Menu

القاموس اللغوي للإبادة الجماعية تحليل اجتماعي- سياسي للخطاب الغربي

أنمار رفيدي / وسام رفيدي

(مجلة الجنوب/ العدد الأول – صيف 2025- المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية 14 تموز 2025)- نشرت في الهدف العددين (73) (74)

تتناول هذه الدراسة الخطاب الغربي فيما يتعلَّق بالحرب على قطاع غزة، إذ إنه يستخدم قاموساً لغوياً تتمثَّل أبرز صياغاته في: "حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها،" و"لا لوقف إطلاق النار،" و"ضمان إدخال المساعدات الإنسانية،" و"حماية المدنيين." فما يبدو تناقضاً فيه (بين "المعونات الإنسانية وحماية المدنيين،" و"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" و"لا لوقف إطلاق النار") هو تناقض شكلي صيغ بهدف التمويه بغية استمرار الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني. وقد اعتمدت الدراسة "منهج" ميشيل فوكو في تحليل الخطاب بغية كشف المعنى المضمَّن في هذا الخطاب، وبالتالي إثبات وقوفه دون لَبس مع الإبادة الجماعية. إن هذا مؤشر على عمق التلاقح الأيديولوجي بين مشروع "الرجل الأبيض الغربي" في العالم و"المشروع الصهيوني في فلسطين" في صيغة سافرة غير مسبوقة، حيث يعكس انحياز الدول الغربية إلى الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، ومشاركة بعضها في الإبادة فعلياً، كأمريكا وبريطانيا وألمانيا، الجذر العنصري المشترك بين الرجل الأبيض الأوروبي الاستعماري والرجل الأبيض الاستعماري الصهيوني الأشكنازي، والذي لا يمكن تمويهه بخطاب مخادع حول "المعونات الإنسانية" و"حماية المدنيين."

مقدمة

في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2023، أعلن وزير الحرب الصهيوني يوآف غالانت فرض الحصار الشامل على قطاع غزة واصفاً سكانه بـ "الحيوانات البشرية."[1] أما في العام 2022، فقد وصف جوزيف بوريل، ممثل الاتحاد الأوروبي، أوروبا بـ"الحديقة"، مقابل وصف بقية العام بـ"الأدغال"، حيث قال إن "الأدغال يمكن أن تغزو الحديقة، وعلى البستانيين أن يتولوا أمرها [...] على البستانيين أن يذهبوا إلى الأدغال، على الأوروبيين أن يكونوا أكثر انخراطاً مع بقية العالم، وإلا فإن بقية العالم سوف تغزو أوروبا."[2] وفيما بعد، لم ينفعه التبرير حين قال "البعض أساء تفسير الاستعارة على أنها "مركزية أوروبية استعمارية."[3] لا تتفق هذه الدراسة معه ولا تسيء فهمه، بل ترى في مقولته تعبيراً حقيقياً عن الأيديولوجيا الأوروبية في تعاطيها مع العالم غير الأوروبي، وفي الحالة قيد الدراسة مع فلسطين، ومع "إسرائيل" بوصفها مشروع "الرجل الأوروبي الأبيض،" إذ يأتي غالانت وبوريل من جذر واحد، وهو العنصرية الأوروبية البيضاء.

تلاحظ هذه الدراسة العلاقة بين المشروع الصهيوني، كمشروع استعماري استيطاني، والمشروع الاستيطاني الأوروبي، الذي كانت إبادة السكان الأصليين أداته التنفيذية. وهي علاقة تأكَّدت باعتبار الوليد الصهيوني من العرق الأبيض ذاته، ويحمل السمات الأيديولوجية ذاتها، وحتى الثيمات ذاتها.

في هذا السياق، تُظهر قراءة تاريخ الاستعمار الصهيوني الحضور الدائم والنشط للدول الاستعمارية الداعمة لتحقُّق المشروع الصهيوني. ففي كتابه حول الإبادة الجماعية في فلسطين، يسرد إيلان بابيه حضور هذه الدول في وقائع "اليوم الأول" حيث "غادر البريطان يوم الخامس عشر من أيار من العام 1948، وأعلنت الوكالة اليهودية فوراً قيام الدولة اليهودية في فلسطين، باعتراف من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي."[4] وقبل ذلك فإن كل وقائع العلاقة بين المستعمرين البريطانيين والحركة الصهيونية واضحة في خدمتهم لمشروع إقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين." [5] في السياق ذاته، يحلل إدوارد سعيد جوانب مهمة لتصريح بلفور، تدلل على أن التصريح صدر عن قوة أوروبية، حول أرض غير أوروبية، دون الأخذ بالاعتبار وجود السكان الأصليين أو رغباتهم، حيث "وعدت" هذه القوة الأرض ذاتها لمجموعة أجنبية لكي تستطيع هذه المجموعة جعل هذه الأرض "وطناً قومياً لليهود."[6]

