Menu

الشرائح الافتراضية وسيلة للتواصل داخل المناطق المحاصرة في غزة

مقال نُشر بصحيفة Le Monde الفرنسية - ترجمه: محمد ابراهيم الفلاح

 

بمبادرة من الكاتبة المصرية ميرنا الهلباوي، جرى الإرسال لرموز الرد السريع إلى الفلسطينيين المحاصرين داخل غزة بُغيةَ كسر الحصار والحظر المتعمد المفروض على الاتصالات الهاتفية.

كتب إليوت براشيه، مراسل جريدة لوموند الفرنسية في القاهرة قائلًا:

" هاتفها المحمول لا يكفُّ عن الاهتزاز والرسائل الإلكترونية القادمة من جميع أنحاء العالم ولا سيما من داخل قطاع غزة تنهال كما السيل على تليفون ميرنا الهلباوي. جميع تلك الرسائل عبارة عن خطابات مساندة، دعاوى لتقديم العون والمساعدة وأيضًا أنباء سارة وذلك كما حدث مع هذا الرجل المحاصر في الشمال من الأراضي الفلسطينية والذي ظل يبكي فرحًا بعدما رأى صورة لطفله الرضيع الذي وضعته زوجته في مدينة رفح الواقعة جنوبي الأراضي المحاصرة."

ففي الوقت الذي حدث فيه انقطاع في شبكة الاتصالات الهاتفية الفلسطينية للمرة العاشرة في غضون ثلاثة أشهر، فإن هذا الغزاوي قد أمكن له التواصل عبر تطبيق الواتس آب وذلك من خلال شريحة إلكترونية زودته بها ميرنا الهلباوي. وبمساعدة عشرة من المتطوعين الآخرين، أطلقت هذي الكاتبة المصرية ذات الواحد وثلاثين خريفًا مبادرتها الموسومة " الاتصال بأهلنا في غزة " وذلك بقصد تزويد السكان هناك بمثل هذه "الشرائح الإلكترونية" ودون أدنى مقابل مادي، هذه الشرائح التي هي عبارة عن رقائق افتراضية تُتيح لمستخدميها الالتفاف من حول انقطاع الاتصال والحصار اللذان تفرضهما عليهم الدولة العبرية.

وبحسب ما قالته ميرنا الهلباوي متحدثة إلينا من شقتها الواقعة في قلب القاهرة:

" إن العائلات الفلسطينية تعيش حالة من التشرد التام ولم يعد بإمكان أحد إحصاء الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم عن ذويهم. ففي أثناء انقطاع الكهرباء، يصبح من المستحيل بمكان الاتصال بسيارات الإسعاف ويكون لدى سيارات المساعدات والنجدة عراقيل هائلة للتنسيق فيما بينها لإخلاء الجرحى في الشوارع والطرقات. إن هذا الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي يمثل عقبة كؤود أمام قيام الصحفيين بالتغطية لكل ما يحدث على الأرض في حين أنَّ لهم دورًا محوريًّا في التوثيق لكل ما يجري من جرائم حرب ترتكبها إسرائيل."

والحاصل أن هذه الصحفية السابقة لم يغمض لها جفن تقريبًا منذ ثلاثة أشهرٍ. ففي الوقت الذي جرى فيه القطع لكل وسيلة من وسائل الاتصال فيما بين غزة والعالم، وكان هذا تحديدًا في السابع والعشرين من أكتوبر من العام ٢٠٢٣، وذلك بنية التحضير لاجتياح بريٍّ للجيش الإسرائيلي، فإن السيدة الشابة وضعت كل آمالها في هذا الصدد في شخص الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، مؤسس شركة SpaceX، والذي تعهد من جانبه بإتاحة الاتصال فيما بين سكان غزة وبعضهم البعض وذلك بفضل القمر الصناعي Starlink الذي تملكه شركته. لكن مع الأسف الشديد ظلَّ وعده هذا حبرًا على ورق.

وبحسب ما أفادت به: "كان الأمر مفزعًا في الحقيقة. كان بالإمكان في البداية متابعة كل ما يحدث أو يستجد من أوضاع داخل غزة لحظة بلحظة، ثم فجأة ودون سابق انذار انقطع كل شكل من أشكال التواصل. كان الصمت مطبقا." والحادث أن أحد متابعيها على الانستجرام قد اقترح عليها استخدام تلك الرقائق الافتراضية، والمتاح اقتناؤها عبر كثير من المواقع على الانترنت مقابل حوالي ثلاثين دولار. وبُغية الاستعمال لتلك الرقائق، فإن المستخدمين لها عليهم اللجوء لخاصية الماسح الضوئي بهواتفهم المحمولة لرمز الرد السريع والذي يكون قد تم إرساله من جانب المتبرع وبعدها سيكون كل المطلوب منهم فقط هو التنشيط لوضع التجوال على شبكة أخرى غير تلك التابعون لها وذلك بهدف أن يُتاح لهم إمكانية الاتصال والتواجد على هوائيات التتابع الإسرائيلية والمصرية القريبة من الأراضي الفلسطينية. وأردفت الكاتبة المصرية ،وملامحها لا تخلو من دهشة، بقولها: " لقد تواصلت هاتفيًا مع اثنين من الصحفيين في غزة نجحا ومن خلال شرائح إسرائيلية في التقاط شبكة على هواتفهما المحمولة. أرسلت إليهما اثنتين من الرقائق الافتراضية ونجح الأمر نجاحًا منقطع النظير.

