الروائي والقاص المشتبك يسري الغول، الذي عاش كل أنواع القهر والحرمان الذي فرضه الاحتلال وبقي مرابطا في خيمته على أطلال منزله المدمر رافضاً النزوح أو مغادرة بلاده، مؤكداً أن على النخبة ألا تهرب وتعزز الصمود لأنه يعتبر بقاءه في المخيم عمقه الإستراتيجي....
يسري الغول مواليد 1980 من مخيم الشاطئ، صدر له العديد من الأعمال القصصية منها "على موتها أغني، وخمسون ليلة وليلى، قبل الموت بعد الجنون، الموتى يبعثون في غزة، وكان آخرها جون كندي يهذي أحياناً"، وأما الروايات مثل " غزة 87 ، مشانق العتمة، وأخيراً رواية ملابس تنجو بأعجوبة"، كتب العديد من المقالات في الصحف والمجلات الدولية والمحلية والعربية في المجالين الثقافي والسياسي، يسري الغول حاصل على درجة ماجستير في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة الأزهر في غزة، والعديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الكتابة الإبداعية والدبلوماسية المتخصصة والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. خريج تحالف الحضارات بالأمم المتحدة ضمن برنامج UNAOC.[2]، حصل يسري على زمالة في منظمة UNAOC التابعة للأمم المتحدة.
يسري الغول لديه شخصية منفردة في كتاباته يحب أن يوسع المفاهيم ويحلل الأحداث كما في مقالاته منفتح على واقعه بطريقة تجعله ثابت في أدائه ومتطلعاً برؤية ثاقبة للأحداث رغم الآلام والجوع والحرمان وما هو عليه كما هو كل حال غزة يقول يسري الغول:&
"أصبحت تستيقظ أكثر من مرة على صوت القذائف، وتتململ في فراشك بينما تسقط الصواريخ قريباً من مخيمك، ونسْف البيوت واضح جداً، فقد بتَّ تملك الخبرة الكافية لتحديد ماهية الصوت؛ إنه صوت حزام ناري من طائرة F-35، وذلك صوت طائرة مسيّرة "زنانة"، أمّا هذه الأصوات، فهي لنسف بيوت بمتفجرات يزرعها الجنود أسفل المنازل، أو عبر روبوت متحرك. بتَّ تعرف أنواع السلاح عبر الطلقات التي تخرج من فوهات البنادق؛ فهذا صوت كلاشنكوف يستخدمه رجال المقاومة، فتدعو لهم بالتوفيق والحماية وتسديد الرمي".
لنتعرف أكثر عن هذا المناضل المشتبك:
يسري الغول المعبأ بالمشاعر الجياشة والحنين إلى الراحة وهدائة البال هو ابن اللغة ابن حياض القرآن الكريم وابن قرأ الأدب الإنكليزي، فقد تعلم كل شيء من أجل أن يصنع نصا مغايرا جيدا. فهو يهدف من كتابته لصناعة التاريخ وإيصال الصوت للأجيال الموجودة الآن واللاحقة، وإن أبناء فلسطين أبناء حق وسينزعون حقهم عاجلا أم اجلا، ويرى أن مسيرته الأدبية لم تبدأ بعد، لكنه في ظل هذه الإبادة يعتقد أنه من الواجب أن يسجل أهم وثيقة من شمال غزة في ظل الإبادة بعنوان (النزوح نحو الشمال)، سيرة الجوع والوجع، وهي علامة فارقة في تاريخ الإبادة ووصمة عار على الجميع الصامتين تجاه الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
كما يرى أن الأدباء هم أنبياء هذا الزمان الجديد، هم الذين يعملون أصوات الحق دائما هم صوت الخير صوت الوعي ولذلك يقول: " يا أدباء العالم أين أنتم من فلسطين أين أنتم من القضية الفلسطينية أنتم ستحاكمون أخلاقيا لاحقا في حال لم تفعلوا لما يجري في قطاع غزة، يجب تحريض همم الشعوب على الثورة في وجه السفارات المتواطئة مع اسرائيل على التظاهر أمام العالم في كل مكان لنقرع جدران الخزان لنوصل صوت فلسطين الذي يتعرض للإبادة أمام مرأى العالم في بث حي ومباشر " .
