Menu

الشرق الأوسط: بحثا عن محددات التوازن الإستراتيجي بعد تراشق يونيو

د. حاتم الجوهري

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

في علوم المعرفة الحديثة شديدة التداخل ووطيدة العلاقات البينية فيما بين بعضها البعض؛ هناك دلالة لاستخدام المفردات والمفاهيم في المجال العام، وتأتي اللغة بوصفها أداة تعبر عن علاقات القوة والهيمنة بين البشر والجماعات الإنسانية، وحينما وضعت في عنوان هذا المقال "الشرق الأوسط" فهذا يشير لحد بعيد إلى تفوق المشروع الغربي، ونجاحه في فرض وجهة نظره على جغرافيا المنطقة العربية الإسلامية.

وذلك سواء في طبقة المنطقة العربية الإسلامية الأخيرة المرتبطة بالقومية العربية، التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الماضي، أو في طبقتها الأقدم الممثلة في الخلافة العثمانية التي تفككت في النصف الأول من القرن الماضي أيضا.

فها هو "شرق أوسط جديد" تسعى أمريكا والغرب إلى تشكيله في الشرق "العربي الإسلامي" متمركزة حول فكرة التجهيل والتعميم، أي التجهيل الثقافي، فهو أوسط مجرد توصيف جغرافي عام بلا هوية ثقافية، كما تسعى لأن تفرض على الحضارات الآسيوية المتنوعة مفهوم "الشرق الأقصى"، معتمدة فكرة التوصيف الجغرافي نفسها ونزع الهوية الثقافية، وكأن العالم كله مركزه في الغرب الأوروأمريكي، وما خارجه مجرد تقسميات جغرافية تعتمد على القرب أو البعد منه.

ولكن إصرارا على المقاومة والصمود سأستخدم أيضا مفهوم المنطقة العربية الإسلامية أو الشرق العربي الإسلامي، ونحن لتونا شهدنا إعلانا لوقف إطلاق النار بعد حرب مفاجئة في يونيو 2025م دامت 12 يوما بين "إسرائيل" وبين إيران، بعد تدخل مفاجئ أيضا من أمريكا بقصف مفاعلات إيران النووية، ثم إعلان دونالد ترامب المفاجئ أيضا عن وقف إطلاق النار بين الجانبين (بعدما قصفت إيران قاعدة العديد في قطر )، لتبدأ حرب تصريحات وادعاء كل طرف بتحقيق أهدافه الإستراتيجية وأنه المنتصر الحقيقي في الحرب!

ما يهمنا هنا؛ هو البحث عن محددات التوازن الإستراتيجي الذي دفع أمريكا لوقف الحرب، والذي قبلها دفعها للتدخل والقصف، وربما لن يكون غريبا أن تطرح هذه المقالة تصورا للتدخل الأمريكي بعنوان: "المشاركة في الحرب من أجل أيقافها"، فعلى كثرة المتغيرات والمحددات الإستراتيجية الحاكمة لتوازنات القوة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية الإسلامية، وكثرة المعلومات والتصرحيات التي نخرج من هنا ومن هناك، إلا أنه يمكن النظر لتلك المحددات وفق الترتيب التالي.

أولا: نتانياهو والمشروع الصهيوني يمثل فكرة الامتداد للحضارة الغربية، ويعتمد تماما على القوة والمدد الخشن والناعم القادم من أمريكا بشل أساسي، وهي الضامن الرئيس لوجوده وبقائه، وانتقل من الأفكار النمطية القديمة التي تم ترويجها عن استراتيجية الحروب القصيرة، وحروب الأذرع الجوية، إلى الحروب الطويلة وحروب المدن في غزة، والحروب واسعة الجبهات، كاشفا عن تمويه استراتيجي كبير لحقيقة الإمكانات الصهيونية، في ظل مدد لا ينقطع من الغرب، والقدرة على تغطية التكلفة الاقتصادية للمستوطنين أو للاقتصاد الكلي في دولة الاحتلال.

