Menu

الانقسام الفلسطيني: بدايته ونهايته

حاتم استانبولي

الكثير من التصريحات والمقالات والأفكار تتحدث عن أن العصا السحرية لحل الأزمة الداخلية الفلسطينية يكون بإنهاء الانقسام الفلسطيني.

السؤال الذي يفرض نفسه: ما هي الأسباب العميقة للانقسام؟ وهل فعلاً بدأ في سيطرة حركة حماس على غزة؟

الصورة العامة التي رُوِّج لها أن الانقسام الفلسطيني بدأ في ما سمي بانقلاب حماس وسيطرتها على قطاع غزة، وهذا من حيث الشكل صحيح، لكن بالنظر بشكل أعمق للأزمة الداخلية الفلسطينية، والإجابة على سؤال عن بداية الانقسام الفلسطيني، نستطيع أن نفهم أن ما جرى في غزة هو الشكل الأعنف للانقسام الفلسطيني الذي بدأ في المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة المنعقدة بالقاهرة عام 1974، والذي أقر البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية. هذا البرنامج الذي حمل تنازلاً سياسياً مجانياً تاريخياً عن الحق في فلسطين التاريخية، وارتضى بجزء منها قائم على أساس قرار 242 المختلف عليه بين نسخته الإنكليزية أو الفرنسية، والتي تمحورت حول "ال" التعريف: أراضٍ احتُلَّت (الإنكليزية) أو الأراضي (الفرنسية) التي احتُلَّت عام 1967.

طبعاً كان هناك تحضيرات لهذا الطرح منذ المجلس الوطني العاشر، عندما طُرح إقامة دولة فلسطينية على أي شبر يتم تحريره.

هذا البرنامج، الذي لم يخضع لتدقيق سياسي أو قانوني وانعكاساته على النضال الفلسطيني، كان سبباً مباشراً في بداية الانقسام الفلسطيني السياسي، وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة تحت عنوان التسوية السياسية ومتطلباتها، التي أخذت حيزاً واسعاً من النقاش والحوار والصراع في متطلبات التسوية السياسية، في حين أن إسرائيل كانت ماضية في تمكين مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية وغزة. هذا البرنامج فتح ثغرة في التضامن العربي مع القضية الفلسطينية، لتخرج من كونها قضية داخلية لكل بلد عربي إلى قضية خاصة للشعب الفلسطيني المشتت، والذي يخضع لظروف معيشية وسياسية وقانونية متفاوتة حسب النظام السياسي الذي يخضع له، ويتراوح بين التذويب أو الإلغاء والإلحاق.

وعشية إقرار البرنامج المرحلي بدأ أول انقسام سياسي فلسطيني مُعلَن بانشقاق حركة فتح وخروج بعض الفصائل الوازنة من منظمة التحرير الفلسطينية، وتشكيل ما يعرف بجبهة الرفض الفلسطينية التي طرحت برنامجاً يتمسك بالميثاق الوطني الفلسطيني.

هذا الانقسام السياسي تبعه انقسام سياسي عربي تحت عنوان تشكيل جبهة الصمود والتصدي، التي أرادت إعادة إحداث التوازن بعد خروج مصر عن الإجماع وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد، التي شكلت ضربة قاصمة للنضال الوطني الفلسطيني وفتحت الأبواب الخلفية لتفتيت الحالة الفلسطينية، والدفع باتجاه دعم طرف فلسطيني عابر للتنظيمات لاعتبار البرنامج المرحلي هو الصيغة الوحيدة القابلة للتحقيق، بالرغم من أن موازين القوى السائدة كانت تشير إلى أن تحقيق البرنامج لا يمكن أن يتم إلا بتعديل في ميزان القوى.

كان تحديد البرنامج المرحلي كسقف سياسي للدخول في التسوية السياسية خطأً سياسياً فادحاً، لأنه إقرار مسبق بالتخلي الطوعي عن الجزء الأكبر من فلسطين التاريخية وحقوق اللاجئين الفلسطينيين، بدون أي مقابل سياسي أو حقوقي.