أما بالنسبة للمؤسسات الدولية وقراراتها وموقف الكيان الصهيوني منها، فقد اتخذت مجموعة من القرارات بحق فلسطين لم ينفِّذ الكيان أياً منها. ولو فحصنا مثلاً النص والخطاب، بالمفهوم الفوكوي لهما في القرارات الدولية، يمكن ملاحظة كونهما أداة حاسمة لفهم العلاقة بين المحكي والـمُنتج في إطار علاقات القوة. وحتى اللحظة، تساهم القرارات الدولية في "تغذية الصراع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة."[7] فقرار 242 يعتبر الحالة المثلى للتحليل لما هو مكتوب وللصياغات اللغوية وأثرها على أرض الواقع. [8]

على مدى التاريخ، استخدم الأوروبيون كلاً من الاستيطان والإبادة الجماعية للأعراق بشكل منظم. [9] في الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلندا على سبيل المثال، يرصد التاريخ في سجل الرجل الأبيض إبادة قبائل وشعوب بأكملها من السكان الأصلانيين. لم يتوقَّف الاستعمار عند هذا الحد من الإبادة الجسدية، بل ألحق بها الإبادة الثقافية، [10] والتي لا بدَّ منها لتيسير الاستيطان، إذ يستحيل إحلال مجموعة من المستوطنين في أرض ليست أرضهم، إلا بترحيل السكان الأصليين أو إبادتهم. [11]

استناداً إلى ذلك، تنطلق هذه الدراسة من اعتبار الحرب على غزة حرب إبادة جماعية كما جرى تعريف الإبادة الجماعية في الجمعية العامة للأمم المتحدة. [12] هنا، نلاحظ، بشكل أوَّلي، ما يبدو وكأنه تناقض بين موقفين تميَّز بهما الخطاب الغربي حيال هذه الحرب: فمن جهة، الدعوة لإدخال المعونات، ومن جهة أخرى، تأييد استمرار الحرب بما يعنيه ذلك من مباركة للإبادة.

ولذا، تتمثَّل إشكالية هذه الدراسة في الكشف عن شكلية هذا التناقض في الخطاب الغربي ذي العلاقة، لإثبات أن خطاب "المعونات" و"حماية المدنيين" ليس سوى غطاء لدعم استمرار حرب الإبادة. فالموقف الغربي فيما يتعلق برفض وقف إطلاق النار، أي باستمرار الإبادة، لا يأتي من خلفية الموقف اللحظي المرتبط بالحرب فحسب، بل هو أساس لما نعتبره تماثلاً أيديولوجياً ما بين أيديولوجية الرجل الأبيض الأوروبي الاستعماري، أي الثيمات التي استند إليها في مشروع الاستعمار، بما شملته من إبادة الشعوب الأصلانية، والتي تقف على رأسها مقولات مثل "الرسالة الحضارية" و"النقاء العرقي" و"أرض الميعاد" و"شعب الله المختار،" وما بين أيديولوجية الحركة الصهيونية في فلسطين. ما يعني أن التطابق في المواقف يتجاوز حدود المصالح ليتجاوز حدود التماثل إلى حدود التطابق الأيديولوجي.

تستخدم هذه الدراسة منهجية تحليل الخطاب الغربي بحسب المفهوم الفوكوي للخطاب Discourse Analysis، وبحسب آلياته القائمة على تفكيك الجزيئات التي تؤلِّفه، ثم إعادة تركيبها بغية الوقوف على المعنى الكامن فيه. ولعلَّ هذا يقتضي، وببعض التجاوز لفوكو، ربط ذلك الخطاب بالكلية المحيطة به والمؤثرة فيه، أي الكلية الأيديولوجية المتمثِّلة بخطاب الرجل الأبيض الأوروبي ومقولاته الأيديولوجية.

