Menu

المأساة الفلسطينية في كتاباتي هي سيرة حياة شعب

أمينة عباس

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

كاتب روائي أردني/فلسطيني، في رصيده أربعة وخمسون كتابًا منشورة، تنوعت ما بين الرواية والقصة والأقصوصة والمسرحية والنقد. ولم تكن كتاباته ترفًا فكريًا أو فنيًا، فكل رواياته مسكونة بالهمّ والرعب الفلسطيني، والظلم الذي يعانونه. وحين يصف نفسه يقول: "أنا حادّ في كتاباتي ولستُ حياديًا، وأشير إلى الصح والخطأ، ولا أتخفّى وراء الأشياء، ولا أكتب كتابة رمزية، بل أكتب بوضوح وأسمي الأشياء بأسمائها". رشَّحت دار الهلال روايته "الأرملة السوداء" الصادرة في العام 2011 للتقدم لمسابقة جائزة البوكر العالمية للرواية العربية، كما رشحت روايته "سروال بلقيس" لنفس الجائزة. وفي العام 2014 نال جائزة الطيب صالح عن مسرحية بعنوان "حاتم الطائي المومياء"، في حين حاز في عام 2023 على جائزة أفضل رواية مقدسية من اتحاد كتاب فلسطين عن روايته "زهرة المدائن". وهو عضو في رابطة الكتّاب الأردنيين، واتحاد كتّاب مصر، ونادي القصة المصري، واتحاد الكتاب العرب في سورية.

 

*كيف تجلت المأساة الفلسطينية في كتاباتك؟

** أعتقد أن المأساة الفلسطينية في كتاباتي هي سيرة حياة شعب تعرّض لزلزال طويل الأمد، ما تزال مكوناته ترجُّ وتدمّر كيانه، وتباعًا، تهدم الوطن العربي تدريجيًا، وذلك منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم. ومنذ أن أصدرت روايتي الأولى "عذبة"، كانت الأحداث ت قطر مآسي وعذابات ودماً لأناس لا ذنب لهم، سوى أن ماكينة الحصاد الصهيونية الرأسمالية المتوحشة قد مرّت عليهم في بيوتهم، فحصدتهم هم وحجارة بيوتهم ومزارعهم في طريقها، التي لا تميّز ولا ترحم. ولا مساحة هنا لتفصيل تلك المعاناة المستمرة، وذلك بذكر فقرات من تلك المآسي، التي يكمن معظمها في ترهيب وقتل المواطنين الذين يعيشون آمنين في بيوتهم ومزارعهم وأعمالهم.

 

*هل كل ما كتب حول هذه المأساة قد عُبِّر عنها بما يكفي؟

** المأساة مستمرة منذ مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897 الذي اقترح إقامة دولة لليهود في أوغندا، ثم حوّلته بريطانيا بقدرة قادر إلى فلسطين، بكذبة كبرى مفادها أنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وكانت فلسطين غاصّة بشعبها وبيوتها ومزارعها ومصانعها. ولكن قوة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية جعلت بريطانيا تدعمها، وتهجّر اليهود للتخلص من شرورهم عبر باريس بالسفن إلى ميناءي يافا وحيفا. وقد قالت لي امرأة بريطانية كنت أنزل في بيتها سائحًا عام 2005 في بورتسموث، على الشاطئ الجنوبي لبريطانيا، إن زوجها كان يخدم في الجيش الإنجليزي في القدس ، وقد رفض إعطاء فلسطين لليهود- حسب قولها- وقال: "لماذا لا نأخذها نحن الإنجليز للسياحة والاستجمام، لتبقى محمية لنا، فهي أجمل بلاد العالم، إذ إنها دافئة معتدلة وخضراء، بدل الهند المتخلّفة والبعيدة". وأضافت أن زوجها قُتل ضمن من قتلتهم عصابات (إتسل + ليحي + الهاجانا) الصهيونية بقيادة مناحيم بيغن، بتفجيرهم لفندق داود عام 1946، والذي قتل فيه 92 ضابطًا وخادمًا إنجليزيًا. فقلت لها: وهل فلسطين قطيع مواشٍ تفضّلون استبقاءه لكم، بدل إعطائه لصهاينة اليهود؟ أليس لها شعب من حقه أن يعيش، كما تعيش بريطانيا وألمانيا وساحل العاج وجنوب أفريقيا وغيرها من الشعوب؟

