هَرِمْنا .. كلمة انتشرت أصداؤها في كل أرجاء الكون عندما صدح بها رجل تونسي قبل عقد من الزمن ويزيد , ومازالت تتردد كلما أراد البعض التعبير عن المعاناة والضغط النفسي لشعوب آثرت تغيير أنظمة حكمها للتخلص من القهر والظلم والفساد !. لكن ما يحصل في غزة منذ أكثر من عشرين شهراً تتخطى كل الكلمات فقد جاوز الاحتلال المدى بإجرامه وبطشه و وحشيته فشاب الولدان ذهولاً ورعباً مما يرونه ويمرون به مع أهلهم على مدى الساعة , نعم فإن ما يمارسه جنود الاحتلال الصهيوني لم يسبق لأي احتلال أن قام به بما في ذلك المغول والفاشيون والنازيون ! خاصة بحق الأطفال الذين انهارت بيوتهم فوقهم مع والديهم وإخوتهم, انتشلهم المسعفون من تحت الأنقاض بأضلاع مكسورة أو محترقي الأجساد .. كما أخرجوا أهلهم مبتوري الأطراف أو صرعى , وكم يكون المشهد قاسياً على الطفل برؤية الجار وهو يحمل ابنه الذي بعمره ويركض به محاولاً إسعافه لكنه يلفظ أنفاسه قبل الوصول للمشفى , كيف لا يشيب الطفل وقد قصفت خيمة النزوح ليلاً فاحترقت والتصقت أجساد النائمين بالحديد المثبِّت للخيمة بينما تطايرت أشلاء آخرين وامتزجت ببعضها ولم تعد تعرف ملامح أصحابها ؟ , كيف لا يهرم أو يشيب وقد استفاق من الإغماء فوجد نفسه وحيداً لا أهل له فقد اختطف الموت جميع أفراد أسرته , وبات مفجوعاً بغياب الأب والأم والأخوة والأعمام وأبنائهم وحتى الجدّين بعد تدمير بناية العائلة !. لم يعد له أنيس يأخذ بيده أو يمسح دمعته أو يداوي جرح قلبه على فراق أهله وأحبته وجيرانه الذين شطبوا من القيد المدني !. كيف لا يشيخ الأطفال وقد حاصر الاحتلال غزة ومنع وصول الغذاء والدواء والماء إلى الأهالي فباتوا جياعاً لأسابيع بل أشهراً طويلة والتصقت جلودهم بعظامهم وغارت أعينهم وجفت الدموع في المقل , تحولوا إلى أشباح ينتظرون الموت بلا حول لهم ولا قوة !. كيف لا يشيب الطفل وقد اغتال الاحتلال أحلامه وحجب عنه نور الشمس ونشر بدلاً عنها غبار الدمار التي خنقت أنفاسه ,فقد الجيش الإنسانية فنشر عتمة الحقد والكراهية , سحق ابتسامات الأطفال ومزّق كتبهم ودفاترهم وحطّم ألعابهم وأراجيحهم , قتل آمالهم بمستقبل مشرق فوق تراب وطنهم الذي سرقه الاحتلال وعاث به فساداً ودماراً, هجّر أهله أصحاب الأرض الحقيقيين قبل عشرات السنين ليستوطنه الغرباء المحتلون !. كل هذا القهر نتيجة المجازر والظلم والإرهاب وغيره كثير ألا يجعل الولدان شيوخاً هرمين؟! وكأن لسان حالهم يقول : "شاخوا قبل أوانهم " مختصراً عبارة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان :" أطفال فلسطين كبروا أكثر من سنوات العمر " !.
