Menu

من رماد هاييتي إلى جمر غزّة: الحرّية التي يخشاها العالم

مروان عبد العال

جريدة الـأخبار اللبنانية

دخلنا زمن السموترتشية؛ حيث تتحوّل الفاشية الدينية من فردٍ إلى عقيدة، ومن خطابٍ إلى عرباتٍ تندفع عبر التاريخ. عربات مشبعة بالأساطير وبدم الضحايا، تعلن أن الحرية ليست قدراً بل جريمة، وأن الفلسطيني ليس إنساناً بل فائض يجب محوه. ومن رماد العبودية التي فجّرت ثورة هاييتي، إلى جمر غزة التي لم يحتملها العالم، يتكرّر السؤال الذي لم يجد العالم جواباً له بعد: أي حرية هذه التي تُمنح للبعض وتُسلب من آخرين؟ وأي إنسانية هذه التي ترى في الضحية خطيئة يجب محوها؟

الاستعمار لا يكتفي بإقناعك أنك عبد، بل يقنعك أنك لست أهلاً لأن تكون حراً، كما يقول فرانز فانون. أمّا في الحالة الصهيونية الاستئصالية، حيث تتحوّل فلسفة الاستعمار إلى فلسفة تطهير ومحو وإبادة، فأنت لست غير جدير بالحرية فقط، بل غير جدير بالحياة ذاتها.
لذلك غزة تُقتل مرات عديدة، كأنها الجسد الذي لا يكتفي الغازي بقتله مرة واحدة، بل يعود ليمزّقه مراراً، مثل كاوبوي متوحّش يفرغ رصاصاته في الجسد المُلقى أرضاً ليتأكد من محوه. تتقدّم العربات كما لو أنها خارج الزمن، تجرّ وراءها غبار الأساطير وتلمع كأنياب الحديد.

في سفر الاستعمار القديم، كانت العربات علامة السلطة والرهبة، أمّا اليوم فهي الوجه الميكانيكي نفسه الذي يدهس المدن والقرى ويحوّل الأجساد إلى غبار. عربات جدعون لم تختفِ، بل استعادت شكلها في دبابات حديثة، تكرّر المشهد نفسه: الإلهام من نصوص قديمة، والتنفيذ بأدوات إبادة معاصرة.

ما تغيّر ليس جوهر العربة بل اتساع وظيفتها؛ فهي لم تعد فقط أداة حرب، بل أضحت رمزاً لفلسفة الاستئصال التي تُصرّ على أن الحرية لا تُمنح، وأن الحياة نفسها قابلة للمصادرة. البيوت تُهدَم وتُبنى ثم تُهدَم من جديد، الشوارع تُمسَح من الخرائط لتعود أشباحاً، والأحياء تُحاصَر كما لو أنّ الزمن نفسه صار دائرة مغلقة من الدمار.

تعلن عن رغبة استعمارية عميقة في قتل المدينة لا كجغرافيا فحسب، بل كذاكرة ومعنى ووجود. وفي كل مرة تنهض غزة من تحت الركام، يكتشف القاتل أن الجسد الذي أراد قتله لا يزال يتنفّس.

من هذا الجرح المفتوح، ومن هذه العودة الدائمة للموت، تُطلّ غزة اليوم كتجسيد حيّ لمفارقة حقوق الإنسان. فالغرب الذي يرفع رايات الحرية والمساواة يتواطأ مع تدمير مدينة كاملة وإعادة قتلها مرة بعد أخرى، كما تواطأ من قبل على إبادة العبيد الذين انتفضوا في سان دومينغ. ومن رماد هاييتي إلى جمر غزة، يظلّ السؤال واحداً: هل الحرية حقّ للجميع، أم امتياز يُمنَح للبعض ويُحجَب عن آخرين؟

