Menu

الفلسطيني في سوريا بين الخطأ التقني والتحول البنيوي للدولة

خالد صالح عطية

 
ما حدث مؤخرًا من جدل حول تصنيف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ضمن خانة “الأجانب” في بعض الوثائق الرسمية لا يمكن التعامل معه كحادثة إدارية عرضية أو خلل تقني معزول، كما جاء في التصريح الرسمي. بل يكشف، عند التأمل فيه بعمق، عن ملامح تحوّل بنيوي أوسع في طبيعة الدولة السورية ما بعد سقوط النظام البائد، وعن تحولات في العلاقة مع الفلسطينيين، تتجاوز الطابع الفني إلى التأسيس لمرحلة جديدة.

الإشارة إلى أن الخطأ ناجم عن “دمج بيانات بين محافظة إدلب وبقية المحافظات” ، ( شتات نيوز /١٢/٠٧-سيد المصري )، هو تفسير بيروقراطي لا يغلق الباب أمام قراءة سياسية لما وراءه. فالتعامل مع الفلسطيني كـ”أجنبي” في الوثائق، حتى لو عن طريق الخطأ، يعكس تغيّرًا تدريجيًا في موقعه القانوني والرمزي في سوريا.

من المهم التذكير أن الفلسطينيين لم يمنحوا وضع “اللاجئ المعامل كالسوري” من قِبل النظام السابق، بل بموجب المرسوم التشريعي رقم 260 لعام 1956، الذي صدر قبل وصول حزب البعث إلى السلطة. هذا المرسوم عكس حينها موقفًا قوميًّا عامًا للدولة السورية الناشئة في الخمسينيات، الداعم للقضية الفلسطينية والرافض لتوطين الفلسطينيين، لكنه أعطاهم في الوقت نفسه امتيازات في العمل والتعليم والحقوق المدنية لحماية كرامتهم.

ما نراه اليوم هو تغيّر تدريجي في هذا التوازن: من سياسة قومية استثنائية، إلى سياسة إدارية تقنينة ترى في الفلسطينيين مجرد “مُقيمين مؤقتين” يخضعون لقوانين إدارة السكان. وهذا يعكس تحوّلات بنيوية أعمق في طبيعة الدولة نفسها.

فمنذ انهيار النظام السابق، بدأ يتشكل نمط جديد من السلطة، لم يعد يستند إلى شرعية قومية أو شعارات تحرير، بل إلى ضرورات إعادة بناء داخلية، وإلى رؤية أمنية-إدارية للمجتمع. في هذا السياق، تصبح فئة اللاجئين الفلسطينيين عبئًا غير مُعرّف بشكل دقيق: لا هم مواطنون، ولا هم أجانب تقليديون. وبالتالي، تبدأ البيروقراطية الجديدة بإعادة تعريفهم ضمن تصنيفات غير محسومة، تنتج عنها مثل هذه الأخطاء “التقنية”.

إننا نعيش لحظة انتقالية تتفكك فيها البنى الرمزية التي حكمت علاقة الدولة السورية مع اللاجئين الفلسطينيين لعقود. وقد تجلّت هذه التفككات في تصريح يقول إن التصنيف في خانة “الأجانب” مجرد نتيجة “لدمج بيانات”. لكن في الواقع، ما تم دمجه ليس مجرد بيانات، بل مفاهيم متضاربة عن الهوية والانتماء والحقوق.

المشكلة هنا لا تكمن فقط في الخلل الفني، بل في هشاشة الحماية القانونية، وفي غياب الإرادة السياسية الواضحة لاستمرار معاملة الفلسطيني على أساس استثنائي قائم على المبدأ القومي التاريخي.

التصريحات التي تطمئن بأن لا تغيير في الوضع القانوني قد تكون صحيحة مؤقتًا، لكنها لا تنفي أن الأرضية الإدارية والقانونية التي كانت تضمن هذا الوضع أصبحت عرضة للتآكل. وهذه التآكلات لا تحدث دائمًا دفعة واحدة، بل تبدأ غالبًا من “أخطاء تقنية” يتم التعايش معها، ثم تتحول إلى واقع دائم بحكم التكرار والتراخي.

ما جرى يعكس أيضًا ضعف مركزية القرار الإداري في الدولة الجديدة، وتفاوت المعايير بين المحافظات، ما يسمح لتوصيفات خطيرة كـ”أجنبي” بأن تتسرّب إلى أوراق رسمية تخص شريحة حساسة تاريخيًا.

وعليه، فإن ما نواجهه هنا ليس مجرد حادثة عرضية، بل علامة على بداية تحول في النظرة الرسمية إلى الوجود الفلسطيني في سوريا. قد لا يكون هناك نية معلنة لتغيير الوضع القانوني، لكن التحوّل يحدث فعليًا حين تتغير طريقة تعريف الفلسطيني في الوثائق، وتتآكل الامتيازات، وتُستبدل السياسة القومية بالإدارة الصامتة.

إذا لم يتم التعامل مع هذا الحدث كإشارة مبكرة لتبدل أعمق، وإذا لم يتم تحصين وضع اللاجئين الفلسطينيين بنصوص قانونية جديدة أو تأكيد دستوري، فقد لا يبقى من مرسوم 260 سوى الأرشيف، فيما يُعاد إنتاج الفلسطيني كـ”أجنبي” إداريًا، لا سياسيًا.

إننا أمام مفترق طرق حقيقي، قد لا يُحسم بتصريحات التهدئة، بل بتحديد واضح لهوية الدولة الجديدة: هل ستبقى دولة ذات التزام تاريخي تجاه الفلسطينيين؟ أم أنها تدخل مرحلة جديدة تعيد فيها تعريف العلاقة معهم ببرود إداري خالٍ من المعنى؟

فالفلسطيني في سوريا، وإن بقي بلا جنسية، كان دائمًا محمولًا على أكتاف شرعية قومية. وإذا سقطت هذه الشرعية من حساب الدولة، فإن كل شيء آخر يصبح عرضة للتعديل، حتى لو بدأ تحت عنوان “خلل تقني”.