منذ أكثر من عشرين شهراً، و غزة تعاني حرب الإبادة. حربُ جزّ اقتلاع الفلسطيني من أرضه، مقهوراً، حياً قبل أن يفقد حياته، هدمت بيوتهم وأصبحت ركاماً، لا مؤسسات ولا مستشفيات ولا مراكز تعليم ولا حتى مراكز إيواء، وازدحمت الخيام الشفيفة التي لا تقي برد شتاء ولا قيظ صيف. على ركام أحلامهم، حوصروا ثماني عشرة سنة، مع حرب الإبادة الجماعية، سياسة ممنهجة لزيادة الخناق عليهم....
يقضم الجوع أرواحهم قبل أجسادهم. فالأمعاء خاوية، وما عادت تشكو من الإعياء، إعلاناً بموت قاسٍ. شعبٌ يباد بالحصار والنار والجوع، والمنظمات المحلية والدولية تحذر من خطر المجاعة، وخصوصاً اليونيسيف التي اعتبرت أن ما يزيد عن نصف مليون من سكان غزة وصلوا إلى المرحلة الخامسة على سلم المجاعة الكارثية، هذا ما تناله، إحصاءات الموت دون كسر حصار أو نهاية لهذه المأساة، ومازالوا يتدثرون الصبر، ولهيب الدموع يحرقهم، إلى أن بدأت قواهم تخور، ويترنحون من شدة الجوع، حيث صرحت إحدى المحطات التلفزيونية، أن عصب القلب والبطن فيهما لا يطاق من ألم الفقد، وعسف الجوع الفتاك.
وجاءت بعدها المساعدات الأمريكية برعاية صهيونية لتكون مصيدة البطون الجائعة، حيث تنصب "اسرائيل"، شباك الموت لاصطيادهم، عندما يزدحم الجوعى في أماكن توزيع المساعدات الهزيلة، وهكذا توفي حامل كيس عدس، وآخر تحت الزحام، قضى بعد أن دهسته أقدام الفارين من الرصاص الغادر الذي أمطرتهم به قوات الاحتلال. وما يحزن أكثر، الطفل أمير، حافي القدمين وصل بعد /12/ كلم من أجل الحصول على الطعام، وعندما حصل عليه قبل يد "المرتزقة" الجندي الأميركي خوفاً منه وشكره على الطعام، وبعد لحظات أطلق جيش الاحتلال عليه النار، فقضى شهيداً...
من مصيدة المساعدات إلى إسقاطات الموت
لم يكتف الكيان المحتل مع داعمته "الشركات الأمريكية" من شلال الدم النازف من المجوّعين في قطاع غزة، بل سمحت للدول الغربية بإسقاط المساعدات من الجوّ على رؤوس النازحين في خيامهم، وكأنهم ليسوا بشرا، أو أنهم في منطقة موبؤة، حيث قضى بعضهم شهداء وجرحى، رغم أنه يمكن للطائرات أن تنزل في مكان قريب وتوزع المساعدات، وهي لا تسد جوع مليوني نسمة يحاصرهم الاحتلال في قطاع غزة، بينما يكون فتح المعابر، ضماناً لحرية الحركة والوصول الكريم للمساعدات المخصصة لمستحقيها في القطاع. وهناك ما يعادل 6 آلاف شاحنة (مساعدات عالقة) في الأردن ومصر، والتي تنتظر الضوء الأخضر للدخول إلى غزة.
لصوص المساعدات
ظهر في الآونة الأخيرة مجموعة لصوص، تحت أعين وحماية قوات الاحتلال، يسطون على المساعدات وينهبون كل ما يحصل عليه الأهالي، ويعتدون عليهم إما بالطعن أو بإطلاق النار عليهم في حال الرفض والمقاومة. وتتحصن هذه العصابات المسلحة بالقرب من معبر كرم أبو سالم جنوب شرق مدينة رفح، الذي تخصصه قوات الاحتلال لإدخال البضائع والمساعدات إلى قطاع غزة، مما يمنحها فرصة للتحكم بها والسطو عليها، وإعادة بيعها للمواطنين.
وصرحت إحدى المصادر أن شخصاً يدعى أبو شباب، أعاد منذ ذلك الوقت تواصله مع جيش الاحتلال الذي أعاد تأهيله ليقود هذه العصابات، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار داخل قطاع غزة، والجيش الإسرائيلي أشرف على تسليح أبو شباب الذي يطلق على نفسه قائد القوات الشعبية، ويقود "عصابات إجرامية متخصصة في قطع الطريق أمام قوافل المساعدات الواردة من معبر كرم أبو سالم جنوبي قطاع غزة، وإطلاق النار على المواطنين". وأبو شباب كان معتقلا لدى الأجهزة الأمنية في قطاع غزة منذ عام 2015، بتهمة تجارة وترويج وتعاطي المخدرات، وحكم عليه بالسجن 25 عاماً. وبعد أيام من انطلاق الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر 2023، تمكن أبو شباب من الهروب من سجن "أصداء الواقع" غرب مدينة خان يونس، بعد تصاعد موجات القصف الإسرائيلي.
المقاومة درع الشعب
إن المقاومة الفلسطينية، التي هبت ونفذت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر وهزت كيان العدو النازي، دفاعاً عن شعبها الذي يتعرض لكل أشكال حرب الإبادة من دمار وقتل واعتقال وتشريد، لم تتردد في ملاحقة هذه العصابات التي تقوم بتقديم الخدمات للاحتلال، وتنتهك أملاك الأهالي وتسطو على القليل مما لديهم من طعام لسد جوعهم. فهي القوة الرادعة التي تصدت لكل أنواع التنكيل بالشعب الفلسطيني ووقفت في وجه عدو نازي. هذه المقاومة يلتف حولها أبناء شعبها ويتضامنون معها ليكونوا قوة واحدة في وجه الاحتلال وأعوانه، والقضاء على العصابات التي تعمل يداً منفذة لمخططات الاحتلال. ذلك أن الشعب الفلسطيني الذي تحمل كل آلام الحصار وحرب الإبادة، لن ينحني أمام الاحتلال، وسيستمر في الدفاع عن وجوده، وستظل مقاومته شامخة لا تنكسر.