حين بشّر فلاسفة الأنوار بحقوق الإنسان بوصفها حقوقاً طبيعية وكونية، بدا وكأن الإنسانية تفتح صفحة جديدة من تاريخها. وحين رفعت الثورة الفرنسية شعارها الثلاثي الشهير: «حرية، مساواة، إخاء»، ظن كثيرون أنّ البشرية قد تجاوزت عصور التمييز والعبودية. لكنّ التجربة التاريخية سرعان ما كشفت أن هذه الكونية لم تكن سوى خطاب يخص المركز الأوروبي ويستثني الأطراف. فالحرية التي تغنّى بها فولتير وروسو لم تشمل العبيد الأفارقة في الكاريبي، ولا الشعوب المستعمَرة في آسيا وأفريقيا، ولا السكان الأصليين في الأميركَتين. لقد كان الخطاب كونياً في اللغة، لكنّه إمبريالي في الممارسة.

واليوم، يتكرر التناقض في فلسطين. كيف يمكن لمن ينادي صباحَ مساءَ بالاعتراف بدولة فلسطينية أن يسمح في الوقت نفسه بتدمير مدنها وعزل قراها وتشتيت شعبها؟ أيّ دولة يمكن أن تقوم فوق رماد الحرائق وأنقاض البيوت المهدّمة، وأي معنى للاعتراف مع التطهير العرقي وحين يتحوّل أبناء الشعب إلى لاجئين جدد خارج وداخل وطنهم؟ إنّ الاعتراف في هذا السياق يبدو ورقة فارغة، غطاءً لسياسة إبادة صامتة تُشرعن بالحديث عن «حل الدولتين» بينما تُمحى ملامح الأرض التي يُفترض أن تقوم عليها الدولة. الاعتراف بلا حماية، بلا وقف للقتل، بلا عدالة، ليس سوى مشاركة في الجريمة وتشجيع للمجرم.
هاييتي كانت أول من كشف زيف هذا الخطاب. ففي أواخر القرن الثامن عشر، كانت سان دومينغ أغنى مستعمرة فرنسية وأحد أهم مصادر السكر في أوروبا، لكنّ ثراءها الفاحش كان يقوم على عرق ودماء نصف مليون عبد أفريقي يعيشون في ظروف أشبه بآلة طحن بشرية. في عام 1791، اندلعت انتفاضة العبيد، حدث لم يتصوره العقل الأوروبي الذي اعتبر السود غير قادرين على التفكير والتنظيم. ومع ذلك، وبقيادة شخصيات مثل توسان لوفرتور، تحوّلت الانتفاضة إلى ثورة عسكرية واجتماعية هزمت جيوش فرنسا وإسبانيا وبريطانيا معاً، وأفضت عام 1804 إلى إعلان أول جمهورية سوداء في العالم وإلى إلغاء العبودية بقوة السلاح لا بقرار صادر من فوق.

هكذا نقل الهاييتيون شعارات الثورة الفرنسية من حيز الخطاب إلى حيز الممارسة. قالوا ببساطة: إذا كانت الحرية حقاً كونياً، فهي تشملنا نحن أيضاً. بذلك دشّنوا تصوراً جديداً للحرية، لا بوصفها منحة من نخبة متنورة، بل كحق يُنتزع بالفعل. غير أن القوى الاستعمارية لم تتسامح مع هذا الانقلاب. فقد فرضت فرنسا على هاييتي «تعويضات» هائلة مقابل الاعتراف باستقلالها، فيما فرضت الولايات المتحدة وأوروبا حصاراً سياسياً واقتصادياً طويلاً، كعقاب جماعي ورسالة ردع لبقية العبيد في العالم: مَن يجرؤ على انتزاع حريته سيدفع ثمناً باهظاً.

