صباح الخير يا غسان
صباح الخير يا ابراهيم
صباح الخير يا قدسنا وعَكانا وَيافانا ورَملَتَنا وطيرَتنا صباح الخير يا غزة لِشمالها ووسطها وجنوبها صباح الخير اطفال القنديل الصغير صباح الخير لأمي وخالتي صباح الخير ابو علي صباح الخير ابوعثمان صباح الخير دلال وناديا صباح الخير لِصديقٍ في سكرامنتو صباح الخير للطفل الذي ولد من دمعات شهيد يصلي في أيار وبقي تحت الأرض وعاش في السواد لكن بقلب شديد البياض ينتظر فرصة الانبعاث من جديد عندما يكبر ويستطيع ان يكون ندا صباح الخير للفلسطيني الغير مرئي.
صباح الخير يا أرض البرتقال الحزين صباح الخير لابي الذي حزنت عليه برتقالة أرض البرتقال الحزين صباح الخير لمسدس ينتظر يد ذلك الطفل الذي وُلِدَ من عين الشهيد في أيار.صباح الخير لأُفقٍ يُنتظر أن يُشرِقَ من الغرب. صباح الخير للجندي البطل.
لا صباحا ولا خيرا لعبد الله وفاروق والضابط والمحقق والمدير.
كل هذه شخصيات هي وردت في ١١ قصة من مجموعة أرض البرتقال الحزين.
المدقق في تسميات القصص أسماء شخصياتها ورمزيتها ما بين دور الضحية والجلاد المكانية والزمانية وعكسها للوقائع ما بين جريمة الإبادة الأولى التي أطلق عليها النكبة عام ١٩٤٨ وحتى ١٩٦٢ يلاحظ أن المسميات لم تكن اعتباطية بل كانت مقصودة.
في هذه المجموعة القصصية الصغيرة ظهرت شخصية الشهيد غسان الجامعة التي تحمل ابداعية سياسية واجتماعية وثقافية وأدبية وفلسفية وإنسانية نضالية . ظهرت هذه الخصائص في عملية مركبة من تفكيك وتركيب ابداعي متلاحم فيها السياسي والنضالي والفلسفي والتحدي والانهزام والارهابي والقمعي وترابطهم عبر أداة واحدة وان اختلفت التسميات.
إبداعه الفلسفي تجلى ابداعية حوارية انتقل فيها بين الوحيد والخاص والعام جيئة وذهابا في المكان عبر صور أدبية ينقل القارئ بين تفاصيل الصورة المتداخلة الوانها زمانيا بين الماضي والحاضر ويرسم خطوط أفق المستقبل ووضع شروطا لتخطي المستقبل إذا لم نأخذها بعين الاعتبار فإننا سندخل من جديد بوابة الابادة والنكبة لان المطلوب هو اذابة الشعب الفلسطيني كما تذوب حبة السكر في الشاي.
مهمة الإذابة التي تناوب عليها المحقق في بلا حدود وواجها طيف الفلسطيني الذي حملته الريح و استغل حالة الهذيان التي عاشها المحقق بين الوعي واللاوعي فأطلق خطابه ليشرح ما يعيشه مليون فلسطيني غير مرئي في بقاع الأرض وبين آلة القتل الارهابية التي واجهها أبو عثمان بصمته بعد مقتل كل من ابنته وزوجته لِيفجر غضبه في قاتليهم في ورقة من الرملة. مرورا بشخصية أبو علي ( قصة السلاح المحرم) الذي يعطي مدلولا للاسم الذي يحمل صفة الإقدام والشجاعة في الثقافة العامة.
ابو علي الذي استطاع أن يصارع الجندي الأجنبي ويأخذ سلاحه.هذا الجندي الذي رفض أهل القرية اعطاءه سكن بينهم.
ابوعلي أخذ السلاح وهرب واستطاع الهروب رغم آلامه ولكن اصطدم بكل من الشخصيتين التي أعطاها غسان كنفاني اسمي عبدالله وفاروق في رمزية للنظام الرسمي لِيقوما بطلب السلاح من ابو علي الذي رفض اعطاء السلاح وبدء يصرخ هذا السلاح حلالي . فهاجم كل من عبدالله وفاروق وامسكوا برقبته و اقتادوه الى اللاعودة إلى خارج القرية وهو يصرخ هذه البندقية حلالي.
وفي هذه الصورة اعطى غسان دور وصورة متناقضة للسلاح عندما كان في يد الجندي الأجنبي كان وسيلة احتلال وعندما أصبح في يد ابوعلي أصبح وسيلة دفاع ضد الضباع الذين يهاجمون القرية.
في هذه القصة وضح غسان أن السلاح كان محرما ممنوعا للفلسطينيين لمواجهة الضباع والجنود الاجانب في اشارة رمزية الى سيادة الأحكام العرفية البريطانية في الأرض المتبقية ناهيك عن الأرض المحتلة هذين المصطلحين الذي استخدم في قصة الأفق في وصفه بوابة مندلبوم في القدس هذا الجدار الحجري الذي يفصل بين الأرض المحتلة والأرض الباقية .
