لم تُحَرَّك الحرب الإسرائيلية في غزة بالطائرات من دون طيار والدبابات والغارات الجوية فقط. فقد خاضت أيضاً حرباً بالكلمات ومقاطع الفيديو والسرديات المصوغة بعناية. وفي قلب هذا الجهد تقف ما تُعرف بوحدة الجيش السرية «خلية إضفاء الشرعية»، وهي وحدة اتصالات مكلفة بصياغة تصورات دولية عن الصراع.
ووفقاً لصحيفة )+972( المستقلة، فإن مهمتها واضحة: تتفحّص حياة الصحفيين – أحياءً وأمواتاً – بحثاً عن أي أثر يمكن ربطه بحماس، وإن كان واهناً، لتبرير قتلهم.
قُتِل أكثر من اثني عشر صحفياً في غارات جوية إسرائيلية على غزة خلال الأسابيع الأخيرة، ما يسلّط الضوء على ما يصفه محلّلون بأنه إستراتيجية عسكرية متعمَّدة لتجريم العمل الصحفي الفلسطيني.
قال عالم السياسة آهرون بريغمان: «المهمة الأساسية لـ(خلية إضفاء الشرعية) هي تقويض عمل الصحفيين الفلسطينيين وتقديم الذريعة لقتلهم».
حرب سردية تتجسّد هذه السياسة في عدة حالات بارزة. في أوائل أغسطس، قُتل مراسل قناة الجزيرة أنس الشريف إلى جانب أربعة من زملائه في غارة قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة. وسرعان ما نشر الجيش الإسرائيلي مستندات تزعم أنه كان عملياً مرتبطاً بحماس منذ عام 2013. وحتى إن قُبلت هذه الملفات على عواهنها، فإنها بيّنت أن آخر اتصال له بحماس كان في 2017 — أي قبل سنوات من الحرب الحالية.
كان أنس الشريف، البالغ من العمر 28 عاماً، قد قضى شهوراً يُغطّي شمال غزة، ناشراً تقارير عن الجوع والغارات المستمرة. وقال في رسالة أعدّها قبل وفاته: «لم أرتَح ليومٍ واحد عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تحريف أو تزوير».
وتكرر الأسلوب نفسه بعد مقتل الصحفي إسماعيل الغول في يوليو 2024، مع مصوّره. وبعد أسابيع وصفته القوات الإسرائيلية بأنه «إرهابي من نخبة (نخبة حماس)»، مستندة إلى وثيقة منسوبة إلى عام 2021 استُخرجت من جهاز كمبيوتر تابع لحماس. لكن الوثيقة نفسها أوردت أنه نال رتبته عام 2007 — عندما كان الغول يبلغ من العمر عشر سنوات فقط.
قال أحد الصحفيين العاملين في غزة، تحدث لفرانس 24 شريطة عدم الكشف عن هويته، إن تكتيكات خلية إضفاء الشرعية «مقلقة»، وإنها تُعرّض حياة الصحفيين للخطر بربطهم بجماعات مسلحة.
وأضاف: «نحن نعمل بالفعل تحت خوف دائم — غارات جوية، فقدان زملاء، الصمت القسري. والآن هناك تهديد سمعي أيضاً، يقصّر من دعمنا وحمايتنا الدوليَّين. إنه جهد منهجي لتشويه شرعية أصواتنا ومنع وصول حقيقة غزة إلى العالم. نُرسَم كأهداف، لا كمحترفين ينقلون الحقائق».
في 2024، حقّقت منظمة Forbidden Storiesالتي تجمع صحفيين من أنحاء العالم، في مقتل ما يقرب من مئة صحفي فلسطيني على يد الجيش الإسرائيلي كجزء من مشروعها «غزة».
قال لوران ريتشارد، المدير التنفيذي للمنظمة، في مقابلة مع راديو فرنسا: «الجيش الإسرائيلي يشارك في نشر معلومات مضلِّلة حول الصحفيين ليُلمح إلى أن كل الصحفيين العاملين في غزة عملاء لحماس».
