Menu

غسان كنفاني: لماذا لا يزال خالدًا في الوجدان الفلسطيني والعربي؟

وسيم السلطي

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

غسان كنفاني ، الأديب والصحفي الفلسطيني الذي استُشهد في بيروت عام 1972، لا يزال رمزًا ثقافيًا وسياسيًا يتردد صداه في الأوساط الأدبية والشعبية على حد سواء. رواياته مثل "رجال في الشمس"، "عائد إلى حيفا"، و"ما تبقى لكم"، إلى جانب قصصه القصيرة مثل "أرض البرتقال الحزين"، لم تكن مجرد أعمال أدبية، بل وثائق إنسانية وسياسية جسّدت معاناة الشعب الفلسطيني وصموده. بعد أكثر من خمسين عامًا على رحيله، ما الذي يجعل كنفاني حاضرًا بهذه القوة؟ هل يعود ذلك إلى غياب شخصيات أدبية بوزنه، أم أن هناك أسبابًا أخرى تجعل إرثه خالدًا؟ للإجابة، التقت "الهدف" بست شخصيات من خلفيات متنوعة لاستطلاع آرائهم حول أهمية كنفاني واستمرار تأثيره.

1- الشاب خليل محمود - طالب دراسات أدب عربي من العراق

السؤال: لماذا بقي غسان كنفاني حاضرًا بكثافة، أدبياً وثقافياً، على الساحة العربية حتى الآن؟

"غسان كنفاني لم يكن مجرد كاتب، بل كان صوتًا للضمير الفلسطيني. أعماله ليست قصصًا عابرة، بل مرايا تعكس تجربة اللجوء والتشرد والمقاومة. في "رجال في الشمس'"، استخدم رمزية الخزان ليصور كيف يُخنق الفلسطينيون أمام صمت العالم.

وفي رأيي، لا يمكن بسهولة أن يظهر كاتب آخر بوزنه لأن تجربته كانت فريدة، فقد عاش النكبة، تجربة اللجوء، وكان جزءًا من المقاومة. لكن الأهم هو أن قضية فلسطين لا تزال حية، وبالتالي تبقى كتاباته ملائمة لكل جيل يعيش الصراع أو يتضامن معه. إرثه ليس فقط أدبيًا، بل هو وثيقة حية للنضال."

2- الأستاذ أحمد قاسم - كاتب وناشط مصري

السؤال: هل يعود استمرار ذكرى كنفاني إلى غياب شخصيات أخرى بقوته الأدبية؟

"لا أعتقد أن الأمر يتعلق فقط بغياب شخصيات أخرى. هناك كتاب فلسطينيون وعرب مميزون، لكن كنفاني كان مزيجًا نادرًا من الأديب والمناضل. كتاباته دعوة للتفكير والعمل. في "ما تبقى لكم"، يطرح قضايا الهوية والأرض بطريقة تجبرك على إعادة تقييم موقفك من القضية. حضوره مستمر لأن القضية الفلسطينية لم تحل، وكل جيل يجد في كتاباته انعكاسًا لواقعه. بالإضافة إلى ذلك، أسلوبه السردي الذي يمزج الواقعية بالرمزية يجعل أعماله عابرة للزمن. لا يمكن اختزال تأثيره في غياب كتاب آخرين، بل في قدرته على التحدث إلى الإنسانية جمعاء".

3- الشابة هديل محسن - طالبة جامعية وهاوية قراءة من فلسطين

السؤال: كيف ترين تأثير كنفاني على جيلك؟

"أنا من جيل الشباب، ومع ذلك أشعر أن كتابات كنفاني تتحدث إليّ مباشرة. قرأت "عائد إلى حيفا" في الجامعة، وكانت تجربة مؤثرة جدًا. قصته عن عائلة تعود إلى بيتها المسلوب جعلتني أفكر في جدي وجدتي اللذين طُردا من قريتهما عام 1948. كنفاني يجعلك تشعر بالقضية كتجربة إنسانية، وليس فقط كشعارات سياسية. أعتقد أن الناس يتذكرونه لأنه يحول القضية إلى قصص شخصية تلمس القلب. ليس الأمر غياب كتاب آخرين، بل طريقته في الكتابة تجعلك تعيش القصة وكأنها تخصك. كتبه جسر بين الأجيال، وهذا ما يجعله خالدًا".

