Menu

هل تنتهي الحرب؟

سعاده مصطفى أرشيد

الهدف الإخبارية

هل تنتهي الحرب…؟

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إنهاء الحرب في غزة كثيراً من اللغط المقرون بالتفاؤل وهو ما أصبح مدار حديث جلسات السياسة وأروقة الصحافة، ولعل معظم أطراف الحرب المباشرين وغير المباشرين من متقاتلين ومتفرّجين ووسطاء قد أصبحوا ينتظرون بفارغ الصبر نهاية هذه الجولة الأطول زمناً والأكثر دموية في العقود الثمانية الماضية، ولا يخرج عن هذا الإجماع إلا رئيس حكومة الاحتلال وأركان حكومته.
جهود حثيثة بذلها المبعوث الأميركي ويتكوف بالشراكة مع الحكومة ال قطر يّة في التفاوض مع المقاومة بالدوحة، تمّ في نهايتها التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً يتمّ أثناءها التفاوض. وكان من اللافت للانتباه أن المبعوث الأميركي كان يفاوض بالنيابة عن حكومة الاحتلال ودون مشاورتها وإنما كان يطلعها على التفاصيل ويناقش معها ما تم الاتفاق عليه مسبقاً، والقبول ببعض ملاحظاتها وإضافاتها الطفيفة، وكما تمّ بالمقابل قبول بعض ملاحظات وإضافات المقاومة. هذا الأمر أشار بوضوح إلى رغبة واشنطن بإنهاء هذه الحرب الطويلة حتى وإن كان ذلك ضد رغبة نتنياهو وأركان حكومته. فالرئيس الأميركي يتصرّف بواقع الأخ الكبير الذي يعرف مصلحة أخيه الصغير أكثر منه. وبهذا يكون الرئيس الأميركي قد دخل للمسألة بشكل مباشر بتعهّده بتثبيت وقف إطلاق النار خلال الستين يوماً، وبترجمة لذلك يكون ترامب قد تعهّد بلجم حكومة نتنياهو عن خرق الاتفاق كما هي عادتها.
المقاومة وأهل غزة قدّموا ما يفوق الخيال من صبر وصمود وتضحيات ولا زالوا كذلك، ولكن حالة الإرهاق التي يعاني منها الشعب ونفاذ الذخائر لدى المقاومة وفقدان النصير الإقليمي جعل إنهاء الحرب بأقلّ الخسائر مطلباً ضروريّاً وحاجة ملحة، دول الطوق وإن كانت في قرارة النفس تتمنّى الخلاص من المقاومة وما تسببه لها من صداع، ولكن ثباتها وصمودها جعل عواصم عديدة تدرك مقدار تداعيات استمرار الحرب عليها وتدرك أكثر تداعيات هزيمة المقاومة إن حصلت على استقرارها. قطر تريد أن تتوّج دورها في الوساطات القادرة على إنهاء الحروب وبما يعزز من حضورها الخليجي والعربي، ودول الغرب قد ضاقت ذرعاً بتقديم شهادات الزور دفاعاً عن الجيش الأكثر أخلاقيّة في العالم، والذي يرتكب المجازر والإبادة الجماعيّة برعاية من حكومته أمام شاشات الفضائيات التي يشاهدها العالم، فيما أصبحت المظاهرات المنددة بالاحتلال والحكومات الداعمة لة حدثاً يومياً في لندن وباريس وغيرها وأصبحت تأخذ شكلاً مؤثراً في السياسات الداخلية لهذه الدول وتنعكس ظلالها على أي انتخابات قادمة، أما الرئيس الأميركي وهو الأهم والأقدر على وقف هذه الحرب فهو يفكر بإتمام نجاحاته كرجل سلام ويريد إنهاء هذا الصراع الطويل الذي عجزت عن إنهائه (إسرائيل) بقوة جيشها وبما منح لها من غطاء على جرائمها وبرغم التمديدات الزمنية التي كانت تمنح لها. يفكر ترامب في اليوم الثاني لما بعد الحرب ومن سيدير غزة ومقدار الانسحاب الإسرائيلي منها وكيف يمكن السيطرة عليها بالمستقبل؟ ولكنه يفكر أيضاً في اليوم الثالث أيضاً الذي سيعيد فيه تشكيل المنطقة أولاً بالجملة بسايكس – بيكو جديدة وثانياً بالتقسيط عندما ينفرد في دول المنطقة واحدة بعد أخرى..