إن المأساة الفلسطينية مستمرة منذ السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي كان يراوغ كاذبًا بقوله: "فلتُقطع يدي إذا وقّعت لليهود على شبر من فلسطين"، بينما استقبل هرتزل بحفاوة بالغة، ووصفه بالصديق المخلص، وهو يرجوه إنقاذ دولته من الإفلاس. ولهذا بنى هرتزل مفاوضاته على حاجة العثمانيين الملحّة للمال، وعرض على عبد الحميد 20 مليون جنيه إسترليني، مُنح على إثرها المهاجرون اليهود امتيازات وتسهيلات استثنائية. عندئذٍ عاد هرتزل لأوروبا وعقد المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا عام 1897، معلنًا أهدافه الصهيونية بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي برعاية عثمانية، وذلك ما أكده الأكاديمي اللبناني حسان علي حلاق في كتابه “موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية” وغيره من الأساتذة الباحثين.. من هناك بدأت المأساة الفلسطينية بين مراوغة الأشقاء الأعدقاء والحلفاء الغربيين الذين حصلوا على جائزة كبرى نتيجة نجاحهم في الحرب، وكانت الجائزة هي التخلص من يهود شايلوك الذين كانوا يمتصون أرباح المسيحيين بالربا، حيث إن المسيحية كانت ترفض الربا المسمى الفوائد البنكية، ولكن اليهود كانوا يتعاملون بها، فيمتصّون خيرات أوروبا وحتى الولايات المتحدة. فتخلصوا منهم بقذفهم إلى فلسطين، فانتشوا من هناك، ونشطوا ليغزوا العالم بدهائهم وأحابيلهم التي استغلت الإنسانية وقهرتها، ابتداءً من مأساة فلسطين، حيث قتلت شعبها بأسلحة الحلفاء، وشتّتت من لم يمت إلى الفيافي والقفار في أرجاء الوطن العربي ودول العالم، وبقيت تلاحق مخيمات الشتات بالقتل ومواصلة التهجير، بما يكمن في فحوى هذه الملاحقات القاتلة من مآسٍ ما يزال يكابدها الشعب الفلسطيني.

 

