عند كتابة هذه الأسطر كان ولا يزال التصعيد العسكري سيّد الموقف في المنطقة بظل غياب أي تحرّك إقليمي أو دولي واضح يلجم العدو الصهيوأمريكي الذي يواصل تصعيد عدوانه , مهدداً بـ" إحراق طهران " بالتوازي مع شن غارات إضافية وتنفيذ اغتيالات جديدة لنخبة علماء ومسؤولين عسكريين إيرانيين , في المقابل فإن طهران بدأت الرد بموجات متتالية من القصف بالصواريخ والمسيّرات النوعية , وهي تتوعّد بالمزيد من الضربات العسكرية المؤلمة والكبيرة ضد "إسرائيل" , وتحذّر حلفاء الأخيرة , ولا سيّما واشنطن من التورط المباشر عبر أساطيلها المتمركزة في الأبيض المتوسط والمحيط الهندي !.
اعتبرت طهران أنه لا مبرر لاستمرار المفاوضات حول ملفّها النووي مع واشنطن .. فيما بدأ نوّاب برلمانيون إيرانيون الحديث عن " إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي ".. وبهذا بدا المشهد متجهاً لمزيد من المواجهات العسكرية , من دون أي أفق واضح لإمكانية انتهائها , خاصة في ظل الإصرار الصهيوأمريكي على مواصلة الضربات وغياب أي دور وسيط فاعل يمكن أن يؤدي إلى تهدئة هذه الحرب المفتوحة على كل الاحتمالات !..
· الحرب ترجئ مؤتمر فلسطين الدولي :
شكّل العدوان الصهيوأمريكي السافر على إيران نكسة جديدة لمحاولات فرنسا والترويكا الأوروبية , الدفع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية , وعليه أرجئ مؤتمر دولي تم التحضير له منذ أشهر في نيويورك .
اندلعت المواجهات خلال انعقاد مؤتمر باريس يوم 13/6/2025 لمؤسسات من المجتمعين المدنيين الفلسطيني و " الإسرائيلي " تنشط في مجال السلام , وكان من المفترض أن يحضر الرئيس الفرنسي ماكرون الجلسة الختامية للمؤتمر , الذي هدف إلى تحفيز الزخم قبل مؤتمر دولي آخر برعاية سعودية – فرنسية كان مزمع عقده بين 17 و 20 حزيران 2025 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك , ويهدف إلى" الاعتراف بالدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين " .
إن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط صباح 13/6/2025 , حال دون مشاركة ماكرون شخصياً في مؤتمر باريس , فترأس الجلسة الختامية وزير الخارجية الفرنسي جون بارو !.
شهد المؤتمر الذي امتد لثلاثة أيام , كلمات وحوارات مهمة , فقد أطلق ناشطو سلام " إسرائيليون " نداءات علنية قوية لإنهاء الحرب والحصار على غزة , وذهب بعضهم إلى وصف ما يحدث " إبادة جماعية " و " جرائم حرب" ودعا هؤلاء – بمن فيهم إسرائيليون – الدول الأوروبية إلى مقاطعة حكومة نتنياهو , وأشادوا بالقيود التي فرضتها بعض الدول الأوربية على الوزيرين من اليمين القومي الديني المتطرف سموتريتش و بن غفير !..
· مأزق الرئيس الأمريكي ترمب : -
يواجه الرئيس الأمريكي ترامب انقساماً داخل حزبه بشأن الملف الإيراني .. بين من لا يريدون أن تنخرط واشنطن في الحرب , ومنهم المتمسكون بمقولة "أمريكا أولاً " , وبين صقور الحزب التواقين منذ سنوات لضرب إيران !..
لقد استخدم ترامب خلال المفاوضات النووية التي بدأها فريقه مع طهران يوم 12/4/2025 لغة التهديد باستخدام القوة إذا لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق تضغط واشنطن لتوقيعه بشروطها , وأولها منع طهران من تخصيب اليورانيوم , وهو ما ترى فيه القيادة الإيرانية " ليّ ذراع " وحرمان البلاد من قدراتها , فضلاً عن قناعة المرشد خامنئي :" أن القدرات النووية السلمية لإيران مكسب قومي ينبغي المحافظة عليه "!.
في الوقت الذي كانت إيران تتحضر للرد على نقاط اقتراح أمريكي.. بمقترح موازي , وتحديد موعد لجولة سادسة من التفاوض , جاء العدوان الصهيوأمريكي المباغت لينسف أي محاولة لاستكمال التفاوض , خصوصاً أن ترامب بدا وكأنه يضغط على نتنياهو لمنعه من ضرب إيران وإفشال المفاوضات .. ترامب هذا لم يخفِ دعمه للضربات الإسرائيلية التي صنّفها بـ "الممتازة " , كما هدد إيران بلغة اتسمت بالشماتة والتشفّي , بأنها إذا لم تقبل بالعرض الأمريكي فإن " شيئاً لن يتبقى منها " , متوعداً بضربات أكثر عنفاً!.
ردّت إيران بتصريح لوزير خارجيتها السيد عراقجي يوم 20/6/2025 :" أن طهران التي استهدفت الأراضي المحتلة بهجمات صاروخية رداً على الضربات الإسرائيلية ستكثف هجماتها على إسرائيل وستستهدف كذلك القواعد في المنطقة لأي دولة تحاول حماية كيان الاحتلال "!.
