في خضم التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، وما يصاحبه من اضطراب داخلي متصاعد داخل الكيان الإسرائيلي، تتكشّف صورة أكثر تعقيدًا مما اعتاده المراقبون في السنوات الماضية.
لم يعد الصراع مجرد حلقات من "الردع المتبادل" أو موجات من "القلق الأمني"، بل بات المشروع الصهيوني نفسه على المحك، بينما تتصاعد في أوساط الداخل الإسرائيلي فكرة جريئة وقاطعة: "إسرائيل ليست نهاية الطريق"، وهي هذه المرة ليست صادرة عن خصومها، بل من داخل أسوارها ومن أفواه أبنائها أنفسهم.
بعيدًا عن الجبهات، يعيش الداخل الإسرائيلي حالة من التآكل الصامت. الانقسام لم يعد سياسيًا فقط، بل اجتماعي وثقافي وديني أيضًا. لم تعد المسألة خلافًا على الحكومة أو زعامة الحزب، بل مسألة وجود: ما الذي يوحّد هذا الكيان؟
وما الذي بقي من شرعية مشروعه؟ الاحتجاجات المستمرة، الانشقاقات داخل الجيش، انهيار الثقة بالمؤسسات، وتصاعد الكراهية بين التيارات العلمانية والدينية، كل ذلك يكشف أن ما يُسمى "الديمقراطية الإسرائيلية" ليس إلا قناعًا هشًا لمنظومة فقدت مبررات بقائها. التصريحات المتناقضة من السياسيين والعسكريين، والاتهامات المتبادلة بين الحكومة وجنرالات الجيش، أظهرت بوضوح حجم الانقسام في مراكز القرار، وسرّعت من اهتزاز ثقة الشارع بما يسمع ويرى.
لم يعد الإسرائيلي ينتظر الحقيقة من حكومته، بل يبحث عنها في المهجر.
خلال الأشهر الأخيرة، تحوّلت هذه العبارة من جملة معزولة إلى فكرة شبه جماعية يتداولها الشباب، والنخب، والمهاجرون الجدد، وحتى بعض العسكريين المتقاعدين. لم يعد الكثيرون يرون في "إسرائيل" نهاية للشتات اليهودي، ولا حتى بداية حقيقية لوطن مستقر.
بل باتوا يعتبرونها مرحلة عابرة، فُرضت تحت الخوف، وتنهار الآن تحت ثقل تناقضاتها. صحيفة هآرتس نشرت تقارير عن عمليات هروب بحرية عبر المتوسط باتجاه قبرص واليونان، في ظاهرة غير مسبوقة. بعض هؤلاء لم يكونوا لاجئين اقتصاديين، بل جنودًا سابقين، ومواطنين يحملون جوازات سفر أوروبية، فضّلوا القوارب على البقاء فيما يعتبره العالم "الوطن القومي الآمن". الانهيار هنا لا يحدث بالقوة العسكرية، بل بالإقرار الداخلي الصامت بأن الفكرة لم تكن قابلة للحياة. الدولة التي وعدت بـ "الاستقرار والهوية والحماية" فقدت الثلاثة معًا.
التصعيد مع إيران ليس مناوشة اعتيادية. القصف المتبادل بلغ مستويات غير مسبوقة، يتضمن استهداف منشآت إستراتيجية، وتهديدات بالرد من عمق الخليج إلى حدود لبنان. لكن الأهم أن هذه المواجهة فتحت الباب لما هو أخطر: حرب إقليمية مفتوحة.
اليمن يتوعّد بمهاجمة المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر. كل هذه المحاور مرتبطة بمستوى واحد: إذا ارتكبت إسرائيل، أو حليفتها الولايات المتحدة، خطأ إستراتيجيًا جديدًا، فإن كل الجبهات قد تُفتح دفعة واحدة.
وسط هذا التصعيد، تبرز فرضية مخيفة في الأوساط السياسية والعسكرية: ماذا لو قررت إيران إغلاق مضيق هرمز؟ هذا المضيق الذي يمر عبره أكثر من خمس التجارة النفطية البحرية في العالم، يُعتبر شريانًا حيويًا للطاقة. إغلاقه – حتى بشكل جزئي – سيكون بمثابة صدمة للاقتصاد العالمي، وتهديد مباشر لمصالح واشنطن وأوروبا واليابان. في هذا السيناريو، لن تبقى الحرب إقليمية. بل ستتحول إلى أزمة عالمية.
وستضطر الولايات المتحدة إلى تصعيد مباشر، وربما شامل، ما يجعل من الشرق الأوسط ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى، ويضع المنطقة أمام شبح حرب عالمية ثالثة، تبدأ بالنفط ولا أحد يعرف أين تنتهي.
الدور الأمريكي في هذه الحرب لا يمكن قراءته فقط في سياق "التحالف الإستراتيجي" مع تل أبيب. بل الأهم أن واشنطن ترى في هذه الجغرافيا نقطة إستراتيجية تحول دون استكمال الصين لمشروع "الحزام والطريق". طريق الصين التجاري العالمي، الذي يربط شرق آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر البر والبحر، يمر من ممرات حيوية في الشرق الأوسط: الخليج، البحر الأحمر، قناة السويس، ثم المتوسط.
وجود كيان وظيفي مثل إسرائيل، مزروع داخل هذا المسار، يوفّر للولايات المتحدة قاعدة أمامية لقطع أو تعطيل هذا الطريق إذا لزم الأمر. ومن هنا، فإن الدعم الأمريكي لا يتعلّق فقط بـ "أمن إسرائيل"، بل بحماية مصالح إستراتيجية كبرى، تتجاوز إسرائيل نفسها. السؤال إذًا لم يعد: ما الذي تحميه أمريكا؟ بل أصبح: هل تحمي واشنطن "إسرائيل"، أم أنها تحمي موقعًا وظيفيًا يمنع استكمال الطريق الصيني؟ وهل باتت مستعدة لإشعال المنطقة كلها من أجل ذلك؟
في ظل هذا الانكشاف الإقليمي، يبدو الكيان الإسرائيلي أقرب إلى الانفجار الذاتي. ليس بسبب صاروخ إيراني أو تهديد خارجي، بل لأن مجتمعه لم يعد يثق بنفسه.
لا أحد يتحدث عن حل سياسي. النخبة السياسية تعيش على "المهدئات الأمنية" و"الدعم الغربي". الشارع يبحث عن أبواب النجاة: بالهجرة، أو بالصمت، أو بالكفر الكامل بالمشروع. إسرائيل لم تعد "الوطن النهائي"، بل محطة عابرة، منهارة، على طريق طويل من الفوضى.
بين التهديدات الإيرانية، والردود الإسرائيلية، والتدخل الأمريكي، والانهيار الداخلي، بات المشهد واضحًا: المنطقة على أبواب حرب شاملة، والكيان الصهيوني لم يعد قادرًا على الصمود داخليًا أو خارجيًا. أما العبارة التي تتردّد في الشوارع، وعلى الأرصفة، وفي رسائل الهاربين عبر البحر، فهي ليست شعارًا سياسيًا، بل حكم نهائي على مشروع انكشف زيفه: "إسرائيل ليست نهاية الطريق".

