Menu

عمليات المقاومة في غزة: تنوع ميداني وعقيدة استنزاف ترهق الاحتلال

ثائر أبو عياش

في الأسابيع الأخيرة، عادت المقاومة الفلسطينية لتفرض حضورها القوي ميدانيًا في قطاع غزة، من خلال عمليات نوعية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، اتسمت بالتنوع الزماني والمكاني، واستندت إلى عقيدة حرب استنزاف، تتبناها حركات التحرر الوطني عبر التاريخ، وتستثمر فيها فنون المباغتة والحرب النفسية، بهدف تحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز الميدان.

فمن خان يونس جنوبًا، إلى الشجاعية وجباليا شمالًا، ومرورًا بمحيط رفح وتل السلطان، نفّذت المقاومة سلسلة كمائن وتفجيرات وقنص مباشر ضد وحدات النخبة الإسرائيلية، خلّفت قتلى وجرحى في صفوف الجنود، وتسببت بإرباك ميداني واسع لدى قوات الاحتلال التي حاولت التقدّم في أحياء مدمّرة منذ شهور.

تنوّع زماني ومكاني.. تكتيك الاستنزاف

الميزة الأبرز لهذه العمليات تمثلت في توزيعها الزمني والمكاني المدروس، إذ جاءت متعاقبة، لكن غير متوقعة، وفي مناطق ظن الاحتلال أنه أحكم السيطرة عليها. فخلال أقل من شهر، أعلنت فصائل المقاومة – وعلى رأسها كتائب القسام وسرايا القدس  وكتائب أبو علي مصطفى وغيرها من كتائب المقاومة -مسؤوليتها عن استهدافات مباشرة لقوات إسرائيلية في الشجاعية، ثم بعد أيام في تل السلطان، ثم في قلب خان يونس، مما أوجد حالة من الاستنزاف المستمر للقوة المهاجمة.

هذه الديناميكية تتوافق مع عقيدة حركات التحرر، التي تعتمد على إنهاك العدو في معارك طويلة الأمد، وتجنب المواجهة المفتوحة المباشرة، مقابل عمليات خاطفة تُربك وتستنزف وتُراكم الأثر.

المباغتة والحرب النفسية.. سلاحان في يد الميدان

اعتمدت المقاومة على فن المباغتة كأحد أعمدة المعركة، حيث نُفذت عمليات التفجير والقنص عبر طرق يصعب توقعها: عبوات مزروعة مسبقًا، ألغام مموهة في الأنقاض، وكمائن نُفّذت بعد انسحاب شكلي للمقاتلين، ما أدى إلى سقوط قوات الاحتلال في الفخ.

إلى جانب ذلك، لعبت المقاومة على الوتر النفسي بمهارة، عبر نشر مقاطع مصوّرة لعمليات القنص، أو عبر بث رسائل تحمل أسماء القتلى من الجنود، ما زاد الضغط داخل المجتمع الإسرائيلي وخلق بيئة من القلق والخوف لدى الجنود على الأرض.

يُضاف إلى ذلك، تأكيدات من قادة الاحتلال حول وجود "مناطق لا يمكن الدخول إليها دون خسائر"، وهو بحد ذاته اعتراف بفاعلية الحرب النفسية التي تديرها المقاومة.

الأبعاد السياسية.. رسائل أبعد من الميدان

لم تأتِ هذه العمليات بمعزل عن السياق السياسي، بل حملت رسائل واضحة للاحتلال والمجتمع الدولي، مفادها أن المقاومة ما زالت حيّة وقادرة، وأن فكرة "إنهاء التهديد في غزة" لم تتحقق رغم مرور شهور على العدوان. كما سعت إلى فرض معادلة جديدة على الأرض، تربط أي تقدم ميداني بسقوط قتلى من جنود الاحتلال، وبالتالي رفع كلفة الاحتلال سياسيًا وأمنيًا.

وتقول مصادر من داخل المقاومة، إن هذه العمليات تُعتبر جزءًا من "مرحلة الاستنزاف المركّب"، تهدف إلى تعطيل خطط الاحتلال للسيطرة الكاملة على غزة، وعرقلة مسار التفاوض عبر القوة، ودفع الأطراف الدولية للاعتراف بأن الحسم العسكري غير ممكن.

عقيدة المقاتل.. وقود المعركة الطويلة

لا يمكن فهم استمرار وتطور هذه العمليات دون التطرق إلى عقيدة المقاتل الفلسطيني، التي تتجذر في مفاهيم دينية ووطنية، ترى في العمل المقاوم طريقًا للتحرير، لا مجرد رد فعل. هذه العقيدة تخلق نموذجًا فريدًا من المقاتلين، المستعدين للكمون أسابيع داخل الأنفاق، أو تنفيذ عمليات فدائية رغم الإمكانات المحدودة.

الاستشهاد، وفق هذه العقيدة، ليس نهاية، بل جزء من مشروع المقاومة، ما يُفسر قدرة الفصائل على تجنيد عناصر جديدة رغم الخسائر، واستمرار المعركة رغم الحصار والملاحقة.

الأثر على الاحتلال والداخل الإسرائيلي

أحدثت العمليات الأخيرة اهتزازًا في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إذ اعترف الجيش بسقوط قتلى وجرحى، بينهم ضباط، في كمائن متعددة. هذا الاستنزاف المستمر ساهم في زيادة الضغط على الحكومة الإسرائيلية، التي تواجه احتجاجات داخلية، وانقسامات سياسية بشأن جدوى استمرار العملية العسكرية في غزة.

في المقابل، شكّلت هذه العمليات رافعة معنوية للفلسطينيين، وأكدت أن المقاومة قادرة على البقاء والمبادرة، رغم الفارق الكبير في ميزان القوى. كما أنها أعادت تسليط الضوء دوليًا على استمرار الاحتلال والعدوان، ما دفع منظمات حقوقية لتجديد مطالبها بوقف العمليات العسكرية.

ما يجري في قطاع غزة ليس مجرد تبادل نار، بل معركة عقول وصبر واستنزاف، تُدار بعقيدة مقاومة مدروسة، توظّف الجغرافيا، والزمن، والمباغتة، والحرب النفسية، لتحقيق أهداف تتجاوز الميدان العسكري إلى الفضاء السياسي والأخلاقي.

المقاومة الفلسطينية، من خلال عملياتها الأخيرة، تؤكد أنها لم تخرج من المعادلة، بل تعيد صياغتها بأسلوب جديد، حيث الاستمرار أهم من الانتصار السريع، والوعي الميداني أكثر فاعلية من السلاح الثقيل.