4- الأستاذ محمود الخطيب - ناقد وصحفي سوري

السؤال: هل هناك أسباب أخرى وراء استمرار إرث كنفاني؟

"هناك أسباب متعددة تجعل كنفاني رمزًا لا يُنسى. أولاً، كان رائدًا في استخدام الأدب كأداة سياسية دون أن يفقد الجمالية الأدبية. أسلوبه يجمع بين الواقعية والرمزية بطريقة تجعل أعماله خالدة. ثانيًا، استشهاده في ريعان شبابه جعله رمزًا للتضحية، مما أضاف بُعدًا أسطوريًا لشخصيته. ثالثًا، ترجمة أعماله إلى لغات عديدة جعلته سفيرًا للقضية الفلسطينية عالميًا. رابعًا، كتاباته ليست محلية فقط، بل تتناول قضايا إنسانية عالمية مثل العدالة والحرية. لا أعتقد أن غياب شخصيات أخرى هو السبب الرئيسي، بل قوة أدبه وقربه من الناس هو ما يبقيه حيًا. من يقرأ كنفاني يجد فيه شيئًا يتعلق به، سواء كان فلسطينيًا أو مدافعًا عن العدالة."

5- الشاب خالد السعدي - كاتب فلسطيني

السؤال: لماذا لا يزال الناس يشترون كتب كنفاني؟

"أظن أن الناس يشترون كتبه لأنها ليست مجرد قصص، بل تاريخنا وهويتنا. الشباب يجدون فيها إجابات عن أسئلتهم حول النكبة واللجوء، والأجانب يقرأونها ليفهموا القضية الفلسطينية. كنفاني يروي قصصًا تجعلك تشعر بألم الشخصيات وكأنك تعيش معهم. لا أعتقد أن الأمر يتعلق بغياب كتاب آخرين، فهناك أدباء رائعون، لكن كنفاني مختلف لأنه كتب من القلب وللقلب. كتبه مثل جسر يربط الأجيال بالقضية، وهذا ما يجعلها مطلوبة دائمًا."

6- السيدة آمال حسين – عاملة في مجال الفنون البصرية من فلسطين

السؤال: كيف أثر كنفاني على الفنون البصرية والثقافة المعاصرة؟

"غسان كنفاني لم يؤثر فقط على الأدب، بل ترك بصمة كبيرة على الفنون البصرية، بما فيها السينما والمسرح. العديد من أعماله، مثل "رجال في الشمس" و"عائد إلى حيفا"، تم اقتباسها في أفلام ومسرحيات لأنها تحمل قصصًا بصرية قوية. كعاملة في مجال الفنون البصرية، أجد في كتاباته إلهامًا لرواية القصص المرئية التي تجمع بين الحقيقة والرمزية. على سبيل المثال، فكرة العودة في "عائد إلى حيفا" ليست مجرد قصة عائلة، بل هي استعارة للشتات الفلسطيني بأكمله. استمرار تأثيره يعود إلى قدرته على تقديم قصص متعددة الأبعاد يمكن تفسيرها بطرق مختلفة. ليس الأمر غياب مبدعين آخرين، بل أن كنفاني قدم لغة أدبية وسياسية لا تزال تلهم الفنانين عبر الوسائط المختلفة. إرثه يعيش في كل عمل فني يحمل روح المقاومة".

من خلال هذه الآراء، يتضح أن استمرار حضور غسان كنفاني لا يقتصر على غياب شخصيات أدبية بوزنه، بل يعود إلى قوة أدبه الذي يجمع بين العمق الإنساني والرمزية السياسية. أعماله، التي تتناول قضية فلسطين من منظور إنساني وعالمي، لا تزال تلقى صدى لأنها تعبر عن تجربة مستمرة لم تجد حلًا بعد. إضافة إلى ذلك، دوره كناشط واستشهاده في سبيل القضية جعلا منه رمزًا للتضحية، بينما ترجمة أعماله وتأثيرها على الفنون الأخرى وسّعت دائرة تأثيره عالميًا. كنفاني ليس مجرد أديب، بل صوت شعب، وثيقة حية للنضال، وجسر يربط الأجيال بالقضية الفلسطينية. إرثه سيبقى خالدًا طالما بقيت القضية حية في القلوب والعقول.