القصة التي غطى الفلسطيني الغير مرئي موت اخته دلال وعند امتلك الشجاعة ليقول الحقيقة لامه القابعة في الأرض المحتلة أن أخته قد قتلت وإن قبرها يبعد امتار عنها أبلغته خالته أن أمه قد ماتت لحظتها شعر بضياع و مدت خالته يدها على كتفه وهو ينظر بهدوء الى الأفق خلف بوابة مندلبوم وعاد الى مكان استقصد غسان ان لا يذكره في قدومه أو رجوعه في إشارة عميقة الى حالة الهروب والضياع الغير مرئية لِلفلسطيني التي تتداخل في الأمل في الأفق خلف البوابة.
هذا الهروب والضياع تلاشى في قصة ورقة من غزة في رسالة حوارية بعثها الفلسطيني الغير مرئي الى صديقه مصطفى في سكرامنتو (كاليفورنيا) يشرح فيها سبب رفضه فكرة الهروب من غزة التي تفوح فيها رائحة الهزيمة وتربطه فيها الشعور بالشفقة على امه ولأرمَلة اولاد اخيه. حتى انه عندما سمع خبر إن اليهود قصفوا غزة اعتبره خبرا عاديا.
وأنه لا يستطيع أن يفي بوعده بالهروب للتخلص من وحل الهزيمة ويطرح سؤالا على صديقه وعلى ذاته : ما هو الشيء الذي يربطنا إلى غزة فيحد من حماسنا إلى الهروب؟ لماذا لا نترك هذه الهزيمة ونمضي إلى حياة أكثر ألوانا وأعمق سلوى ..لماذا؟ لم نكن ندري؟
في دوامة هذه التساؤلات وجد الفلسطيني الغير مرئي اجاباتها بعد أن زار إبنة أخته ناديا في المشفى التي اعتاد على حبها ومن خلالها كل هذا الجيل الذي رضع الهزيمة والتي أصبحت الحياة السعيدة ضرب من الشذوذ الاجتماعي.
ذهب الفلسطيني الغير مرئي الى المستشفى وهو لا يعلم سبب وجود ناديا (التي اعتاد على حبها ) في المشفى .
ليكتشف أن ابنة أخته التي وعدها ان يحضر لها بنطلوناً احمر كانت تحبه لقد كانت ضحية هذا القصف اليهودي الذي سمعه كَخَبر عابر و بترت ساقها واشارت له بصمت لهذه الحقيقة بعد أن رفعت الشرشف الابيض ليرى أن لا لزوم لِلبنطلون الأحمر.
عندها خرج من المستشفى وسمع ان ابنة اختهِ أصيبت عندما كانت تضم وتخيم بجسدها فوق اخوتها لتحميهم من القذائف في حين كانت تستطيع أن تهرب وتنجو.
هذه اللحظة كانت فاصلة بين حالة الهذيان والهروب وانتقال من الضياع الى وعي المكان وساكنيه وما يربط غزة ب فلسطين التي رأى فيها نفقا يمتد منها إلى صفد .
وبدء حوار وعي الذات ووعي المكان بين ذاته وصديقه ليخبره انه لن يهرب وعن ضرورة حماية المكان ومن فيه كما فعلت ناديا الطفلة التي عاشت الهزيمة. وبِبراءتها وبِعفويتها وفطرتها خيمت بجسدها على اخوتها وحمتهم من همجية القصف الصهيوني مما أدى إلى فقدانها ساقها من اعلى الفخذ. هذا الحوار بين الفلسطيني الغير مرئي وذاته وبين ذاته وصديقه تضمن انتقالا سلسا من الوحيد الى الخاص ليدرك صورة جديدة لم يراها لغزة من قبل. غزة التي كانت الشمس الساطعة تملأ شوارعها بلون الدم . كانت غزة يا مصطفى جديدة كل الجدة ، ابدا لم نرها هكذا انا وانت. حتى حي الشجاعية والحجارة المتراكمة على مدخله كأنها وضعت لأسباب لم ندركها.
هذا الوعي الذي انتقل من حالة اللامبالاة الى حالة ضرورة ان تكون هنالك فكرة تعبر عن هذا الوعي أظهرها في قصة قتيل في الموصل عندما مر على حالة صديقه معروف من الأردن الذي يدرس في بغداد وسمع انه مات في الموصل.
وفي وصفه لصديقه معروف الذي عاش حياته بين كوز الماء الذي احضره لامه العطشى بعد عشرة أيام من طرده وامه من اللد أمه التي ماتت قبل ان تأخذ كوز الماء الذي قاتل من أجل الحصول عليه بالرغم من قصر قامته لكنه استطاع أن يحصل على كوز ماء لامه.(كلمة كوز هي وصف ل شكل مخروطي عادة ما يكون من الورق يلف) وبين دراسته في بغداد.
