Menu

"لماذا لا يضع الفلسطيني بندقيته؟ الجواب يبدأ من أسطورة الشيبة"

بيسان عدوان

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

في كل مرة سلّم الفلسطيني سلاحه، اختفى من المشهد وفي كل مرة حمله، استعاد اسمه

 

منذ أكثر من 150 عامًا، اخترع فلاح فلسطيني أسطورة "الشيبة" كي لا يُسلّم بارودته. واليوم، يواجه الفلسطيني السؤال ذاته: لماذا لا يضع سلاحه؟ بين ثورة 1936، وأوسلو، وصبرا وشاتيلا، و7 أكتوبر... كل مرة نُزع فيها السلاح، خسرنا البلاد، فمن فلاح اخترع وحشًا أسطوريًا كي يحتفظ ببارودته، إلى لاجئ سلّم سلاحه فذُبح في صبرا وشاتيلا، إلى ثائر فلسطيني يحمل المرتينة ويغني لحكيم أوغلو، إلى مقاوم في نفق يُعد قنبلته بيده… ليس هذا سردا تاريخيا فحسب، بل هو قراءة في متون التاريخ الفلسطيني المتصل منذ عقود ولا تزال الحكاية مستمرة فكلما علت الدعوات والتصريحات والمشروعات الخارجية أو حتى الفلسطينية تطلب من الفلسطينيين تسليم سلاحهم تحت ذرائع مختلفة ومتعددة ومتنوعة، يعاد إلى العقل الجمعي الفلسطيني القصة الكاملة للسلاح من خرافة تحرس القرية... إلى بندقية تحرس الذاكرة.

بعد عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، دخل خطاب نزع السلاح الفلسطيني مرحلة جديدة من العلنية والوقاحة. بعد أيام قليلة من العملية بدأ الجميع بما فيهم أصوات فلسطينية في غزة المحتلة أو الضفة المحتلة أو في الشتات تصرخ بصوت عالي " متى تُسلّم غزة سلاحها؟" دون الالتفات للسؤال الأهم لماذا حصل هذا؟ وكأن الفعل المقاوم لا يُقرأ كسياق، بل كـ"خطأ أخلاقي" يجب أن يُعاقب عليه أصحابه بنزع سلاحهم، وتفكيك بنيتهم، وتصفية وجودهم. خرجت التصريحات والمشروعات حول ماذا بعد اليوم التالي لغزة؟ وفي العمق منها مطلب أوحد هو " نزع السلاح مقابل وقف الحرب، ثم وقف الإبادة.. ثم مقابل الطعام" كل تلك الطروحات لخلق ما يعلنه المشروع الصهيوامريكي/العربي الفلسطيني " مناطق منزوعة السلاح، تفكيك الفصائل، إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية، إدارة مدنية بلا مقاومة، إشراف إقليمي تحت مظلة أمريكية وإسرائيلية. بجانب المبادرات الإنسانية الداعية بإعادة إعمار غزة مرتبط ارتباطا كليا بنزع السلاح. كل تلك الأمور والمبادرات والمشاريع لم تكن جديدة بل هي قديمة قدم الكيانات الاستعمارية في العالم، خاصة في فلسطين، ويبقى الجواب الفلسطيني رفض نزع سلاح المقاومة لأنه بكل بساطة هو الجهة الوحيدة التي تعيد تعريف الفلسطيني كمقاوم، لا كضحية فقط.

فكيف صاغ الفلسطيني تعريفه منذ الوجود العثماني والانجليزي ثم الصهيوني.. إليكم الرواية:

 

 "الشيبة" البندقية التي صنعت أسطورة الوجود

في ليلة شتوية من عام 1865، جلس فلاح فلسطيني في أطراف قريته يروي لأطفاله عن مخلوق خرافي ضخم، يُقال له "الشيبة"، يظهر في الظلام، ويهاجم البشر بشراسة خارقة. لم يكن يقصد إخافتهم، بل إخافة السلطة. لم يكن يحكي حكاية، بل يوجّه رسالة مشفّرة إلى الدولة العثمانية التي أصدرت قرارًا بمنع السلاح في القرى. خلال شهور، تحوّلت "الشيبة" إلى أسطورة شعبية، وبلغت الأخبار إسطنبول. أمام حالة الذعر، اضطرت السلطنة إلى التراجع عن القانون، واستثنت قرى فلسطين من قرار نزع السلاح.

تلك اللحظة ليست هامشًا فلكلوريًا في التاريخ، بل مرآة مبكرة لعلاقة الفلسطيني بسلاحه: ليس كأداة قتل، بل كأداة بقاء. منذ ذلك الزمن، وحتى اليوم، لم تكن البندقية مجرد سلاح… بل كانت وثيقة وجود، ومادة خام لهوية تُصاغ بالبارود أحيانًا، وبالدم غالبًا.