ثانيا: إيران تعتمد على مصادر للقوة الذاتية التي استطاعت مراكمتها بعد الحرب العراقية الإيرانية ثمانينات القرن الماضي، وفي ظل عقوبات فرضتها عليها أمريكا، كما تعتمد على شبكة علاقات قوية للغاية مع المحور الأوراسي الجديد الذي يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية، وطورت استراتيجية عسكرية وتصنيعية ناجحة أثبتت نفسها في الحرب، كما أنها نجحت في تقوية الحضور الشيعي في البلاد العربية، ونجحت في تنظيمه وتسليحه مبرزة استقطابا يقوم على محور المقاومة الداعم لحركات التحرر المسلحة في فلسطين، في مواجهة سردية سنية رسمية انتهت بها تناقضات القرن العشرين للترويج لمشروع سلام خيالي، لا يوجد شريك "إسرائيلي" أو "أمريكي" لتنفيذه على الأرض.

ثالثا: المشهد العربي اهتز هزة كبرى في حرب غزة مع تفكك سوريا التي كانت تجمع بين تناقضات عدة، منها أنها تنتمي للبعثية العربية ومشروعها القومي الرمزي بعد تفكك العراق البعثية، وتفكك الناصرية في مصر، وفي الوقت نفسه على قوميتها هذه كانت على تحالف مع المحور الإيراني وتدعم حزب الله في لبنان، لكن ضغوط الحرب السياسية الأمريكية والعسكرية من خلال الذراع الصهيوني، أسقطت النظام السوري البعثي في سوريا، وفككت المستوى السياسي لحزب الله باغتيال حسن نصر الله وأضعفته عسكريا، وكذلك فعلت مع الحشد الشعبي والتمددات الشيعية المنظمة لإيران في العراق، وانتهت أمريكا إلى تفاهم لوقف إطلاق نار منفرد مع جماعة الحوثي في اليمن، في ظل تضييق مستمر اقتصادي وسياسي وإقليمي على مصر يتوسطه مشروع التهجير إلى سيناء، والعمل لرضوخ القاهرة لمشروع "الصهيونية الإبراهيمية" وهيمنتها الثقافية على جغرافيا المنطقة.

رابعا: المشهد الإقليمي والعالمي: تتعامل روسيا والصين مع إيران بوصفها الجبهة العسكرية المفتوحة، التي تخفف الضغط الأمريكي على الجبهة الروسية في ملف أوكرانيا، وعلى الجبهة الصينية في ملف تايوان، وخلال الحرب الأخيرة تناقلت وكالات الأنباء الأخبار عن شحنات صينية لإيران غير معلوم محتواها، أكد الكثيرون أنها تحمل مددا عسكريا، كما أن روسيا أعلنت مساندتها لإيران ببعض المعدات في ظل القانون الدولي وبما لا يخرق العقوبات، وخرجت تصريحات نارية من مسؤولين روس تعلن أن بعض الدول قد تقرض إيرن رؤوسا نووية، إضافة إلى إعلان إيران نيتها إغلاق مضيق هرمز، وملاحظة شديد الأهمية أنها طوال الحرب لم تستهدف بصواريخها الدقيقة مفاعل ديمونه، بما يشى بوجود قواعد اشتباك غير معلنة بينها وبين الطرف الآخر (أمريكا وإسرائيل)، كما أعلنت باكستان دعمها لإيران في ظل انتشار تصريحات لنتانياهو تفيد بأن باكستان هي التالية بعد إيران، وتضامنت تركيا أيضا مع إيران بشكل ما.

في ظل هذا العرض السابق للمحددات العامة للتوزان الاستراتيجي للمنطقة وعلاقاته المتداخلة مع التوازن العالمي في القرن ال21، كانت هناك إستراتيجية واضحة لنتانياهو وهي جر أمريكا للمشاركة بنفسها في الحرب أو من خلال حلف دولي، والقضاء على محور المقاومة الذي تتوسطه إيران وتحييد قدراتها العسكرية قدر استطاعته. وكانت إستراتيجية إيران تقوم على النفس الطويل والسعى لامتلاك القدرات النووية، والصعود الثقافي في جغرافيا المنطقة في خضم الحرب.