يسري الغول بدأ الكتابة منذ كان في الثانوية العامة، بدأ بالقراءة منذ نعومة أظفاره كان أكثر ما يحبه في ظل الإحتلال اللجوء إلى القراءة ولذلك من القراءة بدأ يكتب، من عام 1996 حصل على دورة فن القصة القصيرة للمبتدئين وهو يحاول ويتمنى أن يكون قد وفق في أن يكون كاتب جيد، وقد خاض العديد من التجارب، سافر إلى أصقاع العالم إلى الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية أذربيجان، ماليزيا وغيرها من الدول، وللأسف يقول: "إنه وجد الفلسطيني مهمش غير معروف وحتى تجربة المهاجر الفلسطيني الذي يعاني لم يسمع به أحد "، وكان يشعر للحظة أن يصل صوته إلى كل العالم لأن صوته صوت كل فلسطيني في الوطن المهجر الذي يعاني من الإحتلال والذي يعاني في الخارج من الحنين والعودة إلى وطنه والإجراءات التي تختلف عن إجراءات وعادات وثقافة بلده .
وفيما يتعلق بالأساليب والإلهام، فكل قصة عنده تختلف عن الأخرى وكل حدث يختلف عن الآخر وكل مقال يختلف عن الآخر، تبعا للظروف والمواقف- أحيانا يكتب بطريقة الرمزية نتيجة اعتبارات سياسية وخوف من الملاحقة أو الإستهداف، وأحيانا يكون أسلوبه السهل الممتنع ليوصل الرسائل إلى الفلسطيني كما رواية (ملابس تنجو بأعجوبة)، وهو يعمد إلى استخدام جميع الأساليب ولا يكون رهينة لأي نقد ، لأنه يرى أن الكاتب الجيد لا يهاب النقاد هو الذي يجعل النقاد يلجؤن إلى أعماله ليقيموا أعمال الآخرين من خلال أعماله. وهو دائما يطمح أن يكون مدرسة في الأدب مثل (زكريا تامر، كابريل ماركيز، خورلي بوخرس ، غسان كنفاني ، وسميرة عزام)، وأدباء آخرين...
ويرى أن رؤية الفلسطيني للأدب الفلسطيني أنه يكافح في أكثر من جانب، فهو يحارب الجهل والإحتلال والتبعية ويتعرض لأقصى أنواع الإضطهاد ويتحكم فيه الإحتلال بمنعه من السفر من خلال الحدود، وإن الدول العالمية والغربية والعربية قد يتحكمون بموقفه السياسي والثقافي، وتحاسبه على ما يكتب، فقد كتب يسري الغول مقالا عن النخبة أمام إمتحان غزة الغياب المؤلم، ويجد أن الأديب الفلسطيني يقاتل وحده في الميدان بينما منظومة المثقفين العرب انشغلت بقضايا حياتها اليومية وبمجتمعاتها وبيئتها وبلدانها وتركت الفلسطيني يناضل في سبيل انتزاع حقوقه المشروعة...
يسري الغول ابن بيئته ومجتمعه ومصدر إلهامه في كتاباته، من الواقع الذي يعيش فيه، وما يوجعه أكثر مما يلهمه لذلك يضطر أن ينقل صوته للعالم..غزة هي التي يختارها في مواضيع كتاباته لأنه ابن غزة، وليست هي الوحيدة، مثل روايته في (مشانق العتمة)، كان أبطالها من بلدان شتى سراب الفتاة السورية الحلبية، هتلر، اجتمعوا في تركيا للسفر عبر بحر إيجا للسفر إلى أروبا في الظروف التي تحتم على الكاتب وطبيعة الحدث وطريقة الكتابة والأسلوب..
تتأثر أعمال يسري الغول بشخصيته، فهو كل الأبطال في داخل النص وكل الأعداء في داخل النص، هو (الشيطاملائكي)، وهو الإنسان الذي يسعى ليكتشف نفسه قبل أن يكتشف الآخرين، ورؤيته للعالم، ما يجري في غزة تختلف، العالم قبل معركة السابع من أكتوبر تختلف عن العالم بعد السابع من أكتوبر، فهو يصنف العالم إلى صنفين، دون النظر إلى دين أومذهب ، فهناك أناس تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في التحرر كأي مجتمع وكأي أمة وصنف، يوالي الإستعمار الإمبريالي والرأسمالي، ويرى الإنسان خلق بين الحق والباطل والخير والشر، ولذلك كل من ينتصر لعدالة أي شعب يعيش تحت نير الإحتلال هو يكون عنصر خير، إذا كان فاعلا ويسعى بإيجابية...