يصبح من الضرورة تحليل الخطاب الغربي، لا في اللحظة الراهنة فحسب، بل بالرجوع أيضاً إلى أسس نشأته لفهم مآلاته المعاصرة. وتبعاً لاستخدام فوكو مفهوم "الخطاب" للإشارة إلى نظام من المعارف والممارسات المشروطة تاريخياً التي تنتج المعرفة والتصورات، ويشير عبر استخدامه إلى "الممارسات التي تشكِّل بشكل منهجي الأشياء التي يتمُّ الحديث عنها،" [13] سيتمُّ تحليل مجموعة من التصريحات الصادرة عن ممثلي الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في المؤتمرات الصحافية وغيرها، وكذلك مواقف هؤلاء في المحافل الدولية. ولأغراض تدعيم التحليل، تستفيد الورقة من المصادر الأولية للبيانات حول العدوان، مثل المؤسسات المحلية كالجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الصحة الفلسطينية، والمنظمات الدولية كمنظمة الأغذية العالمية ومنظمة الصحة العالمية ووكالة الأونروا.

منابع الأيديولوجيا الصهيونية

تأصيل أيديولوجية الرجل الأبيض

"أنت مدعو للمساعدة في صناعة التاريخ [...] هذا ليس ضمن خطك المعتاد، فهو لا يتعلق بأفريقيا، إنما بقطعة من آسيا الصغرى، وهو لا يتعلق بالإنجليز بل باليهود. ولكن لو كان هذا في طريقك، لكنت فعلت ذلك الآن. فلماذا أتوجَّه إليك إن كان هذا أمراً خارج خطك المعتاد؟ كيف حقاً؟ لأنه شيء استعماري." [14] بهذه الكلمات، التي خاطب بها ثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية، المستعمر الإنجليزي سيسل رودس، عرَّف هرتزل الصهيونية بارتباطها الوثيق بالاستعمار الأوروبي.

لم تبخل الدراسات المختلفة في تتبُّع تشكُّل الأيديولوجيا الصهيونية منذ أواسط القرن التاسع عشر، واكتشاف منابعها. ولعل عبد الوهاب المسيري من أكثر الباحثين الذين قضوا سنوات في ذلك، حيث أشرف على إعداد موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية. يرى المسيري أن التتبُّع التاريخي لنشأة فكرة القومية اليهودية يعود إلى أحد أهم النماذج القومية للمؤرخ سيمون دوفنوف الذي أشار إلى اليهود كـ "قومية في الشتات." انطلق دوفنوف من افتراض مبني على "وجود وحدة بين الأقليَّات اليهودية المنتشرة في العالم، لكن الوحدة لا تحب التنوُّع." ولذلك يرفض الصهاينة "الحل الاندماجي" بل "يتَّفقون على ضرورة" إعادة توطين "اليهود خارج روسيا،" في حينه. حقيقة، لم تلقَ دعوة إنهاء أزمة الشتات، عبر حركة الاسترداد [15] ترحيباً عالياً من جهة اليهود، وبقيت "مسعى غير يهودي بالدرجة الأولى،" [16] وهذه حيثية مهمة في سياق المحاججة بأن الدولة اليهودية هي مشروع صهيوني للرجل الأبيض الأوروبي، قبل أن تكون مشروعاً يهودياً.

كما يشير المسيري إلى الجانب الأكثر أهمية في سياق نقاش الدولة اليهودية وعلاقتها بالإبادة الجماعية، وهو "الغيتو" كون الانعزالية هذه بالضرورة ترفض كل ما هو غريب في الحيِّز، وتكنُّ عداءً شديداً لـ"الآخر" الذي قد ينتهك هذه العزلة ما قد يقودها إلى اتباع أساليب "متطرفة" للحفاظ عليها، ومنها الإبادة الجماعية. لقد نشأت هذه التجمعات اليهودية بعد ازدياد نفوذ البرجوازية المسيحية في المدن الكبرى في أوروبا، ما دفع اليهود إلى خلق منعزلات في مجتمعات شرق أوروبا بشكل "طوعي" والتي امتلكت قواعد تنظيمية وإدارية وقانونية خاصة بها، احتضنت اليهود ومنعتهم من الإقامة أو العمل خارجها. [17] إن هذه "الطوعية" لا تحيل إلى اضطهاد عرقي لليهود لدفعهم للانعزال كما ذهب المسيري، وكما الادعاء لتبرير هجرة اليهود واستيطانهم في فلسطين. إن أطروحة المسيري حول "الطوعية" هذه إطلاقية في غير محلها، فهذا الفهم لا يدعمه التاريخ الملموس، ذلك أن الانعزال اليهودي في أوروبا، يلقي بظلاله على هدف الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في سعي اليهود لبناء دولتهم، أو الغيتو الخاص بهم.

