Menu

زياد الرحباني… حين تُغنّي الكلمة وتُقاتل

آية غسان سعيد

زياد الرحباني

جايي مع الشعب المسكين… تاأعرف أرضي لمين
قالها زياد الرحباني لا كعنوان مسرحي، بل كبيان سياسي واضح لا يحتمل التأويل.
قالها باسم الذين جاعوا ولم يكفروا، وباسم الذين لا يملكون إلا كرامتهم، ولا يحتمون إلا بصوتهم.

اليوم، يرحل زياد، وتسكت خشبة لطالما نطقت بالحق.
يرحل من لم يكن فناناً عابرًا، بل حالة متكاملة من الوعي،
كان ظاهرة استثنائية يتقاطع فيها الإبداع بالفكر، والسخرية بالغضب، والموسيقى بالموقف.

لم يكن زياد جزءًا من مشهد فني، بل كان المشهد كله حين يكون الفن ملتزماً.
تميّز بفلسفته الخاصة، المتجاوزة لكل الأطر السائدة،
وكان مزيجاً نادرًا من تشي غيفارا وكارل ماركس،
لكن بلغته، بلغتنا، بصوته الذي يشبه الشارع كما يشبه الوجدان.
كان ذلك الطيف الخفيّ الذي يخترق الوعي سريعاً، ويستقرّ فيه دون أن يغادر.

وقف دائماً في صفّ المظلومين والمضطهدين،
لا كتعاطف عابر، بل كموقف ثابت،
في مواجهة السلطات الشمولية، والأنظمة القمعية، وكل أدوات الاستغلال الطبقي.


زياد هو من قال:
أنا مش كافر، بس الجوع، والذل، والقهر كافر،
وقالها بجرأة من يعرف أن الكلمة مقاومة،
أنها قادرة على أن تهزّ النظام،
أنها حين تُقال من مكانٍ صادق، تصبح سلاحاً أشدّ فتكاً من الرصاص.

وفي زمن المجاعة والحرب المفتوحة،
في زمن تنهار فيه أوطان، وتُباد فيه شعوب،
تطفو كلماته كأنها كُتبت صباح اليوم،
وتصبح نبوءاته واقعاً عربياً جديدًا… بلا أقنعة.

لكن زياد لم يكتفِ بالكلمات، بل صنع من الفن مقاومة.
كل لحنٍ عنده موقف،
كل مسرحية خندق،
كل سطر على الورق… رسالة إلى الضمير.
غنّى:
يا رياح الشعب، يا روح السلام
فلم تكن أغنية، بل إعلاناً عن انحياز واضح،
عن الفن حين يتجرد من الحياد، ويصير جبهة قتال.

كان زياد حالة تربوية وفكرية وفنية لن تتكرر،
تمامًا كغيره من الرموز اللبنانية والعربية اليسارية الذين لم تنكسر بوصلتهم،
وظلوا على عهد فلسطين، وكرامة الإنسان،
حتى في لحظة الغياب.

ومثلما خذلنا القدر حين رحل جورج،
خذلنا اليوم حين رحل زياد قبل أن يجمعهما لقاء.
جورج لم يلتقِ زياد،
وزياد لم يلتقِ جورج،
لكن بينهما…
ظلت فلسطين،
وظل اليسار،
وظلت الفكرة التي لا تموت.

زياد لم يكن مجرد فنان،
بل كان ضميرًا ينزف، ونارًا تتّقد،
ورمزًا لا يُطوى في الذاكرة.

نم مطمئناً، يا من جعل من المسرح ساحة مواجهة،
ومن النكتة وثيقة اتهام،
ومن الموسيقى مقاومة،
ومن الغضب فنّاً خالصاً لا يهادن.

ستبقى فينا…
بصوتك، بكلماتك،
بأغانيك التي حفظناها كما نحفظ أوطاننا حين تضيع.