الأكاذيب الإسرائيلية وكلاب واشنطن التي تُقاد بذيلها
في كل مرة ترضخ فيها دوله الكيان للضغوط الدولية وتسمح بمرور شاحنات المساعدات إلى غزة، تسارع إلى ابتكار وسائل جديدة تضمن عدم وصول الغذاء إلى مستحقيه. ففي يوم 26 يوليو، وبعد إعلانها عن “ممرات إنسانية” وعمليات إنزال جوي لتوزيع المساعدات، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جديدة، حين فتحت النار على جموع المدنيين الباحثين عن الطعام، فقتلت 53 فلسطينيًا. وهكذا تحوّلت نقاط التوزيع من محطات إغاثة إلى ساحات إعدام جماعي. ومنذ ديسمبر 2023، يدفع أهالي غزة بدمهم ثمن رغيف الخبز أو زجاجة الماء .
في أقل من شهرين، تجاوز عدد الضحايا في محيط ما يُسمّى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF) أكثر من 1,054 شهيدًا، بمعدل نحو 20 قتيلًا يوميًا. ومنذ إعلان "الممرات الإنسانية" أو "ممرات الموت" في 26 يوليو، تضاعف هذا المعدل، حيث سقط 325 شهيدًا في أسبوع واحد فقط. أما الإنزالات الجوية الرمزية التي ينفذها “عرب التطبيع”، فلا تعدو أن تكون استعراضًا مخزيًا لعار جماعي عربي مُلبّس بلباس "الإخوه" المهترئ.
أما مبلغ الـ60 مليون دولار الذي يفاخر به دونالد ترامب لدعم GHF، فليس إلا “مال ذبح” موّلت به الولايات المتحدة آلة القتل ضد المجوعين. ففي نظر سكان غزة، لم تعد GHF تمثل مؤسسة إنسانية، بل صارت رمزًا للذل والإذلال. لم تكن شريان حياة، بل بوابة موت. وبدلًا من تبديد أموال دافعي الضرائب الأميركيين على مشاريع القتل المُغلّفة بالمساعدات، كان أولى بترامب أن يعيد تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي شكّلت لعقود الأمل الوحيد للأطفال الفلسطينيين.
أما زيارة مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، إلى أحد مراكز GHF، ثم زعمه الوقح بعدم وجود مجاعة في غزة، فلم تكن سوى استعراض فجّ لتحيّز أيديولوجي أعمى. لم يرَ في غزة سوى المتخمين من حراس “مؤسسة الذبح”، متجاهلًا دعوته لزيارة المستشفيات ولقاء الأطباء ورؤية الأطفال الذين تفتك بهم المجاعة. اختار بدلًا من ذلك أن يستمع إلى مرتزقة القتل، لا إلى من يقفون على خط النّجاة.
لقد أصبح التجويع أداة مركزية في الحرب النفسية التي تشنها دوله الكيان، بدعم أميركي مباشر. فبدلًا من الاعتماد على بنية الأمم المتحده، التي كانت تدير 400 مركز توزيع في أنحاء القطاع، اكتفت الولايات المتحدة عبر GHF بأربع نقاط فقط – ثلاث في الجنوب وواحدة في الوسط – لا لتوزيع المساعدات بل لتجميع، و لتسهيل مهمة قوات الاحتلال في مراقبة، وتصويب النيران نحو المجوعين بدقة محسوبة.
وفي شهادة إنسانية مؤلمة، روى الضابط الأميركي المتقاعد أنتوني أغيلار – الحاصل على وسامي “القلب الأرجواني” و”النجمة البرونزية” – قصة طفل فلسطيني سار 12 كيلومترًا ليصل إلى مركز توزيع تابع لـ GHF. لم يحصل سوى على فتات خبز، قبل ان يعدم بدم بارد على يد جيش الاحتلال.
ورغم هذه التجاوزات الصارخة، لا تزال وسائل الإعلام الغربية – التي تدور في فلك الدعاية الصهيونبة– تمارس دور علاقات عامة لتبييض الجرائم وتسويق الأكاذيب الاسرائليه، وعلى رأسها مزاعم أن المقاومة تسرق المساعدات. وحتى بعد أن أكدت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) عدم وجود أي دليل على هذه الادعاءات، استمرت هذه الوسائل في ترديد الرواية الصهيونية متجاهله التحقيقات التي تكذب ذلك.
القسم المكمل:
الاستراتيجية واضحة: صرف الأنظار عن الجرائم، وتحميل المجوعين مسؤولية تجويعهم.
ورغم عدم اقتناع احد من هذه الأكاذيب، استمر ترامب في تكرارها. إلا أن زيارته الأخيرة إلى اسكتلندا بدت وكأنها أحدثت شرخًا خفيفًا في جدار الإنكار، حين أقرّ – للمرة الأولى – ببشاعة صور الأطفال الجائعين. ربما كانت تلك الأيام القليلة خارج فقاعة مستشاريه الصهاينة في واشنطن كفيلة بأن تُريه لمحة من الواقع.