وأضاف: «الواقع أكثر دقة وتعقيداً… كثيراً ما تبدأ العملية بالشائعات ومقالات في مواقع قريبة من الحكومة الإسرائيلية، تزعم أن صحفياً ما هو في الحقيقة إرهابي. ثم بعد أسابيع أو شهور يُستهدف ذلك الصحفي بطائرة مسيرة».
«أسوأ صراع للصحفيين» في يوم الإثنين، ضربت إسرائيل مستشفىً رئيسياً في جنوب غزة مرتين، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً، من بينهم خمسة صحفيين، وفقاً لمسؤولين طبيين. وأدانت منظمة مراسلون بلا حدود الضربات ووصفتها بأنها جزء من «القضاء التدريجي على المعلومات في غزة»، ودعت إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي.
وتقدّر منظمات مراقبة الإعلام أن حوالى 200 صحفي قُتلوا في نحو عامين من القتال بين إسرائيل وحماس، ما يجعل غزة أكثر الصراعات دموية للصحفيين في التاريخ الحديث. في أبريل، وصفها معهد واتسون بجامعة براون بأنها «ببساطة، أسوأ صراع على الإطلاق بالنسبة للصحفيين».
قال بريغمان: «إسرائيل تقتل الصحفيين الفلسطينيين كما لو كانوا ذباباً. الطريقة الإسرائيلية بسيطة: تسمح بدخول إلى قطاع غزة الصحفيين والمؤثرين الذين تعتقد أنهم سيدعمون السرد الإسرائيلي، وتُصمّت — غالباً بالرصاص — من يعارضون ذلك».
السيطرة على القصة بعيداً عن قضية أنس الشريف، تُصر إسرائيل على أن عملياتها لا تستهدف الصحفيين عمداً، وتؤكد أن الغارات تستهدف مسلحين وبُنى تحتية عسكرية فقط. ولم ترد قوات الدفاع الإسرائيلية فوراً على طلبات التعليق حول وجود أو نشاطات خلية إضفاء الشرعية.
وبعد الضربة الأخيرة على المستشفى، أمر رئيس الأركان بفتح تحقيق تمهيدي، مؤكداً أن جيش الدفاع «لا يستهدف الصحفيين بحد ذاتهم بأي شكل من الأشكال».
لكن مجموعات تدافع عن حرية الصحافة ترى أن النمط واضح: تشويه سمعة الصحفيين بوصفهم مسلحين، ثم قتلهم في غارات تُبرَّر بتلك المزاعم نفسها. وبالنسبة لبريغمان، فالمنطق قائم على التحكم بالمعلومات وليس على الضرورة العسكرية.
قال: «كل هذا يتعلق بالهاسبارا والسيطرة على السرد الذي تريد إسرائيل أن يؤمن به العالم. ولا علاقة له بالأمن أو العمليات العسكرية».
تمتد سيطرة إسرائيل على سرد غزة إلى ما وراء منطقة الصراع، إذ تنظّم بشدة تغطية الأجانب عبر السماح فقط للصحفيين المرفقين بقواتها بالدخول.
وقال ريتشارد: «هذه من النادرات في التاريخ الحديث حين يمنع بلد بمثل هذا الحجم تغطية الصراع على الأرض من قِبل صحفيين يرغبون في ذلك، وهو ما يشكل مشكلة ديمقراطية كبيرة تتعلق بالوصول إلى المعلومات».
تتخطى خلية إضفاء الشرعية كونها مجرد أداة دعاية. فهي تجسِّد عسكَرة المعلومات، حيث تُفحَص كل كلمة وصورة وتقرير باعتبارها تهديداً محتملاً. في هذا الإطار، لا يعود الصحفيون رسلاً فحسب، بل يصبحون أهدافاً أيضاً.
وختم الصحفي الغّزي المجهول: «كونك صحفياً لا يعني أن تكون هدفاً، لكن للأسف يحاول الجيش الإسرائيلي تسميتنا كذلك، مما يروّع الجمهور والصحفيين على حدٍّ سواء».