في مقابل المسيري، يتضح من مقولات صبري جريس أن التاريخ يعجُّ بالإجراءات والقوانين والمؤسسات المعادية لليهود والتي انتشرت فترة الهيمنة السياسية للكنيسة في أوروبا- ما قبل الثورة الفرنسية والثورات البرجوازية عموماً وتشكيل الدول الليبرالية. [18] وعلى ذلك، يمكن الافتراض أن القمع دفع السلطات السياسية والدينية لعزل اليهود، ما خلق مع مرور الوقت نزعة متزايدة لدى اليهود، لا للتمسُّك بالغيتو باعتباره أرضية الحفاظ على الثقافة والموروث الديني الهويَّاتي، والذي، لطبيعته تلك، لن يخلو من العنصرية، شأنه شأن كل الهويات المنغلقة على الذات.

إن الانعزال التاريخي هذا لا يمكن أن يفهم بشكل منعزل عن الإبادة المستمرة منذ العام 1948، ومروراً بالعام 1967، أو الذي يحصل بشكل مستمر عبر سلسلة طويلة من السنين والذي يسميه بابيه "الإبادة التدريجية"Incremental Genocide، وهو مفهوم استخدمه بالتحديد لوصف السياسة "الإسرائيلية" تجاه قطاع غزة منذ العام 2006. [19] أما "الترحيل الصامت"، بحسب إيليا زريق، فيعني ترحيل الفلسطينيين عبر خلق ظروف صعبة تدفعهم إلى الهجرة. [20] واليوم تتكرر تصريحات المسؤولين الصهاينة في ظل حرب الإبادة عن "الهجرة الطوعية" و"المؤقتة" للفلسطينيين من غزة، [21] فـ"الطوعية" في ظل الإبادة تغدو قسرية بالضرورة.

لقد كان جريس محقّاً حين أشار إلى أن نظام الغيتو الذي وضعه الأوروبيون يعمل لـ "خدمة المسيحية" ولـ "اتقاء شر اليهود"، غير أنه في نهاية المطاف، ساعد اليهودية بتلك القيود على الاحتفاظ بجوهرها خلال تقلبات القرون الوسطى. [22] يمكن الافتراض ببساطة أن دفع اليهود نحو الغيتو كان بمثابة تعزيز لهوية يهودية منعزلة ثقافياً ورافضة للاندماج، وبالتالي كان الغيتو بمثابة الحصن الثقافي، بحيث اعتبره جريس بمثابة "أرضية صالحة للعمل بين يهود الغيتو المتدينين والمنغلقين على أنفسهم."[23]

إن الغيتو، وباعتباره "الأرضية الصالحة،" كان هو ذاته أرضية صالحة لما ندعوه "التلاقح البنيوي بين النص الديني والأيديولوجية الصهيونية" بغية تشكيل قومية متخيَّلة تجمع المجموعات اليهودية المتفِّرقة، والموحَّدة على أساس الثقافة والهوية الدينية التي شكَّلها الغيتو، وملاحقات تمتد إلى مئات السنين. [24] كان من الواضح أن ثقل الانعزالية الثقافية لليهود في الغيتو، أقوى تأثيراً من مساعي الاندماج التي افتتحتها إعلانات الثورة الفرنسية. [25] وكان شلومو ساند قد تتبع في مؤلفيه اختراع شعب إسرائيل واختراع أرض إسرائيل الورشة الثقافية الصهيونية، كتمهيد للمؤتمر الصهيوني الأول للقيام بعملية التلاقح بين النص الديني والفكر القومي الأوروبي لبعث المولود الجديد، ومشروعه بدولة لليهود. [26]

أما المنبع الآخر والمهم فهو اللحظة التاريخية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والتي وفَّرت الظروف الملائمة لبلورة الحركة الصهيونية سياسياً. فتلك اللحظة التي تميزت بتسيُّد مفهومَي القومية والدولة، طرحت بقوة فكرة القومية والدولة اليهودية، وبتأثير ذلك التلاقح مع الثيمات الدينية، وخاصة ثيمة "أرض الميعاد" التي استخدمها الصهاينة كثيمة توجيهية لمشروع سياسي، وجدت تأييداً واسعاً في العديد من الأوساط البروتستانتية. [27]

وبغض النظر عن النقاش حول الحامل الطبقي لمشروع الحركة الصهيونية، سواء أكانت الطبقة الوسطى اليهودية كما يذهب عزمي بشارة، [28] ويتَّفق معه صبري جريس، [29] أو الرأسمال اليهودي الكبير كما يذهب مثلاً يوري أيفانوف، [30] فإن المؤكَّد تاريخياً لدى الباحثين، هو نشأة الحركة والأيديولوجية الصهيونيتين متأثرة بتلك اللحظة التاريخية التي طرحت وبقوة فكرة القومية والدولة، والتي احتضنت مشاريع الرجل الأبيض الأوروبي الاستعمارية.

