امتدت حرب الإبادة الإجرامية على غزة أكثر من 600 يوم، دون هوادة، حتى أصبحت كل مناطق القطاع ساحة تجارب للأسلحة الأمريكية الفتاكة. طوال هذه المدة، ظل العالم الغربي يطالب بالإفراج عن الأسرى الصهاينة في غزة، ويصفهم بالرهائن المستضعفين. ويتحسر على مصيرهم. وينسج الأكاذيب والقصص التراجيدية والوهمية عن معاناتهم وتعذيبهم. ويصف فصائل المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والوحشية، وأسوأ الصفات والنعوت. بينما ذات الأشخاص، أو المسؤولين، أو الحكومات والدول ظلوا يرددون الدعاية الصهيونية الكاذبة، ظلوا أيضاً صامتين إزاء ما يجري من قتل وتدمير وتجويع في غزة. لا يرون، بذات العين، حرب الإبادة التي تدور رحاها هناك، منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى اليوم، حيث راح أكثر من 200000 شهيد وجريح ضحايا لهذه الحرب الوحشية. وما زالت آلة القتل المتوحشة الصهيونية الأمريكية تستهدف خيم النازحين العزل وأماكن إيوائهم. وأماكن تجمعهم بحثاً عن طعام مغموس بالدم. وكأن ما يجري هو أحد أفلام الرعب الخيالي الهوليودية. لم يرَ أحد من أولئك الأشخاص حجم الدمار الذي ألحقته آلة الحرب الصهيونية الأمريكية بأحياء غزة، والمناطق السكنية وأماكن الإيواء، والمستشفيات والمراكز الصحية، ومنشآت البنى التحتية. الحصار الشامل، والتجويع، ومنع الدواء والغذاء والوقود، كل تلك الأعمال الشنيعة التي لم يكن لها مثيل عبر التاريخ، لم تُزعج أحداً. ولم تلفت نظر أحد. لا في العالم الغربي، ولا حتى في العالم العربي. الجميع يركز فقط على سلامة الأسرى الصهاينة، وضرورة عودتهم إلى ديارهم. واستسلام المقاومين الفلسطينيين وتسليم أسلحتهم. لا يذكر أولئك المنافقون أن غالبية الأسرى الصهاينة هم من الجنود والعساكر، في الخدمة الفعلية أو في الاحتياط، أو من المتقاعدين الذين تلطخت أيديهم بدماء الأطفال الفلسطينيين. ولم يذكر أولئك أن الكيان الصهيوني هو كيان محتل للأراضي الفلسطينية منذ 1948. لقد أظهرت هذه الحرب الإجرامية الوجه البشع للصهيونية النازية وحلفائها في الإدارة الأمريكية والدول الغربية. وبينت بوضوح لا لبس فيه ازدواجية المعايير التي تستخدمها الدول الغربية في نظرتها إلى المنطقة العربية، وإلى القضية الفلسطينية. دعم مطلق للكيان الصهيوني في المال والعتاد، واستخدام حق الفيتو ضد أي إدانة محتملة للجرائم الصهيونية. كذلك أظهرت هذه الحرب الإجرامية الوجه الحقيقي للتحولات العربية الكبرى وراء الصمت المريب والمتواطئ الذي التزمت به تلك الدول. طوال فترة هذه الحرب ظلت معظم الدول العربية تراقب بصمت ما يجري. وبعض هذه الدول كان موافقاً وداعما للعدوان، سواء مباشرة أو غير مباشرة. وينبغي القول إن هذا الصمت في كلا الحالتين، إن دل على شيء فهو يدل على الموافقة والمشاركة بما يجري. أيضاً، أظهرت هذه الحرب المواقف المخزية والمنافقة للعديد من المنظمات غير الحكومية التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، أو التي تنادي بحماية الأطفال والنساء، أو التي توفر الدعم للقطاعات الصحية والطبية. هذه المواقف المتجاهلة لعذابات الشعب الفلسطيني أثبتت أن معظم تلك المنظمات تدور في فلك الدول الغربية المتواطئة مع الكيان الصهيوني، وما هي إلا واجهات تستخدمها أجهزة المخابرات الغربية لجمع المعلومات، أو لبث الدعايات المغرضة، وتنفيذ مخططات مسبقة. لم يرتفع أي صوت ولو بخجل، يدعو إلى إطلاق سراح الأطفال القُصر، أو عدم التعرض للأطباء والممرضين الفلسطينيين، أو إطلاق سراح المعتقلين منهم من سجون الاحتلال. أو حتى وقف تعذيبهم الوحشي والمهين. في الحقيقة يدل هذا الصمت المريب على تواطؤ تلك المنظمات كما الدول مع الكيان الصهيوني، وموافقتهم على الأعمال الإجرامية التي يقوم بها الكيان المجرم. وبكل الأحوال، فإن هذا الصمت يشكل غطاءً للجرائم التي تجري هناك، كما أنه يدفع الكيان