Menu

ليلة اغتيال المخيم

د. حنين خالد الفقعاوي

الهدف الإخبارية

وتهاويت على الشاطئ أمام موج البحر أشبه بخرقة بالية تلاشت من التعب، أرقب تكسر أمواجه أمام ناظري وأستشعر تناثر شظاياها ينتشر بداخل روحي، و أبصرت الشمس كرة ملتهبة غاضبة معصوبة الجبين تستوطن كبد السماء وتبسط سطوتها على هذا الكوكب، وتهادى إليّ ضجيج الناس وازدحامهم على امتداد الساحل، ورحت أتفرس في وجوههم وتلتقط عيناي أخاديد البؤس التي حفرت بقوة في وجوههم، مخلفة وراءها ندوبا تنبش مخالبها في تاريخ شعب روعّه التهجير والموت والذل وأبصرت في عيونهم مدائن شيدها الفزع والهوان.

أجد في نفسي صعوبة في تجرع مرارة أحداث ليلتنا الماضية، هذه الليلة التي بات المخيم فيها ساهرا بين رشقات القذائف وزخات الرصاص و هلع الأطفال و تخبط الكبار.

- محمود يلا تعال ساعدنا بدنا نخلص من نصب هالخيمة قبل ليداهمنا الوقت وتغيب الشمس

- يللا… وابتلعت صوتي فيما يشبه الحشرجة..

كم مرة يجب على الفلسطيني أن يهجر؟ كم من البؤس يكفي ليكتفي البؤس منا؟

ما الجريمة التي ارتكبها أبو قيس ليؤول به الأمر إلى هذا المآل؟

كان ختيارنا الوقور في المخيم، كهل هجرت عائلته من يافا عندما كان يبلغ من العمر عامين، والتجأت إلى مخيم خان يونس للاجئين.

كبر وشب في المخيم وفيه تزوج و أنجب قيس وخضرة، كان له بقالة يجلس فيها معظم الوقت، وكان دائما ما قال لنا: هنا مستراح إلى أن يحين العودة إلى يافا.

كان المخيم ليلتها يلوذ في صمت مخيف الكل مترقب وخائف، فقد أمهلونا ساعتين لتجهيز حقائبنا ومستلزماتنا من أوراق ثبوتية وطعام وملابس إنذار بإخلاء المخيم من ساكنيه، فرحت أحضر حقيبتي على عجالة من أمري وأتخير أهم المهم، و كنت أود لو أختزل كل تينك الأشياء والذكريات في حقيبتي، ولكن كيف أحمل المخيم في حقيبة؟ وكيف أحمّل الذاكرة ما لا تطيق؟

وبغتة تمخضت السماء ضوء بلون ألسنة اللهب يصحبه صوت هادر شق سكون الليل وأمطرت القذائف فوق رؤوسنا، وحدثت جلبة جليّة في شارعنا، وصوت صراخ وصوت انهيار وصوت نحيب، وبعد برهة تبين لنا أن أبا قيس ارتقى شهيدا أمام بقالته التي طالتها قذائف الغدر وأن عددا ليس بقليل من شباب المخيم قد أصيبوا بجراح مختلفة، وانفلت أحدهم بصراخ مدوٍ أن أسرعوا فقد بلغت الدبابات مشارف المخيم، وأن المهلة أوشكت على الانقضاء، فحملت حقيبتي، وتركت حقيبة الذكريات معلقة على مشجب الجرح الذي لن تبرئه السنوات،

وأسرعت ألتحق بركب النازحين ، ومررنا بجثمان أبي قيس فلم نستطع تجاوزه فألقينا بحقائبنا وتعاونا على حمله أنا ومجموعة من أترابي؛ لنتمكن من إكرامه بالدفن:

- إيش إلي شايلينه؟

- شهيد

-حطه ع الأرض

- الشهيد ختيار وعمره قريب الثمانين خلونا ندفنه

- حطه بقلك وإلا بتموت زيه

هذا ما قاله لنا الجندي المدجج بأسلحته والرابض عند الحاجز الالكتروني. اضطررنا إلى وضعه رضا والمضي في طريقنا، ألقيت نظرة أخيرة على أبي قيس وتساءلت ربما لو كان قيسا هنا لما تركه وربما لما خرج من المخيم و لبقي فيه مدافعا حتى آخر الرمق، وأحسست كأن شعورا حاد الأنصال يدعك قلبي بقبضة من الذل وقلة الحيلة والهوان.