ومع اعتبار أن البرنامج المرحلي هو السقف للتسوية السياسية، بدأت مرحلة جديدة للتدخل من أجل تطويع الحالة الفلسطينية من خلال البوابة الخلفية، عبر إعادة الاعتبار للنظام المصري المكبل باتفاقات كامب ديفيد، التي أصبحت معياراً لتسوية الصراع مع إسرائيل العدوانية الإحلالية، ودفع الطرف الفلسطيني الذي يدفع بالتسوية إلى القبول بالمشاركة في مؤتمر مدريد تحت غطاء وإطار رسمي عربي، وبذات الوقت فتح بوابة خلفية للحوار والتسوية السياسية في أوسلو، التي نتج عنها اتفاق أوسلو، الذي حمل تخلياً طوعياً رسمياً وقانونياً عن الجزء الأكبر من فلسطين، لتشريع الاستيطان والاحتلال عبر الموافقة على تجزئة الضفة والقطاع إلى مناطق مترامية ومنفصلة.

اتفاق أوسلو بالجوهر هو نسف للتسوية السياسية التي تضمنها البرنامج المرحلي، الذي استُخدم لتبرير الوصول إليه.

توقيع اتفاق أوسلو كان ضربة قاضية للمشروع الوطني الفلسطيني، وكان بداية انقسام فلسطيني عميق يشمل السياسي والاجتماعي والقانوني والأخلاقي.

انقسام ألغى الطابع الوطني وفتح الباب للصراع الديني، ودفع بالتيارات الدينية أن تتصدر الموقف وتقوده.

إذا كان غزو العراق وإسقاط الدولة العراقية قد فتح الباب على مصراعيه للصراع المذهبي والديني عربياً، فإن اتفاق أوسلو هو ما فتح الباب فلسطينياً لتغيير طابع الصراع من وطني إلى ديني.

إعطاء الصراع طابعه الديني هو الهدف الإسرائيلي، لأنه يتمحور حول الحق في الرواية الدينية ويعيد اصطفاف القوى، وبذات الوقت يخرج الوطني والقانوني والحقوقي من سياقه.

لهذا فإن الصراع الفلسطيني – الفلسطيني يدور في دوامة المصلحة الإسرائيلية بين مستلزمات اتفاق أوسلو وبين مستلزمات الرواية الدينية وامتداداتها العابرة لاتفاقات أبراهام، التي ما كانت لتحدث لولا اتفاقية أوسلو التي استندت إلى اتفاقات كامب ديفيد.

الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني كان قد بدأ منذ إقرار البرنامج المرحلي وتعمق عند توقيع اتفاق أوسلو من خارج الإجماع الفلسطيني، وما حدث من استيلاء حماس على السلطة في قطاع غزة ما هو إلا تعبير عن حالة الانقسام، التي منحت فرصة لترميمه عبر الانتخابات التي نجحت فيها حماس والقوى المعارضة، وأُجهِضت بقرار رئاسي بضغط إسرائيلي وعربي ودولي. هذا دفع حماس لتستثمر في قرار الإلغاء، وتعبئ للوصول إلى الحسم العسكري في القطاع، وتفتحت صراعات على أساس الفكرة الدينية.

إعادة اللحمة الفلسطينية يجب أن تكون من خلال إعادة الاعتبار للصراع الوطني الذي يحمل بُعداً قانونياً وحقوقياً وإنسانياً وتاريخياً، معياره تحقيق العدالة الإنسانية عبر قوانينها الناظمة للحقوق الإنسانية وكرامتها.

والسؤال الأخير: لماذا كل هذا الزخم البشري الذي يخرج في ميادين العالم نصرة لفلسطين؟ وما هو السبب؟

إن اللوحة التي تُرسَم في كل الميادين تحمل كل الألوان البشرية الدينية والعقائدية بكل تلاوينها، حتى إن ما يسمى بمجتمع الميم خرج بمظاهرات عارمة نصرة لغزة.

بكل بساطة، كل هذه المجاميع خرجت من أجل تحقيق العدالة الإنسانية بفلسطين، التي تبدأ من عدالة المخيم حتى العدالة لأطفال ونساء وشيوخ وشباب ورجال ومقاومي الظلم والتخاذل في غزة والضفة والـ 48.

أي إنهاء للانقسام يجب أن يكون معياره وناظِمَهُ تحقيق العدالة الإنسانية، بدايتها ونهايتها هي تحقيق عدالة المخيم الفلسطيني السياسية والقانونية والاجتماعية والإنسانية والتاريخية.