*أكثر رواية من رواياتك تعتبرها خير توثيق للمأساة الفلسطينية؟

** كل رواياتي مسكونة بالهمّ والرعب الفلسطيني، والظلم الذي يعانونه، تحت باب: "الجمل الذي يقع، تكثر سكاكينه". فروايتي "عذبة" تسرد المأساة الفلسطينية منذ ما قبل النكبة 48، وحتى ما بعد اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة. أما رواية "حرمتان ومحرم" فلقد سردت فيها حال شعب قطاع غزة الواقع تحت الاحتلال والحصار الخانق، "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة".. ويستمر هذا الحصار لنجد مدينة غزة الوحيدة تقاوم العالم المتصهين، مدافعة عن الكرامة العربية قبل الكرامة الإنسانية للعالم كله. وصورت في روايتي "سروال بلقيس" مجتمعًا فلسطينيًا يعيش بين البرتقال في حيفا والناصرة ويافا، وقد وجد نفسه مُجرَّفًا بالجرافات ومكوَّمًا في بقعة مهجورة تم تشكيلها على شكل مخيم، لنشاهد العذابات والرعب الذي يعيشه أهل المخيم بعد تهجيرهم المدمِّر. وأما روايتي "قاع البلد" فهي تصور شخصية الهربيد، الذي كان ينتفع من أغنام أبيه، في منطقة بيت لحم وشرقها، ويتثاقف مع مجتمع بيت لحم الراقي، فإذا به بعد احتلال 1967 يجد نفسه مُشردًا في منطقة أردنية جنوب عمان، حيث يشاهد أباه يغرق في قاع مائية رملية، أمام عينيه المُعذبتين، وهو لا يستطيع إنقاذه، وتستمر معاناته وعذاباته حتى يستطيع اختراق حدود نهر الأردن، والعودة بعملية فدائية مرعبة. وفي رواية "الإسكندرية 2050" سلطت الضوء على حياة الطالب مشهور شاهر الشهري الذي درس الهندسة في جامعة الإسكندرية، وعمل في الخليج، وخلف ولدًا اسمه برهان، استطاع هذا البرهان أن ينتج ولدًا وبنتًا لونهما أخضر، ويتغذيان بالتمثيل الضوئي كالأشجار، ليتحول الإنسان ومن ثم الحيوان إلى إنسان أخضر، فتنقى البيئة، وتتوقف الصراعات، وتقل الأعمال، ويتفرغ الإنسان للتمتع بالحياة وكأنه في خيالات الجنة، بينما يعود مشهور إلى وطنه الفلسطيني في عكا. ونجد أن باقي الروايات تتناول القضية الفلسطينية، كلٌّ في مسرب مختلف وبأسلوب مختلف.

 

*ما هي المطبات التي وقع فيها الروائيون في تناولهم للقضية الفلسطينية برأيك؟

** أكثر المطبات أن بعضهم غير مثقف ثقافة عالية، فنجده يجهل تفاصيل ما حصل لفلسطين، وبعضهم يتحدث من فم العدو، كأن يكتب أحدهم "أورشليم" وهي "أورسالم" باسم الملك الكنعاني سالم، وأن يكتب البعض أن إبراهيم سكن الخليل، بينما لا توجد أية أدلة تاريخية على هذه الإقامة، وهذا ما يورطنا حاليًا باحتلال مسجد الإبراهيمي في الخليل، وصولًا إلى الديانة الإبراهيمية، مع العلم أن "الدين عند الله الإسلام" وليست الإبراهيمية. وقد يعتمد البعض على الكتب الدينية التي لا تُعتمد مصدرًا للتاريخ، بل هي مجرد أساطير الأولين. وأن يكتب بعضهم عن داود وسليمان وموسى في القدس، بينما المؤرخ اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي قال في حوار مع غسان بن جدو على قناة الجزيرة، إن اليهود لم يدخلوا فلسطين في التاريخ، وإن تلك هي أساطير من مخيلة دهاقنة كتّاب يهود. وردًا على سؤال، قال إن نبوخذ نصّر قد فعل السبي الكبير من اليمن، وليس من فلسطين، وإنه إذا سبى نبوخذ نصّر جماعة من فلسطين، فهم من الكنعانيين المتمردين المعارضين للتوسع البابلي نحو بلاد الشام والبحر الكنعاني. وأن زاهي حواس، رئيس الآثار المصرية الشهير، قال: إن تاريخ مصر لا يوجد فيه خروج موسى من مصر وتوهانه في سيناء. ولهذا صارت كتب هؤلاء الكتّاب أو رواياتهم تصدر منقوصة، أو تزيد الجهل جهلًا، حتى إن بعضًا من الروائيين الذين تكالبوا على الجوائز كتبوا عن علاقات فلسطينية طيبة مع شخصيات صهيونية، بدل أن يكشفوا عن عيوب الشخصية الصهيونية المحتلة لفلسطين. وقد كان نص روايتي "صديقتي اليهودية" معاكسًا، إذ إنها صورت سلوك اليهود الفردي والثمانين هجرة لهم عبر التاريخ، وأوضحت بالوثائق، بمحاضرات وكتب أستاذ أمريكي محاضر، أن اليهود الذين يسمون أنفسهم بالساميين هم ليسوا من بلاد العرب، وإنما هم من "قبيلة سامي" السويدية النرويجية، والذين جاؤوا من شمال أوروبا، فكوّنوا مملكة الخزر على بحر قزوين، ثم دالت دولتهم، فانتشروا في أوروبا ثم الأندلس حيث عملوا على إضعاف العرب هناك، وبالتالي هزيمتهم شر هزيمة. ثم انتشروا في بلاد العرب كيهود أشكناز. وأما اليهود الساميون، فهم مثلنا، وقد بقوا في اليمن حتى يومنا هذا.