لا يشعر دونالد ترامب بالحرج في تصريحاته الآمرة لـ(إسرائيل) دولة وحكومة، ولا يبالي بانكشافها كدولة وظيفيّة تابعة للولايات المتحدة لا شريك لها كما يحلو لبنيامين نتنياهو القول وهي أعجز من أن تتحدّى الأمر الرئاسي الأميركي إلا في داخل الهامش الذي تمنحه واشنطن لها ومن هذه الهوامش إبداء بعض التمنع عن القبول بالهدنة لأسباب انتخابية وإرضاء لجمهور المتطرفين. لكن بالنهاية أبلغ بنيامين نتنياهو الأميركان موافقته على الصفقة التي أعدها المبعوث الأميركي ويتكوف مع القطريين مضيفاً إليها شيئاً من الملاحظات والمطالب الطفيفة.
ما يدركه الجميع وإن حاول نتنياهو وفريقه إنكاره أن أهل غزة باقون فيها، وأن لا أحد يستطيع إدارتها إلا بالتوافق مع المقاومة، وأن التفكير بدور للسلطة الفلسطينية في رام الله غير وارد، إذ إنها أخذت تبدو عاجزة عن إدارة الضفة الغربية أصلاً، ويحاول الإسرائيلي إحراجها وإضعافها غير مكترث بصمتها، وأن العصابات التي أشرفت على تشكيلها دولة الاحتلال ليست أكثر من زعران ومهرّبين ورعاع تقتصر قدراتهم على تسويق المخدرات والسطو على قوافل الإغاثة.
وبما أن المقاومة ليست الهدف وإنما الوسيلة، وإنها عمل سياسي في الأصل ويتخذ من النضال المسلح أسلوباً لتحقيق مطالبه، فإن على المقاومة أن تدرك – وهي ولا شك تدرك – مقدار التحولات التي جرت في المنطقة منذ السابع من تشرين الأول 2023 مروراً بخروج المقاومة اللبنانية من حرب المشاغلة والإسناد وما أصابها من خسائر ثم سقوط دمشق واقتراب تطبيعها مع دولة الاحتلال التي أصبحت تحتل من الأراضي الشاميّة ما يفوق مساحة لبنان وعليها أن تدرك نتائج المواجهة الإيرانية – (الإسرائيلية) الأخيرة التي بدت فيها إيران وكأنّها قد أصبحت إيرانية بحتة لا صاحبة مشروع إقليمي وقائدة محور تفكّر في إعادة إحيائه.
أول أمس الأحد بدأ نتنياهو زيارته لواشنطن والتي سيلتقي في مطلعها مع المبعوث ويتكوف ثم مع وزير الخارجية، قبل لقائه الرئيس الأميركي حيث تشير التقديرات أن أمر الهدنة قد حُسم أو يكاد وأن ما سيناقشه نتنياهو في البيت الأبيض هي مسائل إقليمية ومسائل تتعلّق بما بعد الستين يوماً.
هذه الحرب قد تكون أنهت جولة من أطول جولاتها وقد أصبحت تحتاج للتوقف لمرحلة اشتباك تالية قد لا تكون قريبة أو مماثلة لهذه الجولة بالشكل والأدوات، والأهم أن ندرك أنه لا يمكن للمقاومة أن تخرج من الجولة الحالية بانتصار صفريّ على دولة الاحتلال، ولكن عليها أن تتجنب الخسارة الصفرية والأيام لا زالت طويلة، والحرب لم تنته.

*كاتب من فلسطين المحتلة