رغم عدم التكافؤ العسكري والتكنولوجي والاستخباري الواسع بين الطرفين , فإن طهران لطالما لوّحت بأوراق قوة لديها ومنها " إغلاق مضيق هرمز " وضرب القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة , غير أن واشنطن -مع هذا التصعيد عالي المخاطر -, تحاول التظاهر بأنها " تنأى بنفسها " عن العدوان , علماً أنه بسلاح ودعم استخباري وتقني أمريكي يستمر هذا العدوان الغاشم !..
الكثير من المراقبين يرون أن ترامب وضع نفسه اليوم , في مواجهة متغيّر كبير للسياسة الخارجية التي وعد بها الشعب الأمريكي وعنوانها " أمريكا أولاً " إلا أنه منح إسرائيل مالم يمنحها أي رئيس أمريكي آخر , ويتعامل مع العدوان وكأنه مفروضاً على " إسرائيل " التي تقوم - حسب اعتقاده – بمهمة " إنقاذ البشرية " من خطر امتلاك إيران القنبلة النووية فالمهمة كما يصورها " مقدّسة " لكن يقابلها في واشنطن والعواصم الأوروبية , تصاعد المخاوف من خطوة متهورة "ليست نزهة " حيث ترتسم سيناريوهات عدة للمشهد القادم , منها أن يطول الصراع ويتحول إلى إقليمي أوسع , ومنها جر الجيش الأمريكي مباشرة إلى أرض المعركة !.
· الانتخابات الأمريكية النصفية قريبة :
حسب صحيفة نيويورك تايمز يوم 20/6/2025 , فإن الحزب الجمهوري منقسم بشأن الملف الإيراني .. وكتبت الصحيفة :" إن ترامب يواجه انقسامات داخل حزبه , فمن جانب ,هناك المتعقّلون الذين يخشون أن تنجر واشنطن إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط , ومن جانب آخر هناك الصقور المتشددون حيال إيران وداعمو إسرائيل الذين يدعون منذ سنوات لمثل هذه الحرب " وبحسب الصحيفة :" يبدو ترامب عالقاً بين الطرفين ويتحرك يمنة ويسرى , محاولاً عدم التورط المباشر , وفي الوقت نفسه الاحتفال بنجاح الهجمات وتحذير طهران من القادم "!.
لكن مجلة فورين بوليسي رأت في تحليلين لها في اليوم التالي , أن العدوان الصهيوأمريكي يتخطى القدرات النووية الإيرانية , وبحسب الكاتب ستيفن كوك , فإن :" إسرائيل تريد أن توجّه ضربة قاضية لما يتعارف عليه بمحور المقاومة بعد أكثر من عشرين شهراً من الحرب على غزة ", واعتبر الكاتب :" أن الحرب ليست حول منشأة نووية , إنها حول تغيير النظام في إيران ", ولذلك يرى المعارضون من قاعدة ترامب , أن الهجوم وموافقة ترامب عليه يتعارض مع أجندته " أمريكا أولاً " وبحسب الناشط داخل حركة " maga " تشارلي كيرك :" إن رسائل البريد التي تصله وتعارض الضربة الإسرائيلية هي بنسبة 99 مقابل رسالة واحدة موافقة ".
- يرى ستيف بانون , المستشار السابق لترامب : " أن آخر الكلام هو , لايمكن أن ننجر بطريقة لا مفر منها إلى حرب على الأرض الأوراسية في الشرق الأوسط أو في شرق أوربا " , في إشارة للحرب الروسية الأوكرانية !.
- بعد مرور عشرة أيام على العدوان , كثيرون في واشنطن والعالم باتوا يعتقدون أن الأمور أصبحت في مكان آخر , ويحتد النقاش حول احتمالاته وآفاقه , فالمواجهة في معظم القراءات والتحليلات هي فيلم طويل -هذه المرة -, وليس من المتوقع نهاية لها قبل "أشهر عدة " , بحسب المستشار السابق ستيف بانون , وربما أطول , ومرهون مداها بـ " الغرض المراد تحقيقه منها " أما وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ليون بانيتا فيرى :" إن تدمير المنشآت النووية الإيرانية صعب ". في غياب القدرات العسكرية المطلوبة مثل القنبلة الخارقة , وفي تعريف العسكريين هي " حرب وقائية " تنطوي عموماً على مخاطر تعميق وإطالة أمدها , ومن الاحتمالات المرجحة أن يمتد الصراع إلى " حرب إقليمية أو فوضى أمنية إقليمية "!.
وللحيلولة دون ذلك , يدعو فريق من الجمهوريين التقليديين الذين رحبوا بالضربة و" شكروا نتنياهو " إلى ضرورة العمل على إسقاط النظام الإيراني , وإذا كان الهدف " بعيد المنال " , لا يرى البراغماتيون مثل " ليون بانيتا " سوى العودة إلى التفاوض مخرجاً من هذه المواجهة المفتوحة .. ومثل هذا الخيار مرهون إلى حد بعيد بقرار الرئيس ترامب الذي تشكّل الحرب " اختباراً " له , حيث تسير الإدارة الأمريكية على حبل مشدود بين التهدئة والحرب الواسعة المفتوحة !..