 

*إذا أردت أن تكتب رواية تصف ما جرى مؤخرًا في غزة، ماذا يمكن أن تسميها، وعلى ماذا تركز فيها بالدرجة الأولى؟

** أجدني أفكر في كتابة رواية تصف الأحداث المروِّعة في غزة والضفة الفلسطينية، هذا الدمار الذي لم يسبقه دمار في التاريخ، فلم يكن هتلر يقتل الناس المدنيين ويهدم عليهم بيوتهم وهم نيام، بل كان يحارب الجيوش بالجيوش. ولا أستطيع أن أوضح لك تقنيات هذه الرواية، التي أُفضل أن تبقى لحين صدور الرواية إذا صدرت، والتي أطالب فيها بعودة فلسطين إلى أهلها وورثتهم، من النهر إلى البحر.

 

*احتلت الروايةُ حيزاً كبيراً من إبداعك، فماذا يعنيك فيها بالدرجة الأولى؟

**أقدّم من خلال الرواية المتعة، لأن الرواية أولاً وأخيراً عمل ممتع، فيها لذة القصّ، وأنا عندما أكتب أطمح لأن يستمتع القارئ بما أكتبه، إلى جانب سعيي لتقديم المعرفة فيها، لأن كثيراً من الناس يجهلون وقائع كثيرة، فأحاول أن أضيء على الزوايا المعتمة التي لا يراها الناس العاديون، لأوضح لهم أن هناك مشكلة أو قضية عبر جماليات النص واللغة، لأنني أؤمن أن لغتنا أجمل لغة في العالم، وهي لغة فريدة من نوعها، ثرية وغنية ودقيقة، وهذا لا يتوفر في اللغات الأخرى.

*من أين اكتسبت المهارة الكبيرة التي تتمتع بها في قصّ الحكاية؟

**أنا قارئ نهم منذ طفولتي، وأقرأ بلا توقف وبتركيز عالٍ، وكنتُ من متابعي السينما والمسرح، وبذلك تشكّل عندي مخزون ثقافي كبير، والأهم أنني كنتُ في طفولتي شخصاً صامتاً لا يتكلم إلا قليلاً، وكانت الكتابة وسيلتي للتعبير.

 

*وما الذي جعلك تشبّه الروائي بزرقاء اليمامة؟

**زرقاء اليمامة كانت ترى المستقبل، ومن هنا أرى أن الروائي يجب أن يكون كزرقاء اليمامة بعيد النظر، وفي روايتي "الإسكندرية 2050" نظرتُ إلى البعيد وتحدثت عن الحياة عام 2050 كنوع من استشراف المستقبل.. الروائي يجب أن يفكر بالمستقبل ويقرأ الواقع، ويجب أن يكون مثقفاً، وأن يمتلك معرفة ليوظفها في كتاباته، ويجب ألا يكون تابعاً لأحد، وأن ينطق بلسانه لا بلسان أحد، وهذا يعني أن الكاتب يجب أن يكون حراً وغير مقيّد.

 

*كيف تنظر للكاتب المأجور؟

**الكثير من الكتّاب يكتبون لمن يدفع لهم أكثر، وهؤلاء ليسوا كتّاباً بل مرتزقة، وأحتقر كلّ كاتب ليس لديه موقف وقضية، ويكتب لمن يدفع له أكثر.. الكاتب الحقيقي يجب أن ينطق بمشاعره، وأن يكون له مبدأ أو قضية أو وجهة نظر، لأنه عندما تكون له قضية يسير حسب بوصلة توجهه إلى الهدف المنشود.

