Menu

"جولة ترامب في الخليج تعيد تشكيل الخريطة الدبلوماسية للشرق الأوسط"

ترجمة : نور نوارة

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

رويترز 19 مايو 2025

بقلم: جيمس ماكنزي وسامية نخول

لم تُبرز عزلة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع شيئًا أكثر وضوحًا من صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح زعيم سوريا الإسلامي أحمد الشرع – الرجل الذي وصمته إسرائيل بأنه "إرهابي من القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثاته مع الشرع يوم الأربعاء في الرياض – وهي قمة رتبها مضيفوه السعوديون الذين أبرم معهم صفقات ضخمة في مجالات الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا:

"إنه يمتلك المقومات. إنه قائد حقيقي".

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية و قطر والإمارات كانت أكثر من مجرد استعراض دبلوماسي مصحوب باستثمارات مربحة؛ فقد أرست معالم نظام شرق أوسطي جديد تقوده دول سنية، يتجاوز محور المقاومة الذي قادته إيران والذي بات ممزقًا، ويترك إسرائيل على الهامش، بحسب مصادر إقليمية وغربية.

في ظل تنامي الاستياء في واشنطن من فشل إسرائيل في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، اعتُبرت الجولة إهانة لنتنياهو، الحليف الأميركي الوثيق وأول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب للبيت الأبيض في يناير، وفقًا للمصادر.

الرسالة كانت واضحة: في رؤية ترامب الأقل أيديولوجية والأكثر واقعية للسياسة الخارجية، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لجدول أعماله اليميني.

قال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى:

"هذه الإدارة محبطة جدًا من نتنياهو، وهذا الإحباط بدأ يظهر"، مضيفًا: "إنهم عمليّون للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم شيئًا حاليًا".

وأكدت المصادر أن الولايات المتحدة لا تنوي التخلي عن إسرائيل، التي تبقى حليفًا إستراتيجيًا مهمًا، وتحظى بدعم واسع في واشنطن، من الحزبين. لكن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة لنتنياهو مفادها أن لأميركا مصالحها الخاصة في المنطقة، ولا ترغب بأن يعيقها أحد – حتى هو.

 

نفد صبر الولايات المتحدة ليس فقط بسبب رفض نتنياهو وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضًا بسبب اعتراضه على محادثات أميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي، وفقًا للمصادر.

ورفض مكتب نتنياهو التعليق ولم يصدر أي بيان رسمي بشأن زيارة ترامب.

وأكد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، جيمس هيويت، أن ترامب "صديق لإسرائيل"، وقال:

"نواصل العمل عن كثب مع حليفنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح الرهائن، ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وتعزيز أمن المنطقة".

رغم التصريحات العلنية عن متانة العلاقات، أعرب مسؤولو إدارة ترامب عن استيائهم خلف الكواليس من رفض نتنياهو الالتزام بالمواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وذكرت ستة مصادر إقليمية وغربية أن التوتر بين البلدين كان يتصاعد حتى قبل الزيارة وبلغ التوتر ذروته عندما زار نتنياهو واشنطن في أبريل طالبًا دعمًا لشن ضربات على منشآت نووية إيرانية، ليفاجأ بأن ترامب اختار مسار التفاوض.

وعقب ذلك، أظهر إعلان ترامب وقف إطلاق النار في اليمن، وانفتاحه على النظام الإسلامي الجديد في سوريا، وتجاوزه لإسرائيل خلال زيارته الخليجية، حجم التباعد بين الحليفين التقليديين.

وقال ديفيد ماكوفسكي من معهد واشنطن:

"واشنطن وتل أبيب لم تعودا متناغمتين في القضايا الكبرى كما كانتا خلال المئة يوم الأولى من رئاسة ترامب".

غزة نقطة انقسام

خلال حملته الانتخابية، أكد ترامب أنه يريد وقفًا لإطلاق النار في غزة وإطلاق سراح الرهائن قبل عودته للبيت الأبيض.

لكن بعد أشهر من ولايته، واصل نتنياهو تجاهل الدعوات الدولية، ووسع الهجوم دون خطة لما بعد الحرب، بعد 19 شهرًا من النزاع الذي أودى بحياة أكثر من 52,900 شخص في غزة، بحسب السلطات الصحية المحلية.

