملات مسيّسة، قادتها واشنطن وتل أبيب، مستخدمة تهمًا مفبركة بالتحيّز أو “معاداة إسرائيل” لتقويض دور وعمل المنظمات الإنسانية المحايدة، واستبدالها بجهاز يخدم الأجندة العسكرية الإسرائيلية لا الاحتياجات الفعلية للمدنيين.
ولا يقتصر الأمر على السيطرة على الغذاء؛ بل تسعى إسرائيل إلى احتكار السردية الإعلامية. فهي تمنع دخول الصحفيين الدوليين إلى غزة، وتغتال الصحفيين المحليين لإخفاء الحقيقة ومنع التغطية المستقلة. إنها سياسة متكاملة، تُقصي الحقيقة وتُحِلّ محلها رواية رسمية، مدروسة، وموجَّهة.
إطعام الجوعى في زمن الحصار أو الحرب ليس مِنّة، بل التزام قانوني وأخلاقي. وتجويع المدنيين ليس أداة تفاوض ولا وسيلة ضغط، بل جريمة بموجب القانون الدولي.
وفي هذا السياق، قدّم جيك وود، أول مدير تنفيذي للمؤسسة المصطنعة، استقالته في 25 مايو، معلنًا رفضه “المشاركة في منظمة تساهم في تهجير أو تشريد الشعب الفلسطيني بالقوة”. ورغم هذه الاستقالة المدوّية، عاد دونالد ترامب ليزعم مؤخرًا أن “الدول الأخرى لا تقدم المساعدة”، بينما الحقيقة أن هذه الدول تُمنَع من تقديمها. فإسرائيل ترفض دخول 3,000 شاحنة مساعدات إلى غزة، قادمة من دول ومن وكالات تابعة للأمم المتحدة.
لقد تحولت “مؤسسة غزة الإنسانية” إلى مصيدة موت، لا نافذة نجاة. لم يعد الخيار أمام الآباء في غزة بين الجوع أو الغذاء، بل بين الموت جوعًا… أو الموت برصاصة عند بوابة “مركز توزيع”.
مركز توزيع صُمّم إسرائيليًا، ومُوّل أميركيًا… ليكون، في جوهره، مركز إعدام جماعي باسم “العمل الإنساني”.