معروف كان اصبح انسانا غير مبالي ولا يؤمن بشيء وفي سياق سؤاله إذا ما كان يريد العودة لفلسطين ولبلده اللد كان يقول نعم ولكن قطع كلام السائل وأجاب على السؤال التالي من خلال قصة هانيبال الذي أراد أن يعبر جبال الالب سار جنوده خلف الفيلة وقال أنا لست فيلا وحينما يعبرون الحدود انا ساكون خلفكم أنا صرصار صغير سأحتمي بِظلال فيلة هانيبال في وصف لحالته . هنا يطرح تساؤل عن كيفية تغير معروف بعد قوله ان هناك ضرورة لمن يقود الفيلة في إدراك عميق لدور الفرد الواعي الفلسطيني وعندما كرر الجواب الذي أطلقه معروف كانت الإجابة الثورة. في إشارة لما حصل في العراق كان معروف يرى أن هنالك امل في ان تكون طريقا للعودة الى اللد لكن هذا الأمل سقط وقتل معروف في الموصل .
أما في قصة لا شيء فإن هذا الوعي العفوي الفردي للذات وضرورة مواجهة الواقع عبرت عن نفسها بشكل أوضح في خبر إقدام الجندي على الحدود بإطلاق الرصاص على الأرض المحتلة مما ادى لقتل اثنين منهم فاقتيدَ إلى مستشفى الأمراض العصبية.
دار حوار بين الجندي والممرض الممسك به الذي يريد أن يقتاده إلى الرئيس وهو لا يعرف لماذا .
بالإضافة للجندي والممرض كان هنالك وصف لِعنكبوت (في اشارة لحالة تشويش وعي وارادة الجندي الذي لم يعطيه إسما) في جبين الجندي بدأ يعمل لبناء شبكته التي كانت تتمزق ويعود لبنائها مرتبطة بوتيرة حدة الحوار بين الجندي والممرض.
هذا الحوار الذي يدور عن حالة الجندي الذي شخص انه يعاني من مرض عصبي أدى الى اطلاقه النار على الأرض المحتلة وسبب ان هذا التوصيف جاء بعد سؤال الطبيب عن شعور الجندي ما قبل اطلاق الرصاصات وبعده وكانت إجابة الجندي لا شيء والتي عدلها بعد ما رأى علامات الاسى على وجه الطبيب ليقول نعم شعرت ان الرصاصات انتهت بسرعة.
وفي سياق الحوار الذي كان يتخلله إصرار الجندي على التوقف والسؤال وانتظار الرد وعمل العنكبوت في الجبين في إشارة لإيهام الجندي انه مريض عصبيا. يسأل الجندي الممرض هل اطلاق الرصاص يعتبر سبب للمرض العصبي وهل الحالة الطبيعية هو ان لا نطلق الرصاص في إشارة للأرض المحتلة. فأجاب الممرض الفرق ان المصاب بانهيار عصبي لا يتعمد ذلك (في اشارة الى اطلاق النار على الأرض المحتلة)؟.
فأجاب الجندي يعني هم يحسبون إذن أني لم أتعمد؟ واستمر في الحديث ليقول انني تعمدت ذلك وإطلاق كان سهلا وسريعا وهم لا يعطوهم سوى محزن واحد في اشارة الى حالته الواعية والمعتمدة لاطلاق النار على الجنود في الأرض المحتلة . واصر على الوقوف ليعود ليسأل ليتأكد هل انني مصاب بمرض عصبي لأنني تعمدت ذلك وهم غير مصابون بمرض عصبي لانهم لا يقومون بذلك؟ أجاب الممرض نعم . عندها تمزقت شبكة العنكبوت واصبحت الرؤية عند الجندي بيضاء واضحة ومشى بخطوات واثقة الى المدير.
احدى عشر قصة اذا ما اخذنا أحداثها الزمانية والمكانية وعباراتها التي كانت تحمل مدلولات عميقة تعبر عن تداخل بين الفلسفي والاجتماعي والسياسي وصف فيها غسان حالة الفلسطيني الذي انتقل من الحالة الغير مرئية إلى المرئية عبر عنها في حالة إدراك دور الذات التي تطورت عبر الزمان الى حالة وعي الدور الفردي وتحول الوعي من فكرة إلى ممارسة جسدها الجندي الذي أدرك أنه الصحيح وكل من حوله مرضى اعصاب.
غسان استقرأ في هذه المجموعة القصصية ضرورة الفكرة والأداة واستقراء الأحداث ستتكرر كحادثة الجندي الواعي لسلوكه الذي يمثل الحالة الشعبية كحالة الجندي المصري سليمان خاطر والجندي الأردني الدقامسة.
احدى عشر قصة مع بقية قِصصه تؤكد أن غسان كنفاني يحمل بكل جدارة صفة الأديب القائد السياسي الذي طوع المقولات الفلسفية بادوات ادبية تحمل بعدا انسانيا واجتماعيا يغلفها عنوان تحقيق العدالة عبر إبراز وحشية الممارسة الصهيونية الارهابية بكل ما تعنيه الكلمة.
غسان أدرك أن الطفل الذي ولد من عيون الشهيد صاحب القلب الأبيض والذي عاش في الظلمة سوف يكبر وينمو ويتطور ويبعث كمارد يسعى للحرية والتحرر.