أمل ترامب في استغلال زيارته لصنع السلام تبدد، إذ واصل نتنياهو – المتهم بارتكاب جرائم حرب – تعهده بسحق حماس، بينما يواجه تهم فساد في إسرائيل ينكرها.

 

مع اختتام زيارة ترامب، شنت إسرائيل هجومًا جديدًا على غزة، خلف مئات القتلى الفلسطينيين. كما اصطدمت خطة ترامب لتوسيع "اتفاقات أبراهام" لتشمل السعودية برفض سعودي للتطبيع قبل إنهاء الحرب والتوصل لمسار نحو دولة فلسطينية – وهي شروط يرفضها نتنياهو.

وقال شينكر: "ليس لديه أي إستراتيجية أو خطة لليوم التالي في غزة، بل يقف عائقًا".

ورغم نفي ترامب وجود خلاف، ومراوغته في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، فإنه يمضي قدمًا بعيدًا عن نتنياهو، موجهًا دفة الدبلوماسية الأميركية نحو الدول السنية الثرية بقيادة الرياض.

وقال مصدر إقليمي رفيع إن الزيارة كرّست السعودية زعيمة للعالم العربي السني، في وقت أضعفت فيه إيران بفعل تجاوزاتها وضربات إسرائيل لحلفائها.

صعود الدول السنية

رغم أن نتنياهو قاد المعركة ضد إيران، إلا أن الترتيب الإقليمي الجديد يتم تشكيله في الرياض والدوحة وأبوظبي.

هذه العواصم تسعى لشراء الأسلحة المتطورة والحصول على شرائح إلكترونية أميركية متقدمة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي – ووجدت شريكًا في ترامب، الذي تتداخل سياساته الخارجية أحيانًا مع مصالح أسرته المالية.

في قطر، استُقبل ترامب بحفاوة ملكية، وصرح بأن الدوحة "تحاول فعلًا المساعدة" في ملف الرهائن، رغم أنها أحد أبرز ممولي حماس – ما أثار غضبًا في إسرائيل.

وقال يوئيل غوزانسكي من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب:

"الكثير من الإسرائيليين لا يدركون مدى مركزية قطر لدى الولايات المتحدة"، مشيرًا إلى أنها تستضيف أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط.

وبحسب البيت الأبيض، فإن الجولة أمنت استثمارات بأكثر من تريليوني دولار للاقتصاد الأميركي، بينما قدّرت رويترز القيمة الحقيقية بنحو 700 مليار دولار.

وفي السعودية، أبرم ترامب صفقة سلاح تاريخية بـ142 مليار دولار، ما أثار مخاوف إسرائيلية من فقدان التفوق الجوي حال حصول الرياض على مقاتلات F-35.

كما تفاوض ترامب على صفقة استثمار نووي مدني مع السعودية، في خطوة أثارت قلقًا إضافيًا في إسرائيل.

 

فاجأ ترامب الجميع أيضًا بإعلانه رفع العقوبات عن سوريا، في استجابة لرغبة سعودية رغم اعتراضات إسرائيل.

وبعد أيام فقط من استهداف الحوثيين مطار بن غوريون بصاروخ، أعلن ترامب وقف العمليات العسكرية الأميركية في البحر الأحمر، مبرمًا هدنة مع الحوثيين، حلفاء إيران.

وقال غوزانسكي:

"إسرائيل باتت تبدو كالعائق، تقف في وجه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بينما يحاولان إعادة تشكيل المنطقة بعد سقوط الأسد وربما إنهاء حرب غزة".

ومع صمت حكومة نتنياهو، أبدت وسائل الإعلام الإسرائيلية قلقها من تراجع مكانة البلاد لدى أهم حليف لها.

وانتقد سياسيون معارضون نتنياهو لتركه إسرائيل على الهامش وسط إعادة تشكيل التحالفات.

وقال رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت على منصة X:

"الشرق الأوسط يشهد تحولات زلزالية، أعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو وعصابته مشلولون، لا يفعلون شيئًا، وكأنهم غير موجودين".