وأخيراً تصدعت دعائم الدبلوماسية الأمريكية، وانهارت ركائزها، وتلاشى بريقها، وأصبحت ظلاماً دامساً يحكم علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها و باقي دول العالم، وأضحت كخنجرٍ مسمومٍ يطعن المسار السياسي لأي قضية، وهذا ما كان على جبهتي الحرب الإيرانية الإسرائيلية وجبهة غزة، التي تشهد المزيد من المجازر والإبادة بشتى أنواعها وأشكالها وصورها، وأصبحت الدبلوماسية رديفاً للمسار العسكري؛ لما فيه من خداعٍ وتضليلٍ وتخديرٍ للطرف الآخر.
ما إن هدأت قليلاً طبول الحرب التجارية الترامبية على بلدان العالم قاطبةً، وتراجع وهج القرارات التنفيذية لترامب، وبرغم خلافه الذي تأجج مع الملياردير إيلون ماسك، وتكذيب الأخير له والمطالبة بعزله ، واندلاع الاحتجاجات في لوس أنجلوس على قرارات ترحيل المهاجرين - والتي على إثرها تراجع ترامب عنها بطرقه الالتفافية المعهودة - وفقاً لكل ذلك، اعتقد الكثيرون أن لترامب توجه سياسي جديد ومختلف، جنح به نحو إعادة النظر بالكثير من المواقف الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط، وتحديداً نحو استعار الحرب في غزة وتوسيعها ، ومنع إدخال المساعدات ، والحديث عن جولة مفاوضات جديدة مع إيران آنذاك ، سيما بعد عدة صفعات تلقّاها نتنياهو. بيد أن هذا الاعتقاد تلاشى مع استخدام المندوبة الأمريكية حق النقض الڤيتو ضد قرارٍ تقدمت به ١٠دول ليس لها صفة العضوية الدائمة في مجلس الأمن ، لتنفرد الولايات المتحدة بموقفٍ عدائي ومنحاز، لدولة الإرهاب والمجازر والإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، على مرأى ومسمع من 14 دولة، صوتت إلى جانب وقفٍ دائمٍ وفوريٍ لإطلاق النار في غزة ؛ بحجة أن هذا القرار "يقوض الجهود الدبلوماسية للتوصّل إلى حلٍ للنزاع"، كما جاء في تبرير المندوبة الأمريكية.
وعلى الجبهة الأخرى، تم خداع الإيرانيين بعد تخدير الدبلوماسية الأمريكية لهم بجولة المفاوضات المزمع عقدها الأحد القادم ؛ مما مكن "إسرائيل"- قبل هذا الموعد بيومين - من تحقيق المفاجأة وبشن الحرب، واغتيال القادة وعلماء الذرة الإيرانيين، واندلاع المواجهات العسكرية ، التي امتدت إلى 12 يوماً بالصواريخ والمسيرات والطائرات الحربية، وضرب البنى التحتية لكلا الطرفين، إلى أن انتهت بخداعٍ دبلوماسي أمريكي آخر قبل انتهاء مهلة الأسبوعين التي حددها ترامب ؛ حيث تم ضرب المنشآت النووية بعدوان صارخ، خدمة وحماية "لإسرائيل"، التي عجزت لوحدها عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، ليكتمل بذلك الانحياز التام، بل المشاركة المباشرة بالحرب على إيران وغزة، وسط صمت عربي و إسلامي، وغياب حتى الحد الأدنى من التنديد بهذه الشراكة من العدوان على دولة ذات سيادة، وعلى شعب أعزل، ومليوني غزاوي يبحثون عن لقمة طعام ورشفة ماء.