في المقابل، لم يحتج الرأي العام الإسرائيلي إلا لمقطع فيديو واحد لأسير إسرائيلي نحيل حتى ترتفع أصواتهم بالصراخ: “المحرقه”. أما تجويع 2.3 مليون إنسان، بمن فيهم الاسرى الصهاينه، فهذا لم يثير تعاطفًا، و صور الأطفال ببطون منتفخه والهيكل العظمي البارز لا تهزّ لهم حراك. ربما لأن أولئك الأطفال لا ينتمون إلى “شعب الله المختار”.
كتبتُ في وقت سابق عن مهنه “الكذب والإنكار وتشويه الحقيقة” التي تعتمدها إسرائيل، وها هي تتأكد مرة أخرى. لقد باتت دوله الإبادة الجماعيه تحظى بحصانة ثلاثية: سياسية من واشنطن، إعلامية من الصحافة الغربية، وأخلاقية من نظام عالمي بلا أخلاق.
والسؤال الآن: كم من الأكاذيب يُسمح لإسرائيل أن تروّج لها قبل أن يُعامَل خطابها كما تُعامل تصريحات ترامب أو زعماء العالم الآخرين؟ إلى متى يُعفى الكيان من التدقيق الإعلامي لمجرّد أنه يمتلك لوبيًا قويًا في واشنطن؟
مثال آخر صارخ هو كيفية تغطية الإعلام الغربي لفشل محادثات وقف إطلاق النار الأخيرة. فبينما صُوّر الفلسطينيون على أنهم رفضوا “عرضًا سخيًا”، كانت الحقيقة أن نتنياهو عرض هدنة مؤقتة، لا وقف إطلاق النار، تهدف فقط إلى استعادة جنوده الأسرى، دون أي التزام بإنهاء الحرب أو رفع الحصار. لم يرفض الفلسطينيون وقف الحرب، بل رفضوا فخًا يؤدي إلى استمرار المجازر وتهيئة الأرض لاحتلال شامل لغزة وتهجير سكانها إلى ما يُسمى “المدينة الإنسانية” قبل اخراجهم خارج القطاع.
وعندما فشلت محاولة فرض هذا الاستسلام، سارع ترامب ومبعوثه ويتكوف لتبرئة نتنياهو واتهام الفلسطينيين بالرفض. أما الوسطاء العرب، فقد التزموا الصمت – سواء عن ضعف أو خشية – مما سمح لرواية نتنياهو بأن تهيمن على الخطاب الإعلامي والدبلوماسي، وغطّى على الانحياز الأميركي بورقة توت عربية مهترئة.
ورغم ذلك، تلوح في الأفق بارقة أمل. فقد أعلنت فرنسا والمملكة المتحدة نيتهما الاعتراف بدولة فلسطين – وإن كان ذلك متأخرًا. وكذلك فأن هذا الاعتراف لن يُكفّر عن وعد بلفور الذي منح الأرض لمن لا يملك، ولا يغفر لفرنسا تآمرها مع بريطانيا في اتفاقية سايكس بيكو، لكنه يرمز إلى تحوّل سياسي مهم. لقد بدأت هذه الحكومات تُدرك، كما أدركت شعوبها منذ زمن، أن غياب السلام ليس بسبب الفلسطينيين، بل نتيجة الأكاذيب الإسرائيلية وعطش نتنياهو الدائم للحرب.
و رغم هيمنة الأصوات الموالية لإسرائيل في الإعلام الغربي، فإن وسائل الإعلام البديلة بدأت في كسر الهيمنة الاعلاميه المجيرة، فاضحه بشاعة جرائم التجويع والإبادة. لان لا شيء يمكنه إخفاء صور الأطفال الذين يرضعون أيديهم العظمية لتسكين ألم الجوع. لا دعاية صهيونية، مهما بلغ تمويلها، تستطيع إخفاء أضلاع التجويع لأطفال رضع.
وفي هذا السياق، أظهر استطلاع حديث لمؤسسة “غالوب” تراجع دعم الجمهور الأميركي لحرب الكيان على غزة إلى 32%، مقابل 60% يعارضونه. لقد خدعت إسرائيل “كل الناس بعض الوقت”، ولا تزال تخدع “بعض الناس كل الوقت”، لكنها – كما قال لينكولن – “لن تستطيع خداع كل الناس طوال الوقت”.
وحتى يتوقف هذا الخداع، سيبقى الأطفال في غزة يتضورون جوعًا، وتستمر الإبادة الجماعية، ويظل وقف إطلاق النار بعيد المنال. وهذا كله ممكن فقط لأن واشنطن، بكل ما تملك من نفوذ وقوه، لا تقود… بل تُقاد من الذيل: نتنياهو و”اللوبي الصهيوني”.