• أطفال تحت وطأة القصف والتهجير والإبادة :
يُعتبر الأطفال من أكثر الشرائح تعرضاً للعنف المجتمعي أيام السلم , كما يتابع قادة الحروب هوايتهم الإجرامية ضدهم باعتبارهم الحلقة الأضعف بالمجتمع وبهم يتمكنون من لَيْ أذرع الأهل الذين يبذلون جهدهم لتأمين الحماية لأبنائهم, فيغادرون أماكن النزاع لتوفير المأوى الأكثر أمناً , يحملون أطفالهم ويركضون بهم تحت القصف , يحتضنوهم لتفادي رصاصة هنا أو قذيفة مجرمة ذكية تلاحقهم حيث يلتجؤون ويحتمون بالمدارس التي تحولت لمراكز إيواء تكتظ بالنازحين القادمين من كل حدب وصوب من غزة المنكوبة .. يظنون أنهم يوفرون الحماية اللازمة لهم ولأبنائهم كونهم في مدرسة تحمل شعار الأونروا المحمية بالحصانة الدولية لكن المتعطشين للدماء الذين لا يرعون القوانين الدولية يأبون إلا أن يدمغوا بصمتهم الإجرامية بحق كل فلسطيني فيواصلون إجرامهم ومجازرهم .. يقصفون المدرسة .. تتدمر وتتطاير الأجساد بالهواء ثم ترتطم أرضاً لتلقى حتفها , بينما تستر الأنقاض عورات الشهيدات والجريحات مع أطفالهن لتبدأ رحلة البحث عنهن بين الدمار لإسعافهن .. يحملون الأم الشهيدة وهي تحتضن طفلها الجريح الذي افتدته بروحها ليعيش .. يتابع رحلة النزوح القسري مع الأقارب والجيران وأناس آخرين لا يعرف سوى أنهم مثله ينتمون لفلسطين ويبحثون لأنفسهم عن الملجأ الآمن هرباً من آلة الإبادة الصهيونية .. ينزحون صوب مخيم .. يلتقيهم أخوة لهم سبقوهم بالنزوح , يتشاركون الخيمة ويتوزعون بين مهاجرين جدد وأنصار كانوا بالأمس مهاجرين, يتقاسمون الفراش واللقمة والماء بين النساء والأطفال – رغم شحّها - ويجلس الرجال بين الخيام ليقوموا على خدمتهم , ينتشر خبر وصول شاحنة الطحين لمكان بعيد , يركض الشباب علّهم يحصلون على قوتٍ لقاطني الخيام , تمضي ساعات الانتظار بطيئة وكأن عقاربها لا تتحرك من مكانها ! ينام الأطفال جوعاً وإرهاقاً .. ثم يصحون على صوت الصراخ والبكاء على أب عاد محمولاً على الأكتاف وقد أصيب برصاص قناص غادر .. كما يحمل الحمار شاباً جريحاً حاول إنقاذ جاره قبل الاستشهاد , وآخرين من المصابين والشهداء .. اكتظت ممرات المخيم بالنازحين المستقبلين لشهداء وجرحى انتظار المساعدات القاتلة التي زادت عدد الأرامل والأيتام !..
• أطفال شهود على أسوأ إبادة وتطهير عرقي :
عندما نراجع أرقام الوفيات الناجمة عن العدوان الصهيوني على غزة نصاب بالصدمة والذهول ! فقد بلغ عدد الأيتام " 39 ألفاً و384 طفلاً فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء العدوان , من بينهم نحو 17 ألف طفل حرموا من كلا الوالدين ليكون هذا الرقم أكبر أزمة يُتْم في التاريخ الحديث " حسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني شهر 4/2025 !.. وقد تطرق التقرير لعدد الشهداء الأطفال في نفس الفترة فبلغ 17 ألفاً و954 طفلاً بينهم 274 رضيعاً و 876 طفلاً دون عام واحد , كما فقد 17 طفلاً حياتهم بسبب البرد في الخيام و52 طفلاً بسبب المجاعة وسوء التغذية التي عرّضت نحو 60 ألف طفل لخطر المجاعة وسوء التغذية الحاد خلال العدوان الذي ما زال يقتل أو يصيب 100 طفل بمعدّل يومي , كذلك أباد الاحتلال نحو 7200 عائلة بالكامل !, وأكّدت اليونسيف أن ما يقرب من مليون طفل في غزة تعرضوا للتهجير المتكرر والحرمان من حقهم بالحصول على الخدمات الأساسية , إضافة لاستشهاد 188 طفلاً واعتقال نحو 1055 طفلاً في الضفة الغربية ..