وفي مجمل المحددات السابقة وخطوطها العامة؛ يبدو أن دونالد ترامب لم يكن أمام اختيارات كثيرة بعد التصعيد "الإسرائيلي" وضرب إيران، فخلال عشرة أيام استعادت إيران توازنها وأنهكت الدفاعات الصهيونية وأصابت العديد من الأهداف الاستراتيجية، وأعلنت استعدادها لحرب قد تمتد إلى سنتين، بينما مخزون صواريخ الدفاع الجوي "الإسرائيلي" أوشك على النفاد، وأدخلت إيران طرازات جديدة من صواريخها للمعركة وكادت "إسرائيل" ممثل الحضارة الغربية أن تنكشف في الشرق العربي المسلم، ويتبخر وهم "الشرق الأوسط الجديد".

من ثم تتبنى هذه المقالة القصيرة مقاربة إستراتيجية ترى أن ترامب وجد نفسه مجبرا على التدخل المحسوب والخروج سريعا؛ تحت عنوان " المشاركة في الحرب من أجل إيقافها"، لأن التوازنات الدولية والقدرات الذاتية لإيران لم تكن لتسمح له بإسقاطها، دون التحول لمعركة إقليمية كبرى سوف تسحب من مخططات المركزية الغربية في تمثلها الأمريكي، ومشروع الصدام الحضاري للسيطرة على العالم في محاور حضارية ثلاثة، وهي المحور العربي الإسلامى، والمحور الروسي الأرثوذكسي، والمحور الصيني الكونفشيوسي.

تدخل ترامب بقوة وقصف المفاعلات قصفا تضاربت الأنباء عن تأثيره، لأن إيران رفضت طلبات "إسرائيل" بوقف الحرب وراهنت على كشف هشاشتها، ولأن البديل كان دعما عسكريا يفوق قدرة الولايات المتحدة التكتيكية ويطلب سحبا من مخزونها الإستراتيجي قد لا تجد داعيا له، لذا كان ترامب أمام خيار وحيد، وهو "ضربة عسكرية تفضي لوقف الحرب" أو "المشاركة في الحرب من أجل إيقافها".

هذا يعني أن جغرافيا الشرق الأوسط الجديد مازالت معلقة في نظرية الصدام الحضاري المهيمنة على أمريكا حاليا؛ إيران تحافظ على سرديتها الثقافية، وإسرائيل ومن ورائها أمريكا تحرس سرديتها الثقافية عن "الصهيونية الإبراهيمية"، وتركيا تدير التناقضات وتبحث لنفسها عن موطأ قدم بسردية "العثمانية الجديدة"، وتبقى أزمة الذات العربية كاشفة جريحة فاقدة لإتزانها الإستراتيجي دون سردية ثقافية واضحة تملكها، للحركة في الجغرافيا التاريخية التي كانت لها.

ويبدو أن حرب غزة ستؤكد على مفهوم مهم أطرحه منذ بداية الحرب؛ وهو مفهوم "الصراع الجيوثقافي" وأن القرن الـ21 هو قرن صراع السرديات الثقافية بامتياز، وسعيها للهيمنة على الجغرافيا العالمية، عبر وكلاء محليين أبرزهم ("إسرائيل- أوكرانيا- تايوان).

وسأكرر ما أقوله أيضا منذ بداية الحرب؛ أن روسيا طورت سردية "الأوراسية الجديدة" ردا على نظرية الصدام الحضاري، وكذلك طورت الصين سردية "طريق الحرير الجديد"، بينما يسقط العرب في فخ التفاصيل واجترار سرديات القرن الـ20 التي انتهت وتجاوزها العالم.. ليبقى مشروع الشرق الأوسط الجديد هو الحلم الذي لا يغادر أمريكا والمشروع "الصهيوني"، والمرشح للانفجار مجددا في أي لحظة.