 

*تميل في كتاباتك إلى الرواية التاريخية، فما الذي يغريك فيها؟

**اعتدتُ على قراءة كتب التاريخ، وأرى أنني أضيف عمراً إلى عمري حين أغوص فيها، ومَن يكتب رواية تاريخية يحتاج إلى بذل المزيد من الجهد، وإلى التدقيق والبحث والدراسة للتأكد من صحة ما تتضمنه هذه الكتب، فالأمر لا يخلو من تزوير الحقائق فيها في بعض الأحيان.

 

*ما الطريقة التي تتعامل فيها مع التاريخ بحيث لا يطغى على الأدب الذي تكتبه؟

**أؤمن أن الرواية أصدق أنباءً من المؤرخين، لأن معظم المؤرخين يكتبون ما يريده الأقوياء، ويجب أن نعرف أن بعض المؤرخين زوّروا الأحداث، ولا أنكر أن الروائي قد يفعل ذلك أيضاً، إلا أنني أؤكد أنني أكتب الحقيقة في كتبي، وبقناعتي أن المؤرخين ليسوا صادقين، والروائي يكتب بحرية أكثر منهم، ويؤرخ بشكل أفضل.

 

*تحدث كثيرون عن السخرية في كتاباتك، فهل أنت كاتب ساخر؟

**قد يكون أسلوبي في بعض الأحيان ساخراً، لكن يحدث هذا دون أن أقصد، فأنا بطبعي أمزج المرح مع الترح، وبالتالي لا أتقصد السخرية وإنما يأتي الأمر بشكل طبيعي، وأنا لا أخطّط لذلك.

*مسيرة غنية بالرواية والمسرح والقصة، فما سبب هذا التنوع؟ وهل هو نوع من التشتت؟

**المسرح هو أبو الفنون، والرواية أم الفنون، ففيها نجد الشعرَ والقصةَ والحكاية والموسيقى والفكر، وأؤكد أن هذا التنوع ليس نوعاً من التشتت، لأن ما أكتبه يكمل بعضه بعضاً.

 

*بمن تأثرتَ على صعيد المسرح علماً أن لك نصوصاً عديدة في هذا المجال؟

**تأثرتُ بالمسرحيات الإغريقية لسوفوكليس ويوريبيدس وأرسطوفان، ومعظم مسرحيات شكسبير، والفرنسي موليير، وجان راسين، وآرثر ميللر، إضافة إلى المسرح العربي ابتداءً من مسرح القباني، والكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس، بالإضافة إلى الكتّاب العرب كاتب ياسين، وتوفيق الحكيم، ومحمود دياب، ونعمان عاشور، وغيرهم. وللأسف توقفتُ عن الكتابة للمسرح حين أُطفئت أنواره في الوطن العربي.. المسرح يعاني الكثير في الوطن العربي، وقد نجح التلفزيون في استقطاب جمهوره.

 

*وهل كتبتَ الشعرَ كما فعل معظم الكتّاب؟

**بدأتُ بكتابة الشعر من خلال كتابة عدة قصائد، وحين عرضتُ هذه القصائد على أحد الأصدقاء نصحني بترك الشعر والالتفات إلى دراستي، فتوقفتُ عن كتابة الشعر واستمررتُ بالقراءة، وكنتُ كثيراً ما أنجز كتاباً في اليوم، وعندما جئتُ من فلسطين إلى الأردن كان لديّ جوع للقراءة، فالتهمتُ كل ما كان يقع بين يدي من كتب.