في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حاول إبراهيم باشا، والي مصر، نزع سلاح الفلسطينيين عقب تمرد 1834 الذي اندلع رفضًا للتجنيد القسري ونزع الأرض. قمعٌ دموي، قرى مدمّرة، ونقص بنسبة 20% من الذكور في بعض المناطق. بعد سنوات، عادت الدولة العثمانية لتوزّع السلاح على القرى الفلسطينية بفرمان من السلطان عبد المجيد الأول، لتكون "منطقة عازلة" أمام طموحات محمد علي التوسعية. لم يكن توزيع السلاح مكافأة، بل قرارًا سياسيًا يعترف بأن الفلاح الفلسطيني لا يمكن حكمه أعزل. البندقية لم تكن رفاهية، بل ضرورة اجتماعية وجغرافية وأمنية في قرية لا يحكمها القانون بل القوة، ولا تحميها الدولة بل البارودة.

وتعاظمت هذه العلاقة لاحقًا مع دخول بندقية "الموسكيتو" في زمن ظاهر العمر، ثم "المرتينة" التي اقترنت باسم البطل الشعبي التركي حكيم أوغلو. الصورة التي نشرها العثمانيون لجثته إلى جوار بندقيته لم تقتل أسطورته، بل خلّدتها. صارت "المرتينة" رمزًا للثائر الذي يُقاتل وحده، لكنه لا ينكسر. بهذه الخلفية، لم يدخل السلاح إلى المخيال الفلسطيني من بوابة العنف، بل من بوابة العدالة. ولهذا، فإن كل دعوة لنزع السلاح اليوم لا تُواجه مجرد تنظيمات أو فصائل، بل تصطدم بذاكرة ثقافية ضاربة في القرى والجبال والقصص والحكايات.

 

ثورات البارود: من "عصابة الأخضر" إلى المخيمات

منذ الاحتلال البريطاني وحتى اللحظة، طُلب من الفلسطينيين مرارًا تسليم سلاحهم. وكان الثمن في كل مرة باهظًا. وقبل أن تنفجر ثورة 1936 الكبرى، شهدت فلسطين ميلاد واحدة من أولى العصابات الفدائية المنظمة: عصابة الأخضر. تأسست هذه المجموعة في مطلع العشرينيات بقيادة فوزي القاوقجي ومجموعة من الزعماء الدروز الذين رفضوا الخضوع للانتداب البريطاني أو المشروع الصهيوني الناشئ. تحركت العصابة في الجليل وحوران، ونفذت عمليات جريئة ضد خطوط الإمداد البريطانية، واستهدفت المستعمرات اليهودية المسلحة. كانت تعتمد أسلوب الكرّ والفرّ، وتلجأ إلى التضاريس الجبلية للاحتماء، ما جعلها كابوسًا حقيقيًا للقوات البريطانية.

لم تكن عصابة الأخضر مجرّد مجموعة مسلحة، بل ظاهرة رمزية أعادت السلاح إلى مركز المشهد الفلسطيني بعد مرحلة الإذعان. كانت تذكيرًا بأن الكفاح المسلح ليس فعل يأس، بل فعل وجود. ورغم أن العصابة تفككت لاحقًا بفعل الملاحقة، فإن إرثها تسلل إلى ثورة 1936–1939، التي توسعت لتصبح واحدة من أطول المواجهات الشعبية في تاريخ الاستعمار البريطاني.

تلك الثورة، بعد ثلاث سنوات من النضال، انتهت بنداء عربي وبريطاني لإلقاء السلاح. سلّم الثوار أسلحتهم، فبدأت الاعتقالات والإعدامات، وتوسّعت الهجرة الصهيونية أكثر من أي وقت مضى. هدنة 1949 منعت أي نشاط عسكري فلسطيني، وجُرّد اللاجئ من السلاح حتى في مخيمه.

بعد النكبة ، انتشر السلاح الفلسطيني داخل العقل الجمعي الشعبي باعتباره الطريق الوحيد للتحرير وعودة اللاجئين داخل فلسطين المحتلة وفي المخيمات الفلسطينية في دول الطوق وصولا لتكوين الفصائل الفلسطينية المسلحة عقب احتلال ما تبقى من فلسطين بعد نكسة ١٩٦٧ وصارت المقاومة الفلسطينية أكثر انتظاما واحترافية وقامت بعمليات فدائية سواء داخل فلسطين المحتلة أو في الاردن معركة الكرامة أو خلال الحرب ضد المخيمات في لبنان.