وبالعودة إلى الفيتو الأمريكي والوجه البشع الآخر لدبلوماسية ترامب ؛ ترافق هذا الموقف مع استنكار واستهجان العديد من الدول لما ينطوي عليه هذا الموقف من نتائج تؤدي إلى مزيدٍ من إراقة الدماء البريئة ، وتفاقم حجم المأساة الإنسانية في غزة، وتهديد الأمن والسلم الإقليمي، والاستمرار في استئثار الدول العظمى بقرارات الشرعية الدولية ، واتخاذها سبيلاً لفرض سياساتها. فقد اعتبره المندوب الباكستاني "ضوء أخضر لإبادة الفلسطينيين في غزة" ، أما المندوب الجزائري فقال:" إن الصمت لا يدافع عن الموتى ، ولا يواجه تداعيات الظلم" ، و وألقى المندوب الصيني باللائمة على الولايات المتحدة مطالباً إياها "بالتخلي عن الحسابات السياسية وتبني موقف عادل ومسؤول".
لقد حملت هذه الدبلوماسية الغادرة لإدارة ترامب دلالاتٍ عديدةٍ ، أبرزها الإمعان في تجاهل الدور الدولي في حل المشكلات والقضايا الهامة، التي تصب في حفظ الأمن والسلم الإقليمي والعالمي ، وإصرار الولايات المتحدة على تنفيذ أجندتها وفق منظور مصالحها ومصالح دولة الكيان التي لا تنتهي. كذلك ، أعطت هذه الدبلوماسية الضوء الأخضر لدولة الكيان باستمرار حربها المجنونة الهمجية ضد الأبرياء في غزة، تحت مسمى إطلاق سراح الرهائن ؛ هذه الحرب التي وصفها العديد من المسؤولين الإسرائيليين الأمنيين والعسكريين والسياسيين بأنها "بلا أهداف ولا إنجازات"، هذه الحرب التي باتت السلوك اليومي لسياسة نتنياهو لبقائه في سدة الحكم ، وتهربه من المساءلة القانونية عن فشله في أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٣، واستمرار تعنته في الاستجابة لضغط الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، وكأن استجابة ترامب المخادعة لدعم نتنياهو في حربه ضد إيران، جاءت تجميلاً لوجه نتنياهو القبيح ، و تعويضاً له عن اخفاقه أمام المجتمع الإسرائيلي، وتعزيزاً لمواقفه في وجه معارضيه ؛ بعدما أصبحت حرب غزة لا تحظى بأي إجماعٍ في الداخل الإسرائيلي ، وفي كافة الصعد السياسية والعسكرية والأمنية المجتمعية، بينما حصل الإجماع بكل فئاته وعلى كافة المستويات في حرب نتنياهو ضد إيران، تحت مسمى الاهداف المعلنة والخفية منها؛ وهي التخلص من البرنامج النووي الايراني، وتدمير قوه الردع، والبرنامج الصاروخي الايراني، والحد من دور إيران في دعم أذرعتها في المنطقة، وتحديد علاقتها المستقبلية مع دول المنطقة، وإضعاف النظام الايراني تمهيداً لإسقاطه.
كما يشير استخدام الڤيتو للمرة الثانية من قبل الإدارة الأمريكية، بخصوص غزة إلى الشراكة المباشرة في الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، ويؤكد سياسة الولايات المتحدة الاستمرار في دعم "إسرائيل"، على كافة الصعد الدبلوماسية والسياسية والعسكرية ، وتشكيل حاجز صد عنها بدعوى " الدفاع عن النفس". وبدا أن الصفعات التي تلقاها نتنياهو من ترامب مؤخراً "لا تسمن ولا تغني من جوع" ، إنما هي اختلافات في أساليب تنفيذ السياسات المتفق عليها آنفاً، ولا تصب بأي تغيير في السياسة الترامبية ؛ وما مطالبة ترامب بإلغاء محاكمة نتنياهو إلا تأكيد حرصه على المستقبل السياسي لهذا الأخير ودفاعاً عنه.
