Menu

سوريا على خريطة الطاقة العالمية في لعبة الأمم منطقة عبور أم مركز نفوذ؟

عزيز موسى

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

 

لم تكن سوريا على خارطة الغاز العالمية كدولة منتجة لعقود مضت، لكنها دون شك مفتاح جيو استراتيجي بالغ الأهمية في صراع وتنافس مشاريع أنابيب الطاقة بين الشرق والغرب، إذ تتقاطع على طول حدودها مشاريع وخطوط النقل الطاقوية التي تقودها مصالح إقليمية ودولية متنافسة، ترى في الأراضي السورية إما ممراً حيوياً لخطوط نقل الغاز والنفط أو ساحة لتعطيل خطوط الخصوم.

خلال العقدين الأخيرين شكّلت سوريا نفطة استقطاب هامة للشركات الدولية والقوى الطامحة للاستثمارات في قطاع الطاقة، إلّا أن التحولات السياسية الكبيرة التي مرت بها البلاد منذ عام 2011 عكست تداخل أطراف القوى الفاعلة وانعدام الاستقرار والأمن، إضافة إلى رغبة النظام السوري السابق بأن يكون قطاع الطاقة كورقة رابحة بالنسبة له، لمحاولة عودته للاندماج في البيئة الإقليمية والدولية واستغلالها كنقطة استقطاب جاذبة، لا سيما في ظل وجود عقود سابقة تم توقيعها مع شركات روسية للاستثمار في الغاز والنفط والفوسفات.

 

بين الحقائق والأرقام

امتلاك سوريا لاحتياطات هائلة من الغاز وموقعها الجيوسياسي المهم في قلب الشرق الأوسط كنقطة اتصال بين آسيا وأوروبا وخطوط النقل والإمداد يمكنها من لعب دور واسع في حال تم استثماره، إذ أن إطلالة سوريا على " حوض المتوسط" يمنحها أهمية بإشرافها على واحد من أغنى حقول الغاز في العالم ، إذ يحتوي الحوض الذي يضم مجموعة من الدول بينها سوريا على 122 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز إضافة إلى 1.7 مليار برميل من النفط، وتبلغ حصة سوريا من الاحتياطيات في مياهها الإقليمية ب " 40 تريليون متر مكعب"، إضافة لتقديرات بوجود احتياطيات أخرى في مناطق اليابسة تقدر بنحو "20 تريليون متر مكعب" وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية ، مما يفتح الباب واسعاً أمام شراكات إقليمية ودولية هامة خاصة في ظل رفع العقوبات وتخفيفها، والمشاركة في عملية البناء بما يضع سوريا أمام العديد من الخيارات في ظل واقع مرهون بالتحالفات وتشابكات العلاقات المصلحية، خاصة أن قطاع النفط والغاز كان يشكل 18% من حجم الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010، أي قبل اكتشاف الاحتياطيات الضخمة أو استثمارها.

 

مفترق الأنابيب وميدان التنافس والصراع على الغاز

لم تعد سوريا مجرد نقطة التقاء أو تنافر للمصالح السياسية والعسكرية، بل تعدت ذلك أيضاً لتشمل خرائط الطاقة التي ترسم بأدوات تتفاعل بها دول الإقليم والقوى الكبرى مع بعضها، وسط واقع تتقاطع فيه الجغرافيا مع الجيولوجيا وتخلط فيه الدماء بالبترول والنار، خلف الدخان الكثيف تنخفى خريطة الطاقة وخاصة الغاز الذي لم يعد عنصراً هامشياً في المشهد السوري، بل بات أحد محاور الصراع غير المعلنة بين أطراف متعددة تسعى جميعها للسيطرة على طرق الإمداد والأوسواق المستقبلية.

اتسم قطاع الطاقة السوري بوجود شركات أوروبية وصينية وهندية كانت فاعلة في مجال استثمار الغاز والنفط أهمها ( توتال، شيل) واللتان توقفتا عن الاستثمار منذ عام 2011 في حقول شرق سوريا، لتظهر عام 2013 شركة " سويز نفت الروسية" التي وقعت عقداً مع الحكومة السورية آنذاك لمدة 25 عاماً بالحصول على امتياز يغطي مساحة 2190 كم مربعا من المربع البحري رقم 2 للشواطئ السورية، إلّا أن هذه الشركة توقفت عن العمل عام 2015، وهنا يبرز حجم الاهتمام الروسي بقطاع الطاقة السوري وخاصة الغاز والفوسفات منعاً لأية مشاريع مستقبلية قد تهدد خطوط الإمداد الروسية إلى أوروبا، هذا الوضع الذي بات مختلفاً بعد سقوط النظام السوري وانفتاح الإدارة السورية الجديدة على الشركات الأوروبية والعربية في عمليات الاستثمار، مما يفرض بدوره على موسكو حسابات أمن الطاقة الجيوسياسية والذي قد يمسها بشكل مباشر.

تبرز أيضاً المصالح التركية التي سارعت بعد أقل من شهر من سقوط النظام إلى طرح ملف ترسيم الحدود البحرية لما يحمله هذا الموضوع من أهمية استراتيجية تتشابك فيا المصالح بين القوى لكبرى والدول المتشاطئة على البحر المتوسط وهي منطقة كانت سوريا خارج حساباتها، فأهمية " المياه الاقتصادية السورية" بالنسبة لتركيا تأتي بسبب اعتماد الأخيرة على الغاز كمصدر رئيس للطاقة تسعى دائماً للحصول عليه ضمن مفهوم " الوطن الأزرق" في المدرك الاستراتيجي التركي الذي يشير إلى المياه الاقتصادية التركية في البحار المحيطة بها، وضرورة استثمارها بما يقلل التكاليف ويكون أيضاً وسيلة ضغط سياسية على قوى أخرى وهذا ما يفسر الاندفاع التركي للعب دور في إعادة تطوير صناعة النفط والغاز في سوريا، فضلاً عن وجود مذكرة تفاهم سابقة بين سوريا وتركيا حول مد خط الغاز العربي الذي ينطلق من مصر مروراً بالأردن ومن ثم سوريا ولبنان، وعدم تنفيذ هذه الخطة بسبب إلغاء العقد مع الشركة الروسية.

