بوقاحة ودمٍ بارد، خرج وزير حرب دولة الكيان، إسرائيل كاتس، ليعلن: « غزة تحترق». لم تكن هذه العباره تقريراً عسكرياً ولا توصيفاً لساحة صراع، بل نشوةً ساديةً صريحة، احتفالاً بالمحرقة وهو يشاهد مليون إنسان يُدفعون إلى أتون النار. ثلاث كلمات تلخص عقيدة الكيان منذ 1948: مشروع قائم على الإبادة، وكيان بُني من رماد البيوت الفلسطينية وجماجم أطفال فلسطين.
ما يقوله كاتس اليوم ليس إلا صدى لماضي الكيان من دير ياسين إلى اللد. الحرق هو اللغة الوحيدة التي يفهمها: إحراق القرى عام 1948، إحراق البيوت في الضفة، والآن تسوية غزة بالأرض. كل مرة يغلفون جريمتهم بكذبة «الأمن»، وكل مرة تنكشف حقيقتهم: سياسة منظمة لمحو شعب بأكمله.
نتنياهو، الغارق في قضايا الفساد والمسنود بوزراء عنصريين، يهرب من سقوطه السياسي بالدمار. يمدد الحرب، يبدل شعاراته، لكنه يظل يبيع الوهم ذاته: «النصر الكامل». بررها لاجتياح رفح عام 2024 وفشل، وقالها في غزة عام 2025، وسيرددها كلما احتاج إلى دفعة جديدة من الدماء ليبقى في السلطة. بالنسبة له، الإبادة ليست خياراً عسكرياً، بل طوق نجاة شخصي.
إنه يعلم أن إيقاف الحرب يعني نهايته السياسية. لذلك يواصل إضرام النار، يلهث وراء سراب «النصر»، بينما الأرض تحترق من تحته. غزة بالنسبة له ليست مدينة، بل رهينة يذبحها لتجنب ساعه الحقيقة و محاكم الفساد.
«غزة تحترق» ليست مجرد وصف، بل مبدأ. النار عند الصهيونية ليست أداة، بل هوية: تطهير، استئصال، إبادة. ما قاله كاتس ليس زلة لسان؛ إنها العقيدة: قتل الفلسطيني لا يكفي، يجب محو بيته، مدينته، ذاكرته، حتى لا يبقى ما يعود إليه.
كما لم يكن إحراق القرى الفلسطينية عام 1948 «أضراراً جانبية»، كذلك حرق غزة اليوم ليس نتيجة حرب، بل جوهر الحرب نفسها.
الإبادة الجماعية في غزة عرّت دولة الكيان أمام العالم. لم يعد بوسعهم الاحتماء بكذبة «معاداة السامية». الأدلة أوضح من أن تُطمس: الجمعية الدولية لعلماء الإبادة الجماعية والأمم المتحدة أعلنتا بوضوح أن ما يجري إبادة جماعية مكتملة الأركان. الأمين العام للأمم المتحدة وصف ما يحدث بأنه «غير مقبول أخلاقياً وسياسياً وقانونياً»، والاتحاد الأوروبي نفسه بدأ يتحدث عن تجميد امتيازات تجارية.
لقد احترق القناع. لم يعد بالإمكان تغطية جثة الحقيقة بعباءة الضحية. صورة دولةٍ تتباهى بحرق غزة بينما الجثث ما زالت تحت الركام، فضحت كل أساطير «الديمقراطية» و«التحضر» التي تسوّقها.
من يظن أن النار تطفئ المقاومة فهو واهم. النار تصهر المعادن لتصبح أصلب، وكذلك تصهر الشعوب لتصبح أعند. غزة التي يحاولون دفنها ستعود أشد بأساً. أيتامها سيكبرون، مهجروها سيعودون، ولن ينسوا. الفلسطيني، ليس كالصهيوني، لا يترك وطنه ليسلب وطن غيره، الفلسطيني كالجذر العميق الذي مهما أحرقوه يبقى قادراً على الإنبات من جديد.
«غزة تحترق»، عبارة ستبقى لعنة على جبين الكيان وعلى ضمير العالم. من أنقاض 1948، إلى مجازر صبرا وشاتيلا 1982، إلى أنقاض غزة 2025—النكبة ليست ذكرى؛ إنها حاضر يتجدد جيلاً بعد جيل.
لكن هذه المرة، ما يحترق ليس غزة وحدها، بل القناع الأخلاقي لدولة الكيان، ومعه أسطورة «الحضارة الغربية» التي تتشدق بحقوق الإنسان بينما تشارك في تغطية الإبادة.
أما نتنياهو، فـ«نصره الكامل» ليس سوى استمرار لحرق غزة حجراً حجراً، بينما يترك لعصابات المستوطنين مهمة حرق أشجار الزيتون وترهيب القرى في الضفة.
نتنياهو لا يخسر بقتل الفلسطينيين، بل يخسر فقط إذا توقف عن تغذية ماكينة الكراهية الصهيونية. إنها النار التي تمنحه دور سياسي، لكنها النار ذاتها التي ستحرقه و تحرق المشروع الصهيوني في النهاية.

