ليست محض قصص أو حكايات لكاتب شهيد عنونها ذات يوم ليبني سردية التراجيديا الفلسطينية.. إنها يوميات غزة المفتوحة والطليقة، إذ المسافة إلى ما يصنع الرغيف من حصة الطحين في غزة وحدها، هي مسافة الدم، فكم من مجوع يغامر بما تبقى من حياته ليسد رمق صغاره ولو بكسرة، لعلها كسرة حلم مغمس بدم الأيائل، بضع خطوات معدودات إلى ذلك الموت المؤجل، يمشيها الشيخ والمرأة والفتى، لهاثاً مع وقت لا يشبه إلا ذاته، وإن عاجله الرصاص في إثر كيس الطحين لمن انتظروه، يسقط مضرجاً بالدم والحلم، ويداه المفتوحتان إلى السماء، تتخثر في عروقهما الدماء، ويبقى اللسان وحده مشبعاً بنداء موجع وعميق، يا الله.. ذلك حال ذاكرة لم تعد تقوى على حفظ الأسماء، حسبها أن تتذكر فقط ملامحهم المتعبة والمرهقة، حدَّ الموت البطيء.
مجوعو غزة مازالوا يقدمون دمهم رغيفاً ليومياتنا، المحترقة لنتذوق خبزهم المر، ونتجرع كأس مراراتهم... إنها الحرب وإن تنوعت عناوينها، وما الذي يقنع تلك الطفلة الباحثة عن أبيها أو أخيها، أو من تبقى من عائلتها، بأنه لا شيء سوى السراب، فالسماء واجفة والأرض تغص بالجثث، ولا حدَّ لهذه السوريالية/ العبثية، فهي الواقع الذي طاول الخيال وفككه، في مخيلة الرواة والسرديين جميعهم.. حسناً بنيَّ سأعود لك بما يصنع الرغيف، لكنك ستعثر عليَّ بين ذرات الطحين المتناثر شاحب اللون وبلا طعم، وليس من نار تطهوه، وسأظل أركض بلا اتجاه حيث ترسم الطائرات لنا طريق الموت فقط، لا طريق الحياة، حيث تقتات القذائف من دمنا ولحمنا وشجرنا، وبقية من حلم وما لا يطلبه المستمعون.. إنها الحرب أخيراً كي نُجتث من جذورنا، ونُمحى كأننا لم نكن، لكننا الأرض ذاتها تحت سماء عارية، فمن يقوى على اجتثاثها من ذاكرة المجوعين، وإلى جمهور المتفرجين لا تعتادوا المشهد فالحقيقة هي الناجية الوحيدة.