تنهدت تنهيدة طويلة حاولت أن أطرد بها قدرا من الذل المتجمد في مآقيّ وأخفف سطوة الدمع المستعصي فيهما، وأكملت نصب الخيمة مع اخوتي قبل ان يغلبنا الوقت وتباغتنا الشمس بالغروب فيحين الليل فلا نجد لحافا لنا إلا الأرض ولا سقفا لنا إلا السماء.

لمحت يافا الحفيدة الصغرى لأبي قيس كانت مشعثة الشعر ، باهتة الوجه و كانت تجلس على باب خيمتهم، ورحت أرمقها في صمت، أرقب عينيها الواسعتين، وهناك في بحر السواد الراكد في عينيها شيء ما أصابني برعشة سرت في جسدي كله كان في عينيها العسليتين يسكن صمت رهيب أمكنني أن استشعر الخوف خلف بشرتها الشاحبة وبدت لي لحظتها أكثر من مجرد طفلة.. أكثر بكثير

كانت حزنا طريا ناعما يتجول بيننا، وكانت خيالا حيا مسكونا بالموت، وكانت تحمل في يدها عصفورا صغيرا هزيلا، كان فيما مضى عصفورا غضا جميلا يشدو كل صباح بأغنية المخيم، وبدا ليَ الآن بأنه يحتضر وبأن الأغنية قد تكسرت في حنجرته.

سألتها مربتا على كتفها و ممازحا: إيش ماله عصفورك ساكت؟!

نظرت إليّ شذرا من الوقت و قالت: جدي ضل هناك وقتيش بدنا نرجع عنده؟

كدويّ أجراس كنيسة عند سؤالك تكسر الزمن يا صغيرتي، فكيف أقول لك بأن رائحة الموت استحوذت على مخيمنا وسرقت جدك وألغت الزمن؟

أطل من عينيها ألم مخيف لا يمكنني ترويضه، فرحت أشتت بصري متهربا من سطوة ألمها وحولته باتجاه مخيمنا الذي نزحنا منه، فكانت تبدو المدينة خلفنا وكأنها تغوص في سحابة دخانية شديدة السواد.

شعرت لحظتها أن الأرض تمور بي، فعيون يافا تلاحقني وأشباح المخيم تطبق على أنفاسي، فهرعت إلى البحر وألقيت بنفسي بين أمواجه و شعرت بثقل يقيد كاهلي فطفقت أصارع الموج ويصارعني، حتى خارت قواي ، وأغمضت عينيي ، واستسلمت للموج يحملني أنّى يشاء وأحسست بأني أصبحت خفيفا، أخف من الهواء، وتخلصت من رائحة الموت التي تلاحقني وانتزع الموج الثقل الذي كان يقيدني.

وفجأة تراءى لي عند خط الأفق حيث يعانق البحر السماء طائر أبيض بجناحين وبدا لي لحظتها بأنه عصفور يافا المحتضر، لا لم يكن واحدا بل كانوا كُثر، قلبت نظري في السماء التي تكدست بهم، لم يكن وهما هم شهداء مخيمنا الذين ارتقوا منذ بداية هذه الحرب حولوا أكفانهم البيضاء إلى أجنحة و صاروا طيورا ناصعة البياض، ثم أبصرت طائر فينيق كبير أبيض اللون يلوح في الأفق من بعيد، لا ليس فينيق إنه أبو قيس، ليس جنونا وليس وهما، و نفجر السؤال في الذاكرة كالقنبلة:

ما الذي سيحدث بعد؟!

اقتلهم كلهم إن استطعت!

سيُصيّرون طيورا ناصعة البياض ويولدون من جديد.