منذ فوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب عمدة مدينة نيويورك، قضى زهران كوامي ممداني وقتًا أطول في الرد على موجة الغضب المُثارة حول عبارتين لم ينطقهما قط، بدلًا من عرض رؤيته لمستقبل المدينة.
المفارقة أن خصومه، الذين تسابقوا خلال الحملة الانتخابية في إعلان ولائهم لإسرائيل، قد يكونون، من حيث لا يدرون، قد أسهموا في تعزيز شعبيته، بعد مبالغتهم في التملق لكسب أصوات اصحاب “إسرائيل أولًا” من الصهاينة اليهود وأتباع الكنيسة الإنجيلية.
في مقابلة أُجريت الأسبوع الماضي على برنامج لقاء مع الصحافة على شبكة NBC، كرّرت المقدّمة، كريستين ويلكر، مطالبتها لممداني بإدانة شعار “عولمة الانتفاضة” — وهو تعبير لم يستخدمه أصلًا. ردا على سؤالها، أجاب ممداني بهدوء: “هذه ليست لغتي. لغتي تنبع من إيمان بالحقوق الإنسانية العالمية.”
لكن ذلك لم يكن كافيًا. فموقفه المنطلق من شمولية الحقوق، بما يشمل حقوق الشعب الفلسطيني، كُسِر على صخرة قاعدة غير مكتوبة في السياسة الأمريكية: لا مساس بالحصانة الإسرائيلية.
بدلًا من مناقشة مواقفه كمرشح من قضايا الجريمة، والإسكان، والنقل، والتعليم — وهي ملفات تمس حياة سكان نيويورك مباشرة — انشغلت وسائل الإعلام السائدة والساسة التقليديون بتضخيم عبارة عربية الأصل، جرى تحريف معناها واقتلاعها من سياقها، من قِبل أنصار إسرائيل، سواء عن جهل بمعناها اللغوي أو عن سابق قصد لتشويه مدلولها.
فلنكن واضحين بشأن عبارة “عولمة الانتفاضة”: “الانتفاضة” في اللغة العربية من الفعل انتفض، كمن ينفض الغبار عن جسده، أي النهوض والتحرك. أما في السياق السياسي، فهي حركة جماهيرية واسعة تنادي بالتحرر والمقاومة الشعبية ضد الاحتلال والقمع، ولا تمتّ بصلة إلى الكراهية الدينية أو العرقية. يستخدم الشعار أيضًا من قبل نشطاء يدعون إلى تضامن عالمي مع الفلسطينيين في مواجهة الفصل العنصري والإبادة في غزة. إنها دعوة إلى العدالة، لا إلى العنف — لا ضد اليهود، ولا ضد أي شعب آخر، إلّا إذا اعتبر البعض أن مناهضة الإبادة الجماعية في غزة بحد ذاتها عداء لليهود.
وسائل الإعلام الغربية، المتأثرة بنفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل، ومعظم المحللين السياسيين، يصورون هذا الشعار كدعوة إلى الإبادة، ليس نتيجة سوء فهم، بل تطبيقًا ممنهجًا لأسلوب دعائي يُستقى مباشرة من كراسة الأب الروحي للدعاية النازية، جوزيف غوبلز، الذي قال: “إذا كررت كذبة كبيرة بما يكفي، فسيصدقها الناس في النهاية.”
إنه نفاق صارخ: يُهاجَم ممداني لا لما قاله، بل لأنه رفض التبرّؤ من شعار لم يستخدمه، بل استخدمه آخرون. فالمسألة، بالنسبة للإعلام والمؤسسة السياسية، لا علاقة لها بالدقة أو الحقيقة، بل بتلفيق تهمة تخدم رواية جاهزة: تصوير أي دعم للفلسطينيين وحقوقهم وكأنه تهديد للأمن القومي الأمريكي المرتهَن بولائه للوبي الصهيوني.