 

*رأيك بموضوع الجوائز التي تُمنَح للكتّاب والمنتشرة في الوطن العربي؟

**الجائزة لا تُعتبَر معياراً للحكم على جودة عمل الروائي، وقد قال أحد النقاد إنهم ذاهبون لمنح جائزة هذه الدورة إلى فلان قبل قراءة النصوص، وهذا مؤسف حقاً، فالعديد من المبدعين الرائعين لم يحصلوا على جوائز.. صحيح أن هناك تهافتاً من قبل معظم الكتّاب للحصول على جوائز مالية، لكن الأهم من قيمة الجوائز المالية هو الحصول على مزيد من القراء لجعل أعين النقاد تتجه صوب أعمالهم، وحتى تنال قسطاً من الشهرة ويزداد الاهتمام بها بسبب حصولها على الجائزة، وهذا يدل على الركود الذي يغرق فيه مجال النقد، فبعض النقاد حالياً ليس لهم الوقت ولا القدرة على النبش والبحث عن الأعمال الجيدة الجديدة ودراستها، لهذا فهم ينتظرون نتيجة جائزة ليتهافتوا على نقد العمل الفائز بها.

 

*ولكنك نلتَ جائزة الطيب صالح عام 2014، فبماذا تختلف هذه الجائزة عما ذكرتَه؟

**نلتُ هذه الجائزة من شعب عظيم، ودون ذلك لم أحاول أن أشارك في الجوائز الأخرى التي يتم الإعلان عنها، مع قناعتي أن الكاتب يجب أن يكتب ما يريده هو، وليس من أجل الحصول على الجائزة، وأنا لا أكتب حسب الطلب، بل أكتب للناس البسطاء، ومتطلباتي قليلة، ولستُ بحاجة لهذه الجائزة، فأنا بحاجة لأن أكتب بحريةٍ لأفرغ ما في جعبتي، وأكتب وأبدع ليس من أجل الجوائز، وليس لدي ميل لتقليد الآخرين، بل لأقدّم بصمتي الخاصة، لذلك يسعدني من يقول إنه يعرف كتابتي بمجرد قراءة النص حتى لو لم يكن اسمي مذكوراً عليه، وهذا ما أريده.

 

*كيف تفسر غياب النقد الحقيقي عن الساحة الإبداعية؟

**النقد يحتاج إلى ناقد موسوعي، والناقد الأصيل يتوقف عن الكتابة لأنه لا يحصل على المقابل، وبالتالي فهو يريد أن يعيش، وهذا يجعله يبحث عن مصدر رزق آخر، وأصبح الناقد في حالة يُرثى لها، وبقي المرتزقة في الساحة، ولذلك لم ينصفني النقد ويتجاهلني رغم العدد الكبير من رواياتي وقصصي ومسرحياتي.

 

*زرعتَ كمهندس زراعي أكثر من مليون شجرة في الأردن، وملايين الشجيرات والحوليات. وكعضو في الجمعية الأمريكية لمهندسي الحدائق، من هنا أسألك: ماذا قدّم عملك للأدب الذي تكتبه؟

**هناك تصور لدى العامة أن كل من يكتب في الأدب يجب أن يكون دارساً أكاديمياً للأدب، وأنا أرى أن العيش وسط الزرع والورود والأزهار هو أقرب للإيحاء بالكتابة والإبداع من غيره، فالكتّاب القدامى مالوا إلى الإبداع لأنهم تأملوا الطبيعة واستنطقوها، إذ إن عالم الزراعة هو الأكثر انفتاحاً من المهن الأخرى التي تُمارَس بين أربعة جدران، فهي تتم في الهواء الطلق.. ومن هنا، لا حدود لخيال الكاتب الذي يعيش وسط الطبيعة.

من مواليد أم الزينات/ حيفا/ 1948، خريج جامعة الإسكندرية 1970، من رواياته: "الحب في زمن العولمة"، "قصة عشق كنعانية"، "على باب الهوى"، "سروال بلقيس" وغيرها، في رصيده أكثر من عشر مجموعات قصصية والعديد من المسرحيات، وأصدر عدد كبير من الباحثين كتبًا نقدية عن كتبه.