كانت البندقية جزءًا من ذاكرة جماعية، لا أداة يومية، لكنها تحوّلت في لحظات الأزمات – من أيلول الأسود إلى حرب المخيمات – إلى قضية بقاء أمام مشاريع التصفية. في الوقت الذي تخلت المقاومة الفلسطينية عن سلاحها جبرا عبر تسليم إخراج م ت ف من لبنان دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمليشيات اللبنانية فحدثت المذابح والمجازر ولعل صبرا وشاتيلا لم تغب عن الذهنية الفلسطينية.

هكذا ظلّ السلاح، حتى في المنافي، عنوانًا للرفض، ورمزًا لوطن لم يعد له مكان إلا في مخيلة اللاجئين.

 

بين أوسلو وغزة: آخر البنادق في وجه الإبادة

هناك تاريخ آخر للفلسطيني وسلاحه وإن غاب في الواقع المعاش لكنه ظل في المخيلة الفلسطينية. ففي داخل أراضي 1948، كان السلاح دائمًا خطًا أحمر فرضته إسرائيل بقوة القانون وبقوة الدم، فجُرّد الفلسطيني من أي قدرة دفاعية، بينما تُركت الجريمة المنظمة تنخر مجتمعه بلا رادع. غابت البندقية من أجل "الأمن"، لكن الأمن لم يأتِ، بل جاء التهميش والقتل المتصاعد.

بعد أوسلو، تحوّل السلاح إلى قضية أمن داخلي، تُدار بالتنسيق مع الاحتلال لا ضده. أصبحت البندقية تُصنّف قانونية أو غير قانونية، لا وطنية أو غير وطنية. وأُعيد تشكيل المؤسسة الأمنية الفلسطينية على قاعدة "منع العنف"، لا مواجهة الاحتلال.

في الضفة الغربية، أصبح سلاح الفلسطيني يحمل صفة "غير الشرعي" إذا لم يكن تحت إدارة السلطة، رغم أن الاحتلال يواصل اقتحام المدن يوميًا. في حين أُخضع المجتمع لثقافة "الأمن أولًا"، صارت كل محاولة لتسليح الفصائل أو تشكيل مجموعات مقاومة موضع مطاردة مزدوجة: من الاحتلال وأجهزة السلطة معًا.

رغم الضغوط الأمنية بعد أوسلو، لم تغب المقاومة في الضفة الغربية، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال فردية وجماعات صغيرة. من عمليات الطعن والدهس في القدس ، إلى كتائب نابلس وجنين المسلحة التي برزت منذ 2021، تطورت الأدوات من السكين والمسدس إلى العبوات المحلية، حتى الهجمات على الحواجز. حتى داخل الخط الأخضر، هذا النمط الجديد من المقاومة في الضفة يقوم على المرونة واللامركزية، ما يجعل تفكيكه صعبًا رغم التنسيق الأمني مع الاحتلال. ففي نابلس، ظهرت "عرين الأسود"، وفي جنين تصاعدت الاشتباكات المفتوحة، فيما تحولت القدس إلى مسرح لعمليات مباغتة يصعب التنبؤ بها. وكانت هبّة أيار 2021 مؤشرًا على أن المواجهة لم تعد محصورة بالجغرافيا. المقاومة غيّرت شكلها وأدواتها، لكنها حافظت على جوهرها: رفض الاستسلام، مهما تغيّرت الظروف.

كانت الانتفاضة الثانية التي بدأت في سبتمبر 2000، بمثابة تصعيد للعنف المتبادل. وفي مارس 2002 ورداً على موجة من الهجمات الفدائية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة جاءت خارطة الطريق عام 2002 والتي نصّت بوضوح على أن تفكيك فصائل المقاومة هو مدخل بناء الدولة. لكن الدولة لم تأتِ، وبقيت فصائل المقاومة هدفًا معلنًا، لا للعدو فقط، بل في بعض الأحيان للسلطة نفسها.

 بعد الانقسام الفلسطيني عام 2007، بات السلاح في الضفة يُطارد، بينما في غزة يُصنّف إرهابًا. اعتُقل المقاومون، وداهمت الأجهزة الأمنية بيوت الفصائل، وبدأت عمليات "ضبط السلاح غير الشرعي"، في مشهد لم يعد الاحتلال فيه بحاجة للظهور، بل يكتفي بالتحريض أو التنسيق. في المقابل، ظلت غزة، رغم الحصار، آخر مكان يحمل السلاح بندًا لا يمكن التفاوض عليه. ولهذا السبب حوصرت، وقُصفت، وحوصرت وشن عليها أكثر من ٤ حروب من الاحتلال الإسرائيلي بحجج القضاء على سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية ورفضا لسيطرة الحركة الإسلامية حماس على مقاليد الحكم في غزة.