من جهة ثانية برز الحديث عن مشروع خط الغاز ال قطر ي الذي يمكن أن يمتد مروراً بسوريا وصولاً إلى أوروبا، إلّا أن الفكرة باتت مؤجلة أو قد يتم نفيها وذلك نظراً إلى التكاليف العالية للمشروع، واعتماد قطر في الوقت نفسه على الغاز المسال باعتباره أقل تكلفة من فكرة المشروع التي تم طرحها سابقاً.

كما تبرز المصالح الأوروبية التي ترى في استقرار سوريا وبدء الاستثمارات خاصة في قطاع الطاقة فرصة هامة لتحقيق مكاسب وهذا ما عبرت عنه القمة الرئاسية التي عقدت عبر تطبيق زوم في 28 مارس / آذار 2025 وجمعت كلاً من ( فرنسا، سوريا، لبنان، قبرص، اليونان) والتي ركزت على مسألة ترسيم الحدود بما يعبّر عن الرؤية الفرنسية الممثلة لأوروبا بالاستفادة من مشاريع الطاقة خاصة الغازية بما يقلل الاعتماد مستقبلاً في حال العمل بها على الغاز الروسي.

هل يكون الغاز السوري على خارطة المصالح الأميركية بين الشراكة والرهان؟

لا شك أن قطاع الطاقة في سوريا يمثل نقطة استقطاب هامة ضمن بنية تتشابك فيها تعقيدات التنافس، من هنا يبدو الاهتمام الأمريكي الذي يمكن من خلاله إدارة فاعلية تأثير ملف الطاقة على المنطقة ضمن المدرك الجيوسياسي للولايات المتحدة، وهذا ما عبّر عنه رجل الأعمال الأمريكي جوناثان باس المدير التنفيذي لشركة " أرجنت" للغاز الطبيعي أثناء زيارته سوريا ولقائه الرئيس أحمد الشرع في أوائل أيار / مايو 2025، إذ طرح إمكانية تولي شركات أميركية إعادة تأهيل وترميم حقول النفط والغاز في شمال شرق سوريا وإعادة تشغيلها، وإنشاء صندوق سيادي سوري تكون حصة سوريا 30% فيه ويطرح أسهم مدرجة قابلة للاستثمار بنسبة 70%، فيما طرح الرئيس الشرع خطة تشابه " مشروع مارشال" تقوم على إعطاء الأولوية للشركات الأميركية و الأوروبية الاستثمارات في قطاع الطاقة على حساب الصين ونفوذ قوى أخرى في البلاد، إلّا أن التحدي الأساسي هو إقناع واشنطن بإمكانية ألا تكون سوريا منصة لتصدير الجماعات الإرهابية إضافة إلى تقديم ضمانات أمنية.

كما لا يقل الاهتمام الإسرائيلي بملف ترسيم الحدود وارتباطه بالطاقة عن غيره، إذ تسعى إسرائيل إلى التسريع باتفاقيات التطبيع وترسيم الحدود البحرية مع كل من سوريا ولبنان لما تشكّله هذه الخطوة من أهمية اقتصادية يمكن من خلالها إنشاء مشاريع أوسع في حوض المتوسط تمكن من إمداد الغاز إلى أوروبا أو مناطق أخرى من العالم.

مع ما تملكه سوريا من موقع جغرافي فريد واحتياطيات طاقوية في " المياه الاقتصادية السورية"، يمكن أن تخرج تدريجياً من هامش خريطة الطاقة العالمية لتفرض نفسها كعنصر أساسي في التنافس الإقليمي والدولي على موارد الغاز والنفط. فهي تتوسط عقدة جغرافية حيوية تمر بها مشاريع أنابيب كبرى، وتحتضن كميات ضخمة من الغاز لم يُستفد منها بعد، ما يجعل منها أرضاً خصبة لفرص استثمارية مستقبلية تنتظر الاستقرار والقرار، فالموقع الذي يتوسط مفترق طرق الطاقة، والاحتياطيات الضخمة غير المستثمرة بعد، يجعلان من سوريا أرض الفرص المؤجلة وميداناً رحباً لمشاريع الاستثمار المستقبلية. وفي الوقت الذي تسعى فيه القوى الكبرى لإعادة رسم خريطة النفوذ في شرق المتوسط من بوابة الطاقة، تبقى سوريا مركز تقاطع للمصالح الاقتصادية والأمنية، وبيئة محتملة لتحالفات جديدة يعاد فيها ترتيب الأولويات والمصالح وفقاً لمعادلات تتجاوز السلاح والصراع.

إن تحقق استقرار سياسي حقيقي، وتخفيف القيود والعقوبات، وتوفير حدّ أدنى من الضمانات الأمنية، يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تضع سوريا في موقع الشريك لا الممر، وفي قلب صناعة الغاز لا على هامشها. إنها لحظة نادرة تعطي لسوريا فرصة أن تعود إلى المشهد الدولي من نافذة التنمية لا الدمار، وأن تبني علاقاتها من جديد على أسس المصالح والطاقة، لا على أنقاض الحروب والمواجهات.