كما يدلّل هذا المسار الترامبي على الإصرار في إفشال كافة الجهود الدولية، الرامية إلى إيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي في المنطقة، والاستمرار في تجاهل التوصل إلى حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية، وضرب مبادرة حل الدولتين التي طالما دأبت الدول الغربية على طرحها مؤخراً، خاصة ما تسعى إليه فرنسا و السعودية من مبادرة لعقد مؤتمرٍ دوليٍ بهذا الخصوص، هذه المبادرة التي وُإدت قبل أن تبصر الضوء.
وما تحمله هذه الدبلوماسية أيضاً، من تأكيد لسياسة الولايات المتحدة في التعاطي مع الأزمات الدولية ، من خلال السعي لإدارة الأزمة أكثر من السعي لحلها. وقد برز هذا واضحاً من خلال جولات المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي قبل ضربه ومن خلال ما يجري في غزة من استمرار سياسة التجويع ومقتلة المساعدات.
إن مسار الدبلوماسية الترامبية الخادعة أفضى إلى تداعيات عديدة، أبرزها إعادة التأكيد على الدور الوظيفي للكيان الصهيوني، كقاعدة متقدمة لأمريكا أولاً والغرب عموما. وتأكيد الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، وشروعها بتنفيذ مخطط الشرق الأوسطي الجديد، الذي طالما عبّر عنه الفاشيست نتنياهو. وخضوع المنطقة بكل مقدراتها وامكاناتها، وما تبقى لها من سيادة إلى المستثمر والمستمر، ورجل الصفقات ووكيله في الإقليم نتنياهو. إضافةً، توجيه الضربة القاصمة للمواقف الأوروبية الأخيرة؛ لإدانتها واستنكارها لاستمرار الحرب، ورفض دولة الاحتلال إدخال المساعدات، واتخاذ بعض الدول إجراءات عقابية قد تكون مؤثرة إلى حد ما؛ مما يعني كسر العزلة عن دولة الاحتلال، وجرس إنذارٍ لهذه الدول، واحتواء مواقفها التي لا تتناغم مع الدبلوماسية الترامبية ، وتقويض دورها وتحويلها إلى جوقة من المصفقين و المهللّين والمباركين؛ إلى الحد الذي ذهب إليه أمين عام حلف الناتو بقوله مؤخراً في اجتماع قادة الحلف : " إن ترامب رجل القوة والسلام"، وبذلك تأكيد لمبدأ ترامب "سلام القوة" . ومما أفرزته الدبلوماسية الترامبية قدرة ترامب على فرض رؤيته لحل أي قضية، وهذا ما كان واضحاً في فرضه لوقف إطلاق النار بين إيران ودولة الكيان، والإيعاز لهما بالشروع بالمفاوضات، بعدما صرّح بأنه " غير راضٍ عن إيران وإسرائيل ". والسؤال هنا : لماذا لا يمارس ترامب دبلوماسيته على جبهة غزة؟ أم أن هذا يندرج في إطار مخطط الشرق الأوسطي الجديد؟!!
إن استمرار استخدام هذه الدبلوماسية الترامبية المدمرة و إفشال، توجه مجلس الأمن لاتخاذ قرار لإيقاف الحرب؛ من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة ، الناجمة عن رفض "إسرائيل" المستمر إدخال المساعدات، واتخاذها سلاحاً لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة ، ودفعه نحو التهجير.
هذا الموقف الأمريكي الترامبي يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، تعاظم نفوذ اللوبي اليهودي الصهيوني داخل الإدارة الأمريكية، وفي الدولة العميقة هناك، وفرض سياسات تتماشى مع الفكر والعقيدة الصهيونية، التي يسير على خطاها نتنياهو وأجنحته اليمينية الدينية المتطرفة. كما يُطلق هذا الموقف الأمريكي المنحاز يد دولة الاحتلال في الضفة الغربية ؛ لتعزيز الاستيطان وبسط السيادة الإسرائيلية عليها، كما أعلن عن ذلك الوزير اليميني سموتريتش بإعطاء موظفيه البدء بإجراءات بسط هذه السيادة على مدن وقرى الضفة الغربية، وما إنشاء 22 مستوطنة جديدة مؤخراً، وصمت دبلوماسية الولايات المتحدة ، إلا تأكيد لهذه الحقائق.