الصهيوني لارتكاب المزيد من الجرائم. يُطالب الرئيس الأمريكي بالإفراج عن الأسرى الأمريكيين في غزة، واستسلام المقاومين دون قيد أو شرط. ويفتخر بأنه شريك أساس في هذه الحرب، وأنه أرسل الطائرات والسفن الحربية والقنابل المدمرة والأسلحة الفتاكة للقضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة. لكنه لا يذكر بأن تلك الأسلحة استهدفت المدنيين العزل فقط، ومعظمهم من النساء والأطفال. ولم يرَ حجم الدمار والإبادة الذي أحدثته تلك الأسلحة الفتاكة. ولم يذكر لماذا يكون أمريكي جندي صهيوني يقاتل ضد الفلسطينيين. كذلك فعل الرئيس الفرنسي، والمستشار الألماني، وغيرهم. جميعهم طالبوا بالإفراج عن الأسرى الأمريكيين، والفرنسيين، والألمان. وهم جميعاً من مجرمي الحرب الذين شاركوا بالقتال ضد الفلسطينيين، وتلطخت أيديهم بدماء الأطفال الفلسطينيين. بالرغم من ذلك، لم يتذكروا الأسرى الفلسطينيين، ولم يتساءلوا لماذا يذهب مواطنوهم للحرب في غزة؟ لماذا تركوا المدن الأمريكية والفرنسية والألمانية ليستوطنوا في المدن الفلسطينية؟ ويطردوا الشعب الفلسطيني من أرضه؟ طبعاً، لم يخطر ببالهم مثل تلك الأسئلة. فهذه الدول الاستعمارية هي في الحقيقة شريك للكيان الصهيوني في جرائمه، حيث أنها تُرسل القوات المساندة، والأسلحة الفتاكة والمعلومات الاستخبارية لدعم الكيان الصهيوني الاستيطاني، والدفاع عن مستوطناته غير الشرعية. هذه الدول التي تطالب بالإفراج عن أسراها لدى المقاومة الفلسطينية، يمكنها بكل بساطة أن تساهم بالحل العادل للقضية الفلسطينية من خلال استرجاع أسراهم وأسرهم وكافة مواطنيهم الذين تركوا ديارهم وقدموا إلى فلسطين للاستيطان في أراضِ ليست لهم.
من ناحية أخرى، فإن الأسوأ من كل ذلك هو الصمت المريب الذي التزمت به الدول العربية. خاصة وأنها تملك من الإمكانيات ما يجعلها دولاً مؤثرة في المنطقة وفي مجريات السياسة الدولية التي تدور على حدودهم. عندما جاء الرئيس الأمريكي الحالي لزيارة دول الخليج العربي، إنما جاء ليغرف من الأموال من دون مقابل. لم يجرؤ أي حاكم عربي إلى الطلب المباشر من الإدارة الأمريكية بوقف حرب الإبادة في غزة. حتى لو على سبيل المقايضة، خاصة أن ما يجري في غزة والضفة الغربية يمس الأمن القومي العربي أيضاً. غير أن مواقف بعض الأنظمة العربية كان متعاطفاً مع الأسرى الصهاينة وعائلاتهم، واعتبرت أن الفصائل الفلسطينية اعتدت عليهم في بيوتهم. لم يذكروا أن الفلسطيني إنما يمارس حقه المشروع بمقاومة الاحتلال، والدفاع عن أرضه المحتلة. ولم تستطع، تلك الأنظمة، أن ترى عذابات أهل غزة ومعاناتهم من الجوع والبرد والإبادة المستمرة منذ ثمانية عقود. وأكثر من ذلك أقفلت البوابات والمعابر بوجه قوافل المساعدات الإنسانية. وجرى ابتزاز النازحين، وتضييق الخناق عليهم. ولم يسمعوا بمعاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ولا التعذيب الوحشي المنافي لأدنى المعايير الإنسانية. الكثير من المؤسسات الإعلامية العربية الرسمية تعاطفت مع قضية الأسرى الصهاينة. وبعضهم رأى في تلك المعارك مجرد عدوان بواسطة عملاء إيران، أو جماعات إسلامية، يحاولون تخريب المنطقة والعبث باستقرارها. نحو ثمانية عقود من الاحتلال والقتل والتدمير والتشريد كأنها لم تكن. وأن هذا الكيان الآمن المطمئن لم يكن سوى ضحية لنشاط منظمات دينية متطرفة معادية لدول المنطقة. غير أن الحقائق التي أظهرتها تلك الحرب الإجرامية بينت أن الدول العربية كقوة سياسية في المنطقة لم يعد لها أي قيمة أو وزن سياسي. وأن مفهوم العروبة أو القومية العربية قد أفرغ من مضمونه. وأصبحت الدول العربية مستباحة أمام هجمة استعمارية صهيونية أمريكية جديدة. غير أن هذا الشعب الفلسطيني الذي صمد طيلة هذه المدة، صموداً أسطورياً، متحدياً أعتى الجيوش وأفتك الأسلحة لن يستسلم ولن يرضخ دون أن ينال حقوقه الكاملة بالحرية والاستقلال والعودة.

