Menu

تحليلمحاوله اغتيال في الدوحة، القمة الطارئة، وغدر إدارة ترامب بحليفها العربي

جمال كنج

شهدت العاصمة ال قطر ية، الأسبوع الماضي، محاولة اغتيال فاشلة استهدفت الوفد الفلسطيني المفاوض، في حادثة تثير تساؤلات جوهرية تتجاوز مجرد تفاصيلها الأمنية. فهي تتقاطع مع ثلاث قضايا محورية: تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف، فشل أو تجاهل متعمد لمنظومة الدفاع الجوي بقيادة الولايات المتحدة، ووضع قطر الحرج كدولة مضيفة لقاعدة عسكرية أمريكية كبيره ووسيط في مفاوضات وقف إطلاق النار.

سأكتب لاحقًا تحليلًا مفصلًا حول دور الذكاء الاصطناعي في استهداف المدنيين، لكن ما يعنينا هنا هو أن الهجوم على الدوحة لم يكن معزولًا عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالسماء القطرية تخضع لرقابة دائمة من قاعدة العديد الجوية الأمريكية، أكبر منشأة عسكرية لواشنطن في الشرق الأوسط، ومقر القيادة المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية (USCENTCOM) المشرفة على العمليات في المنطقة.

وبموجب المنظومة الدفاعية المتكاملة (IAMD)، المموله من دول الخليج، لا يُفترض أن يخترق أي جسم المجال الجوي القطري قبل رصده حتى من خارج هذه المنظومة التي تتضمن دول مجلس التعاون الخليجي، قطر والسعودية و البحرين والإمارات وتمتد إلى الأردن، والتي تراقب مباشرة بشبكة القيادة والسيطرة الأمريكية التي تُدار من قاعدة العديد في قطر.

ورغم ذلك، عبرت طائرات صهيونية أكثر من ألفي كيلومتر لتخترق الأجواء القطرية وتنفذ غارتها دون أي إنذار أو تفعيل لنظام الدفاع الجوي (IAMD). هنا يطرح السؤال لماذا؟ هل كان ذلك بقرار متعمد من القوات الأمريكية في قطر؟ أم أن المنظومة الدفاعية فشلت في أداء وظيفتها؟ وفي الحالتين، تبرز مسؤولية واشنطن عن هذا الخلل الخطير.

الاحتمال الأول يعني أن الجيش الأمريكي كان على علم بالطائرات الصهيونية واختار التغاضي عنها، وهو قرار لا يُتخذ إلا بموافقة من أعلى المستويات في واشنطن. وبذلك يصبح السماح بالاختراق بمثابة تفويض رسمي للهجوم، وتضحية بسيادة قطر وسلامة المفاوض الفلسطيني.

أما الاحتمال الثاني فيكشف عن ثغرة أخطر: فشل المنظومة الدفاعية في رصد الطائرات المعادية، ما يضع مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية بأكملها على المحك. كيف يمكن لأكبر قاعدة أمريكية في المنطقة أن تعجز عن اكتشاف طائرات أجنبية حتى في محيط القاعده نفسها؟

بالنسبة لقطر، الرسالة واضحة: رغم استضافتها لأكثر من عشرة آلاف جندي أمريكي وإنفاقها مليارات الدولارات لدعم القاعدة، لم تُحمَ سماؤها. بل بدا وكأن وجود القاعدة وُظف لخدمة مصالح حلفاء واشنطن الآخرين على حساب الدولة المضيفة.

وهنا يبرز السؤال الصارخ: إذا كانت منظومة IAMD لا تحمي الدوحة، فلمن تقدم الحماية؟ الجواب واضح: لدولة الكيان.

فقد فُعِّلت هذا المنظومة الدفاعيه، والممولة من دول الخليج، مرتين فقط، وكلتاهما لحماية هذا الكيان الذي لم يكن أصلًا طرفًا في المنظومة: الأولى لصد الرد الإيراني على اعتداءاته في أبريل 2024، والثانية لمواجهة الصواريخ الإيرانية التي استهدفت قاعدة العديد عقب الهجوم الصهيوني-الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية.

إن الغارة الصهيونية على الدوحة كشفت هشاشة المظلة الأمنية الأمريكية، بل وتواطؤها. وبدلًا من الاعتراف بالفشل، اكتفى الرئيس ترامب بوعود جوفاء بأن “هذا لن يتكرر”، متجاهلًا السؤال الأهم: لماذا صمتت القاعدة الأمريكية بينما كانت طائرات صهيونية – أمريكية الصنع – تقصف منطقة سكنية على بعد أمتار في الدوحة؟

جاء الرد الأمريكي أكثر وضوحًا في 11 سبتمبر 2025، حين منعت إدارة ترامب مجلس الأمن من التصويت على قرار يدين الهجوم، مكتفية ببيان صحفي روتيني لا يتضمن أي إلزام ولم يتتطلب تصويتا رسميا وإصدار قرار بحمل  أي وزن قانوني في مؤسسات الأمم المتحدة. ورغم ذلك، حاول الإعلام القطري تصوير هذا البيان كـ “انتصار دبلوماسي”. القول بان البيان كان “قرار” أممياً ما هو إلا محاولة متعمدة لحماية إدارة ترامب من الإحراج في حال التصويت الرسمي، و لإخفاء دعمها الضمني للهجوم الصهيوني.

إن هذه الحادثة توجه رسالة صارخة لدول المنطقة: ما جدوى التحالف العسكري مع الولايات المتحدة إذا كانت واشنطن تختار متى تفعل الدفاعات الجوية ومتى تتجاهل العدوان؟ الواقع أن أمريكا فضلت مصالح الكيان الذي حصل على 17.9 مليار دولار خلال عامين، على حساب قطر التي أنفقت 10 مليارات دولار على القاعدة.

ويبقى السؤال: من ستكون الدولة التالية التي ستضحي واشنطن بسيادتها إرضاءً لحليف آخر؟ هذا هو جوهر الخطر في تحالفات غير متكافئة كهذه، حيث تُترك الدول المضيفة مكشوفة بمجرد أن ترجح واشنطن كفة طرف آخر.

فهل ستمتلك القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة الجرأة لمواجهة هذا الواقع الجديد؟ أم أنها ستتهاون وتكتفي بفصل جديد من مسرحية البيانات الفارغة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع، مانحةً بذلك ل ترامب فرصة أخرى للغدر بحلفائه العرب؟