لكنّ هذا المثال الهاييتي لم يختفِ، بل ظلّ يطارد الضمير الغربي والفكر الفلسفي. وصف المؤرخ ميشيل رولف ترويو ثورة هاييتي بأنها «حدث غير قابل للتفكير» في المخيال الغربي، لأنها نسفت التسلسل الهرمي الذي وضع الأبيض سيداً والأسود تابعاً. أمّا سوزان باك-مورْس فقد ربطت بين الثورة الهاييتية وجدل السيد والعبد لدى هيغل، حيث يتضح أن الحرية ليست فكرة مجردة، بل ممارسة تخرج من صراع دموي بين مستبِد ومستعبَد.

اليوم، بعد أكثر من قرنين، يعود التناقض نفسه في غزة. منذ أكثر من سبعة عشر عاماً يخضع مليونا إنسان لحصار شامل يمنع عنهم أبسط مقوّمات الحياة. الحروب المتكررة، وآخرها الحرب الإبادية التي اندلعت عام 2023، حوّلت غزة إلى مختبر حديث لانتهاك القانون الدولي بأبشع صوره: قصف للمستشفيات والمدارس، تجويع ممنهج، وحرمان من الماء والدواء والكهرباء. وبينما يرفع الغرب راية حقوق الإنسان عالياً في خطابه، يغضّ الطرف عن هذه الكارثة بل ويشارك في تغذيتها بالسلاح والغطاء السياسي.

لكنّ المفارقة هي أن غزة، مثل هاييتي من قبلها، تكتب كونية بديلة. فهي تذكّر العالم بأن المحاصر الفلسطيني ليس مجرد «قضية إنسانية» بل إنسان كامل الكرامة، وأن الكونية الحقيقية لا تصاغ في مراكز القوة، بل تولد من مقاومة المستعبدين.
إنّ ما يربط هاييتي بغزة هو خط واحد ممتدّ: فضح التناقض بين خطاب الحرية وممارسة الإقصاء. العبيد السود الذين وُضعوا خارج تعريف «الإنسان» هم الذين أجبروا العالم على الاعتراف بإنسانيتهم. والفلسطينيون الذين يراد لهم أن يكونوا خارج التاريخ يفرضون حضورهم على ضمير العالم بصمودهم. ففي الحالتين، لم تتوسّع الإنسانية إلا بفضل مَن اعتُبروا غير جديرين بها.

الثقافة هنا تلعب دوراً أساسياً. الثورة الهاييتية لم تعش فقط في كتب التاريخ، بل في الأدب الكاريبي لدى إيمي سيزار وآخرين، الذين جعلوا منها رمزاً لتحرر السود والهوامش. والفلسطينيون بدورهم صاغوا عبر محمود درويش و غسان كنفاني وغيرهما ذاكرة شعرية وسردية حول غزة وفلسطين، لتصبح المأساة جزءاً من وجدان العالم، لا مجرد خبر سياسي عابر. إنّ الأدب والفن يحوّلان الجرح إلى شهادة، ويمنحان الضحايا صوتاً يتجاوز الصمت المفروض عليهم.

من هنا، فإنّ كونية حقوق الإنسان ليست منجزاً مكتملاً، بل ساحة صراع دائمة. هناك كونية من فوق، تصوغها المراكز الإمبريالية لتبرير هيمنتها، وهناك كونية من تحت، تولد من معارك الشعوب المستعبدة لتأكيد حقها في الوجود. الأولى تحكمها لغة المؤسسات، أما الثانية فيُكتب تاريخها بالدم والذاكرة والصمود.

الدرس الذي يربط هاييتي بغزة هو أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع. وحقوق الإنسان لا تكون كونية إلا إذا شملت الجميع بلا استثناء. لهذا فإن الكونية الحقيقية ليست ما يُكتب في بيانات المنظمات والمؤتمرات الدولية، بل ما يفرضه المستعبدون على التاريخ. وكما أجبرت هاييتي العالم على الاعتراف بإنسانية العبد الأسود، ستجبر غزة العالم على الاعتراف بإنسانية الفلسطيني المقهور. الحرية إمّا أن تكون للجميع أو لا تكون حرية على الإطلاق.