مرة اخرى، يعتبر الموقف الأمريكي الأخير في ضربه للمنشآت الإيرانية النووية - محاولةً منه لإرضاء دولة الكيان، وتعويضها عن خسارتها في المواجهات مع إيران والمقاومة في غزة - ضرباً لمصداقية ترامب الذي قدّم نفسه ووعد بأنه رجل سلام، وأنه سيجلب الاستقرار والازدهار إلى المنطقة ؛ لأن مثل هذا الموقف - وما ينطوي عليه من تأجيجٍ للحرب وتقويضٍ لمساعي الأمن والسلام في المنطقة - تعبيرٌ عن انحياز مطلق للاحتلال والعدوان. إن تصرف الإدارة الأمريكية على هذا النحو، وبهذه الدبلوماسية العسكرتارية المخادعة تحت مسمى " سياسة الاحتواء"، يجردها من مسؤوليتها كدولة عظمى تقود العالم نحو الهاوية والانهيار، بدلاً من الاستقرار والأمن والسلام، ويضعها أمام مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية أمام شعبها الذي أدان استمرار حرب الإبادة في غزة، وإشعال الحروب في الشرق الأوسط ، سواء في التظاهرات الحاشدة في المدن والتي هتفت " لا للملك، لا نحتاج إلى ديكتاتور آخر" أو في احتجاجات الجامعات أو الأكاديميات ، أو بين أعضاء الكونغرس وسياسيين مخضرمين، أو حتى من بعض أعضاء حزبه ؛ مما يعني اتساع الهوة بين الطبقة السياسية المتنفذة في البيت الأبيض والمجتمع الأمريكي.
إن هذه الدلالات والتداعيات، تؤشر إلى سقوط رهانات وسياسات الأنظمة العربية على الولايات المتحدة ، خاصة تلك التي ملأت جيوب ترامب بمليارات الدولارات والاستثمارات والصفقات، والتي أوهمت شعوبها ؛ بأن هذا سيكون مدعاة تقدمٍ ورقيٍ لبلدانها ورفاهيةٍ لشعوبها، متناسية النهج والفكر الاستعماري الإمبريالي للإدارة الأمريكية، ونهبها لثروات ومقدرات الشعوب وإفقارها. وسقوط الرهان لكل من يرى في الولايات المتحدة الأمريكية وسيطاً نزيها في عملية السلام، التي لا زالت تعشعش في أذهان الكثير من الأنظمة العربية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية.
السؤال الأخير الذي يطرح نفسه هنا: هل ما حدث في مجلس الأمن - بشأن العدوان على إيران والحرب الفاشية على غزة - هو تقويض لدوره ومسؤولياته، ودور الدول الأوروبية العاجزة كما وصفها رئيس وزراء إيرلندا "أن أوروبا غير قادرة على ممارسة الضغط على إسرائيل"؟ وهل هو تفويت الفرصة عليهم لاتخاذ قرار من شأنه أن تصبح الإدارة الأمريكية جزءاً من الكل بدلاً من الكل كله؟ وهل ما حدث من تفاهماتٍ - تحت الطاولة - بين إيران وترامب يؤسس لمرحلة جديدة قد تطال الوضع في غزة؟!! وهل يسعى ترامب لاحقاً الانفراد باتخاذ قرار وقف الحرب، مثلما أنهى الحرب على إيران، سعياً منه لتسجيل هذا الاستحقاق الكبير باسمه شخصياً، خاصةً أنه يحب قطف الثمار ولعب الورقة الأخيرة الحاسمة، وبالتالي يُظهرهُ بأنه رجل السلام الأوحد في العالم؟ لننتظر تصاعد الدخان الأبيض أو الأسود.