بعد السابع من أكتوبر 2023، تغيّر المشهد، لكن الخطاب بقي ذاته: نزع السلاح. خرجت البيانات الدولية تتحدث عن "اليوم التالي لغزة"، وتتمحور كلها حول نقطة واحدة: تجريد القطاع من السلاح مقابل الإعمار. لا ذكر للعدالة، لا مساءلة للاحتلال، لا حديث عن الحصار، فقط مطلب واحد: تسليم البندقية مقابل الطعام. الإعلام الغربي تبنّى الرواية الصهيونية دون مواربة. المقاوم أصبح إرهابيًا، والأنفاق معسكرات موت، والبندقية خطر على الأمن الدولي. كأن العالم لا يرى مَن يقصف، بل يرى فقط من يُطلق النار في الرد.

في مارس 2023، خرج عبد الله أوجلان، الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، من زنزانته الانفرادية في سجن إيمرالي بنداء مفاجئ: "على الحزب أن يُلقي السلاح ويفتح الطريق أمام الحل السياسي". لم تكن هذه الدعوة وليدة نصر، ولا نتيجة مفاوضات متكافئة، بل جاءت من موقع عزلة كاملة، داخل دولة لم تعترف يومًا بالوجود القومي الكردي، بل جرّمت حتى لغته وثقافته. المفارقة أن بعض الأصوات الفلسطينية تلقفت التصريح بحماسة، وقدّمته بوصفه نموذجًا لـ"الحكمة السياسية" التي يجب أن تحذوها غزة.

لكن مقارنة الحالة الكردية بالسياق الفلسطيني ليست فقط تبسيطًا مخلًا، بل خطأ إستراتيجي قاتل. تركيا ، مهما كانت قوميتها متشددة، ليست مشروعًا إحلاليًا يسعى لاقتلاع الكرد من أرضهم وتحويلهم إلى شتات. أما في فلسطين، فإن الاستعمار الصهيوني بُني منذ اللحظة الأولى على مبدأ الطرد الكامل ومحو الوجود، لا على فكرة الاندماج. في تركيا، يمكن أن تُمنح الأقليات حقوقًا ثقافية في إطار الدولة، أما في فلسطين فالمطلوب إفراغ الأرض.

ولهذا، فإن الدعوة إلى نزع سلاح غزة استنادًا إلى تجربة أوجلان، ليست استلهامًا سياسيًا بقدر ما هي إعادة إنتاج لوهم قديم: أن الاحتلال يمكن أن يُهزم بالكلمات وحدها، وأن الضحية يمكن أن تنجو إذا نزعت أنيابها أمام الذئب.

 في كل مرة سلّم الفلسطيني سلاحه، لم يدخل العصر، بل دخل القبر. وفي كل مرة تمسّك به، دفع الثمن، لكنه بقي ظاهرًا، ناطقًا باسمه، واقفًا رغم الجراح. فمن يريد وقف النار، فليوقف الإبادة والتطهير العرقي لا أن يجرد الضحية من سلاحها.

---

المراجع:

1- إسماعيل أبو شيمس، أخذوك الترك مني ولوعوا قلبي، صحافة المواطن، موقع الهدف الالكتروني، 1 يونيو/ تموز 2016

2- أرشيف الدولة العثمانية، محاضر وزارة الداخلية 1865–1866.

3- روزين، غابرييل. التمرد الفلسطيني 1834 ودور الفلاحين. جامعة حيفا، 1997.

4- سعيد، كمال. ظاهر العمر: الأمير الذي أراد بناء دولة. دار الفجر، بيروت، 1994.

5- وثائق عصبة الأمم واللجنة الملكية البريطانية حول ثورة 1936.

6- يوسف، عبد القادر. عصابة الأخضر: البدايات المسلحة في الجليل. مركز دراسات الشرق، 1985.

7- اتفاقيات الهدنة العربية–الإسرائيلية، 1949.

8- أرشيف الصحافة الفرنسية حول خروج الفدائيين من بيروت، 1982.

9- اتفاق أوسلو وخارطة الطريق، وثائق رسمية، 1993–2003.

10- تقارير مركز كارنيغي حول نزع السلاح الفلسطيني.

11- وثائق الأمم المتحدة عن "اليوم التالي لغزة"، 2023–2024.

12- بيسان عدوان، هزيمة العقل الاستعماري، جنين نموذجا، العربي الجديد، ملحق فلسطين ، ٣٠ أبريل/نيسان ٢٠٢٢

13- بيسان عدوان، النضال الشعبي: الإمكانيات والفعاليات، العربي الجديد، ملحق فلسطين، ٢٩ أغسطس/ آب ٢٠٢١-