"الموتُ في صَمت"

أحدهما يُدعى أحمد المدهون وغزة هي مسقط رأسه. كان هذا الرجل هو أول من نجح في الاتصال هاتفيًا من خلال "شريحة الكترونية" رغم انقطاع التيار الكهربائي. وفي رسالة أرسل بها إلى صحيفة Le Monde الفرنسية، يقول الصحفي المستقل ذو السبعة والعشرين خريفًا: "أن نفتقد لشبكة على هواتفنا المحمولة معناه أننا لا صوت لنا، أن تشعرَ وكأنك مُنعزلٌ عما حولك وتخاطبُ نفسك دومًا قائلًا: "هذا هو المصير الذي يريدونه لك، وهو أن تموت في صمت."

ويتابع الصحفي الشاب قائلًا: "إن هذه الشرائح الإلكترونية لهي وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع العالم. بيد أننا دائمًا ما نُعَرِّضُ أنفسنا للخطر من أجل أن يمكن لنا استعمالها. فمن يفعل ذلك منا دائمًا ما يكون هدفًا سهلًا لرصاص جنود الاحتلال الإسرائيلي وهو يحاول التقاط إشارة على سطح مستشفى الناصر في خان يونس. ويوضح ذلك بقوله أنه لا بد على من يفعل ذلك من الاقتراب من المناطق الحدودية، أو الانتقال إلى مناطق مفتوحة في الهواء الطلق كما هو الحال مع الشواطئ أو أن يصعد فوق سطح أحد المباني أو المنشآت وذلك من أجل أن يستعيد بعضًا من أشرطة الشبكة، كل هذا وهو عُرضة لأن يكون هدفًا سهلًا في مرمى نيران العدو الإسرائيلي."

وَبعد نجاح التجربة الأولى هذه، أطلقت ميرنا حملة عبر حسابها على الانستجرام من أجل أن تجمع الآلاف من هذه الشرائح والتي اشتراها متبرعون من جميع أنحاء العالم، من الولايات المتحدة حتى باكستان، مرورًا بفرنسا.

والحال أن السيدة الشابة قد تلقت ما يزيد عن الثلاث آلاف شريحة ورمز للرد السريع خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط. ثم راحت تستطرد قائلة: "لقد جعلنا الأولوية في الحصول على هذه الشرائح للصحفيين، ثم رجال النجدة والإسعاف وأخيرًا للأُسر اللاتي لا تعلم شيئًا عن بعض من أفرادها ومن بعدهم لكل هؤلاء الذين كانوا في أمس الحاجة لها."

وإجمالًا، فإنَّ هناك أكثر من ١٥٠ ألفًا من تلك الرقائق الافتراضية تم إرسالها إلى غزة. هذه الرقائق دائمًا ما يجري الاستخدام لها فيما نُسميه مناطقَ بها نقطة اتصال ["الشبكات المشركة"] وذلك بقصد إتاحة السبيل أمام أشخاص آخرين من أجل أن يتواصلوا مع بعضهم البعض. هذا ما نُسميه نحن بهيكل الشجرة وأحيانًا بالتفريع. لقد أمكن لنا أن نحدد هوية بعض من الأشخاص الذين نرسل لهم باستمرار هذه الشريحة الإلكترونية. ثم يأتي من بعد ذلك الدور المنوط بهم والذي يتحدد في قيامهم بجمع أكبر عدد ممكن من الأشخاص داخل دائرة الاتصال الخاصة بهم وجعلهم يُكَوِّنون دوائر اتصال أخرى. هؤلاء الأشخاص صرنا نَصِفُهُمُ بالراوترات _ أجهزة إرسال وتوجيه الحِزَم الإلكترونية_ البشرية. ولكن يحدث كثيرًا وعلى نحو شبه اعتيادي أن نفقد الاتصال بأحدهم وذلك من قبل أن يتسنى لنا معرفة أنه مات شهيدًا أثناء القصف. إن القلب لينفطر حزنًا جراء هذا الصمت." قالت ميرنا هذه الكلمات وعيناها مغرورقتان بالدمع الثخين السائل على وجنتيها.

إن مسألة أن يكون لديك بعض من أشرطة الشبكة على هاتفك الجوال هي مسألة حياة أو موت. ففي وقت الحرب، لا غنى لأحد عن أن يعلم كل ما هو جديد عن القصف الإسرائيلي، آخر التطورات على أرض المعركة، الاتصال بالمسعفين ورجال النجدة وأخيرًا الاطمئنان على الأهل وذوي الأرحام.