وقد يتساءل البعض: لماذا لا تُطرح الأسئلة على خصوم ممداني، مثل موقفهم من مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة إسرائيليين متهمين بارتكاب جرائم حرب؟ أو هل يدينون تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي استشهد بآية توراتية تقول: “اذهب واضرب العماليق… اذبح الرجال والنساء، والأطفال والرضّع، الثيران والغنم، الجمال والحمير” — وهي مقولة استخدمها في سياق العدوان على غزة؟ أم عن موقفهم من الخطاب الإبادي الصريح الذي يتبناه وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير، ويوآف غالانت، الذين أعلنوا بوضوح عن سياسات تدعو إلى إبادة جماعية للفلسطينيين؟
الإجابة واضحة: في الإعلام والسياسة الأمريكية، لا تُحسب حياة الفلسطينيين ضمن القيم الإنسانية. وكل محاولة لإضفاء طابع إنساني على قضيتهم — سواء بالدفاع عن حقوقهم أو بتأطير نضالهم في سياقه الصحيح — تُقابل فورًا بالاتهام بـ”التطرف”.
هذا الهوس بشعار لم ينطق به ممداني، مقابل تجاهل مرشحين يدعمون جرائم حرب موثّقة، لا يكشف فقط ازدواجية في المعايير، بل يعرّي فسادًا أعمق: عنصرية دفينة وكراهية للإسلام، مموّهة بادعاء زائف بـ”حماية الشعب اليهودي”.
لكن الواقع أن هذه الحملة لا تتعلق بحماية اليهود — فالكثير من الناخبين اليهود، خصوصًا من الجيل الشاب، يدعمون ممداني ويعارضون نظام الفصل العنصري الإسرائيلي. القضية في جوهرها تتعلق بالخضوع التام لإملاءات اللوبي الصهيوني، الذي لا يسمح بمساءلة الكيان الإسرائيلي، ولا بوجود صوت يخالف روايته. المطلوب هو الولاء الأعمى.
الضجّة المصطنعة لا تتعلق بشعار “عولمة الانتفاضة”، بل بمحاولة إسكات كل من يدافع عن الفلسطينيين. فعندما يُحرّف الساسة والإعلام المؤيدون للإبادة تعبير “الانتفاضة” إلى شعار معادٍ لليهود، فهم لا يسيئون الترجمة فحسب، بل يطمسون نضال شعب بأكمله. وعندما يعجزون عن تبرير الجرائم، يلجؤون إلى خطاب مزدوج يُفرغ التاريخ من مضمونه الإنساني، ويحوّل كلمة غير إنجليزية إلى قناعٍ لستر الاحتلال، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية.
وما يتعرض له ممداني ليس استثناءً. فقد قال مالكوم إكس قبل عقود: “إذا لم تكن حذرًا، ستجعلك وسائل الإعلام تكره المظلومين وتحب الظالمين.” واليوم، يسعى لوبي الإبادة لجعلنا نخشى الضحايا ونمجد الجلّادين.
الفضيحة الحقيقية ليست أن مرشحًا تقدميًا رفض الانصياع لأجندة اللوبي الصهيوني، بل أن الطبقة السياسية الأمريكية كشفت عن تآكل قيمها الديمقراطية، إذ يُجرَّم المرشح لمجرد دفاعه عن حقوق الإنسان، وتُشوَّه العبارات وتُحوَّل إلى تهم، بل ويُلمّح الرئيس الأمريكي بأن ممداني “لا ينتمي إلينا”. وعندها لا تعود المسألة مجرد تشويه إعلامي، بل انزلاقٌ نحو الاستبداد.
القضية لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تتعلق بما إذا كان الأمريكيون لا يزال بإمكانهم ممارسة حقهم في حرية التعبير — دون خوف أو رقابة أو ابتزاز سياسي. فممداني ليس هو الخطر. الخطر الحقيقي يكمن في أولئك الذين يحرّفون اللغة، ويُسلِّحون الهوية، ويحوّلون الأكاذيب إلى “حقائق” — من ادعاءات 7 أكتوبر الكاذبة، إلى الأساطير الصهيونية الممتدة منذ أكثر من قرن، التي تهدف إلى تحصين دولة فصل عنصري من المساءلة.
المسألة لا تتعلق بشعار “عولمة الانتفاضة” فحسب، بل تتعلق بجوهر العدالة. وهذا بالتحديد هو ما يرعب الطبقة الحاكمة، وكل من ما زال يؤمن بخرافة “الاستثناء” لدولة الكيان الصهيوني.