والكتب التي تؤثر بيسري الغول بشكل كبير، فهو يحب القراءة وكتب الفكر والفلسفة، ( لأحمد الراشد، والقرضاوي وكافكا، ومحمود شقير، وماركيز وبورخس، سعيد النجراوي، ابراهيم الكوني، ابراهيم أصلان، حنا مينا، ابراهيم نصرالله)، ومازال يقرأ لكل الأدباء والكتاب سواء في الوطن العربي وغيره، والأعمال الأدبية المفضلة لديه (عبد الرحمن منيف (مدن الملح )، ومحمد البساطي، وحنا مينا، وبهاء طاهر وزيد مطيع دماج)، ويؤكد من وجهة نظره أن عملا واحدا للأديب ذات قيمة كبيرة بالنسبة له.
وهو كأديب يمضي وقته في هذه المحنة المؤلمة منذ حرب الإبادة على قطاع غزة، بالإستيقاظ صباحا لإشعال النار إن وجد من الملابس في حال لم يوجد حطب أو النايلون المواد المسرطنة، لكي يصنع كوبا من الشاي بلا سكر إذ لا سكر في المدينة، وبعد ذلك في الساعة ال11 يذهب لتعبئة ماء حلوة بإرهاق شديد مع الركض والحمل ثم شحن الهواتف واللاب توب ويكون قد استنزاف...والأولاد دون دراسة ..
كانت ليسري الغول هوايات مثل لعب التنس والقراءة والسباحة، والآن عند هذا القصف يقول: لم يعد هناك حاجة... فهو لم يعد لديه أهداف ولا هواية فقط أن يعيش أبناءه وأبناء شعبه بسلام وكرامة رغم أنه صغير، وأنه أخذ حظه وحقق نجاحات، وأعماله ترجمت وفازت بجوائز، يكفيه شرف أنه صوت المقاومة في قطاع غزة ويتمنى أن تتوقف المقتلة ويحققون الإنتصار الذي سيحدث عاجلا أم اجلا
يسري الغول الذي يفتخر أنه ابن غزة التي تصيب أعدائها باللعنة ولا تنهزم وتظل تقاتل حتى آخر رمق.. وإن موقفه الأدبي هو موقف سياسي مع ما يجري ويتبنى شعار المقاومة لأنه لا يمكن لأي شعب أن يرزح تحت نير الإحتلال لن يتحرر بالورود لابد من دفع الثمن، فنعم المقاومة هي الواعية المدركة لقدراتها التي تعرف كيف تحصل على حقوقها..
و أفكاره عن الحياة والأدب يرى الأدب بلسم أي مجتمع هو الناظم وصمام الأمام، الأدب فاكهة يتغذى بها على الأيام الصعبة، ويؤكد أن من يقرأ الأدب يفهم الماضي ويعيشه ويدرك الحاضر ويستشرف المستقبل، وذلك عندما يقرأ الأدب يفهم الحياة بشكل جيد، وحين سؤل فولتير عن الذين سيقودون العالم قال: (الذين يعرفون كيف يقرأون)، والقيم التي يؤمن بها هي القيم العامة، وهو لايسعى إلى مجتمع طوبوي تربوي مثالي، لكنه يسعى لمجتمع ناهض ناضج يؤمن بالتنوع والتعددية والإندماج...
وهو ليس ضد أي رأي سواء متفق أو مخالف لكن الهجوم على دعم فكرة المقاومة ضد الاحتلال وكأن المقاومة أصبحت عبء، وهولا يدين هؤلاء ولا ينكر عليهم، لأن الظروف التي يعيشون فيها استثنائية فهم يعيشون إبادة جماعية أمام مرأى العالم دون أن يتحرك ساكنا..
قصة المواطن الفلسطيني لن تنتهي، هو الصمود الأسطوري الذي ترخ ومازال يترخ أصعب لحظات الصمود، وتعليم الأجيال القادمة معنى الإنتماء وحب الوطن، وإن من خلق من هذا التراب الخالص بالنقاء من هذه الأم الرؤوم لا يمكن ان يخذلها، فجذورهم متأصلة من أرض سكنها ومر عليها أطهر الخلق، فلسطين فخورة بأبنائها وقيدها سيكسر بسواعدهم السمراء، وتتحرر من دنس هذا الاحتلال، ويعود الأبناء إلى حضن أمهم الرؤوم.