- هل يمكن لنا تصوّر نفسية الطفل اليتيم فاقد أحد الوالديْن , فكيف في حال فقد الاثنين معاً إضافة لمعظم أهله ؟ ما الذي ينتظر هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون للرعاية والحنان الوالدي والأسري ؟ ما الذي ينتظر من يعيشون تحت الصدمة في ظروف معيشية مأساوية و يحتاجون للدعم النفسي والاجتماعي والصحي والجسدي خاصة لمن فقدوا أجزاءً من أجسادهم وباتوا فاقدي البصر أو أحد الأطراف وربما جميعها ويحتاجون للرعاية ولمن يعينهم على الحركة وخدمتهم !. ويرافق ذلك توقّف جميع الأنشطة التعليمية والتربوية والترفيهية والاجتماعية .. والأسوأ من هذا كله معيشة بعضهم بين القبور, علماً بأن غزة كلها أصبحت " مقبرة للأطفال " ! مما يؤثر على أطفالها وعلى مستقبلهم خاصة في مرحلة البلوغ حيث تُظهِر الدراسات التأثير السلبي للصدمة على الدماغ عندما تحدث في مرحلة مبكرة من النمو , فتتلفه وتؤثر على طريقة تطوره وتفاعله مع الآخرين نتيجة تحمّله للكثير من الحزن والمعاناة و الخوف من العيش بالشارع وعدم القدرة على الحياة الآمنة مع المحيط بعد رؤيته لأسوأ إبادة والعيش فيها!..
• صغار بأعمارهم كبار بأفعالهم :
يبدو أن الاحتلال ساهم بتغذية الرجولة المبكرة لأطفال فلسطين منذ النكبة فأصبحوا "صغاراً بأعمارهم كباراً بأفعالهم وطموحاتهم " وهذا تعبير عن الوعي الوطني لهم حيث أرضعتهم أمهاتهم حليب العزة والشموخ وحب الأرض والانتماء الوطني , وميّزْنهم عن أقرانهم واعتبرنَهم عمالقة بينهم ؟ فباتوا يفضلون الألعاب الحربية " بارودة , مسدس , سيف وترس , خنجر , قنبلة يدوية , طائرة ودبابة " , حتى المجتمع عاب عليهم البكاء لأنهم رجال , وعندما يلعبون يبتعدون عن الألعاب الهادئة الناعمة لأنها " بنّاتية " لا تليق بالفدائي وكان التشجيع حتى للفتيات على ذلك فصار أطفالنا يؤثرون الألعاب الخشنة التي يغلب عليها طابع مقاومة الاحتلال - هذا النمط من التربية كان وما زال - داخل الوطن المحتل وفي المخيمات ومناطق اللجوء والشتات و ربما أسهمت بتسريع يفاعتهم وسرقة بعضاً من طفولتهم التي - من حقهم عيشها- عندما تم التواصل معهم باعتبارهم رجالا رغم صغر سنّهم , لكن فرض الصهاينة لهذا الواقع مرفوض بالمطلق في غزة والضفة ! فهم يتعاملون معهم وكأنهم شباب يحملون السلاح الحقيقي بوجههم ويقاومون وجودهم بينهم , لقد انتزع الجيش طفولتهم وسرق أحلامهم بوحشية , تصرّف تجاههم باعتبارهم مقاتلين يقاومونه لهذا يتعمّد ملاحقتهم واعتقالهم وتعذيبهم والتنكيل بهم متجاوزاً كل القوانين الدولية التي تحمي الأطفال خاصة في ظل النزاعات المسلحة والحروب !.
مَن سمع من أهله قصص التشرد والنكبة وسرقة الاحتلال لوطنه آثر اقتناء اللعبة الحربية وتقمص دور المدافع عن أرضه , فما بالكم بمن عاش الواقع المأساوي من قصف وتدمير وتهجير وإبادة واعتقال لأهله وأصدقائه أمام ناظريه في غزة والضفة , فكيف سيكون تأثير ذلك على شخصيته المستقبلية ؟
- المراجع :الأناضول ,الميادين , الجزيرة نت , تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني و منظمة اليونسيف.