الدولة اليهودية: مشروع الرجل الأبيض

"نحن في فلسطين، لا نرى حتى التمسك بالشكل في استثارة رغبات السكان الحاليين في فلسطين، لا ريب في أن الصهيونية، سواء أكانت على حق أم على باطل، سواء أكانت طيبة أم شريرة، عميقة الجذور في تقاليدنا، في حاجاتنا الراهنة، وآمالنا المقبلة، وهي أكثر أهمية لنا من رغبات السبعمئة ألف عربي الذين يقيمون الآن في البلاد العريقة."[31] بهذه الكلمات عبَّر اللورد آرثر بلفور عن العلاقة بين الصهيونية وبريطانيا فيما يتعلق بفلسطين. وارتباطاً بذلك، فقد وصف بشارة الصهيونية على أنها "تمثل أوروبا أمام الشرق،" وبذلك "تسنح لها الفرصة التي طالما تاقت لها بأن تصبح أوروبية." [32] كما يصف زريق الاستيطان، في فلسطين، على أنه "إعادة إنتاج النماذج الأوروبية لمجتمع المستوطنين في أراضٍ جديدة يُزعم أنها غير مأهولة."[33]

نحن هنا أمام مفارقة. فقد تشكَّلت الصهيونية في رحم مشروع الرجل الأبيض الغربي، وبالتالي يمكننا وصف الصهيونية بأنها مشروع أوروبي في الشرق، إذ كانت المادة البشرية لكيانها في البدايات يهود أوروبا، أي اليهود الأشكناز، ولم يعيروا الانتباه لليهود الشرقيين إلا لاحقاً مع حاجتهم للأيدي العاملة الرخيصة. نحن إذاً أمام معضلة مركبة: مشروع صهيوني أوروبي غربي أشكنازي بامتياز، يستند إلى موروث ديني توراتي شرقي، وإلى مادة بشرية أوروبية بيضاء، ويقيم دولته في الشرق. إن حجم التناقضات التي تتضمنها هذه المعضلة هي بالضبط ما يجعل الوجود الصهيوني في فلسطين غريباً وغير متَّسق مع التاريخ وحقائقه.

يعتبر المسيري أن التاريخ الفكري الأوروبي وفَّر الظروف المواتية للصهيونية للتحوُّل من "مجرد فكرة إلى منظمة مهيمنة على اليهود في العالم، ثم إلى دولة ذات قوة عسكرية ضخمة." [34] والمسيري هنا يستحضر حركة الاسترداد المسيحية التي طالبت بإعادة اليهود إلى "موطنهم الأم" ليتسنَّى للحركة التبشيرية التبشير بالمسيح عبر تجميع اليهود في مساحة محدودة. [35] وهنا يلقي الفكر الاستردادي ظلاله على الكيان الصهيوني كمشروع للرجل الأوروبي، فالاسترداديون ينظرون إلى اليهود على أنهم "جماعة يمكن توطينها في فلسطين، أو غيرها من الأماكن، لخدمة المصالح الاستعمارية." [36] أما ساند، فيرى أنه تمَّ اختراع فكرة "عودة اليهود" بهدف "إثارة تعاطف العالم الغربي، وبالتحديد البروتستانتي، من أجل تبرير مشروع استيطاني جديد."[37]

وعلى ذلك، يمكن وضع اليد على العلاقة البنيوية بين اليهود وبعض التفسيرات الدينية البروتستانتية، خاصة أن ما يجمع بينهما هو النص التوراتي للطرفين. فـ "أرض الميعاد" و"عودة المسيح" و"شعب الله المختار" و"الإبادة العرقية" هي ثيمات أربع وفرت الأرضية لتلك العلاقة، وقد بيَّنها بوضوح منير العكش في مؤلفاته حول مشروع الرجل الأبيض، إذ استخدمت الحركة الصهيونية في فلسطين الثيمات ذاتها التي استخدمها المستعمرون البيض في الأمريكيتين. [38]

يؤطِّر العكش "فكرة أميركا" في سياق "فكرة إسرائيل" التوراتية، محدداً ثلاث مهمات أساسية لتحقيق هذه الفكرة والتي لا يمكن تحقيقها إلا بالعنف، وهي: "احتلال بلاد الآخرين، واستبدال سكانها بسكان غرباء، واستبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم." [39] ويمكننا هنا رؤية التلاقي بين مشروع أميركا والمشروع الصهيوني المستند إلى "فكرة إسرائيل" التوراتية.

حتى اللحظة، لا يزال الكثيرون ينظرون إلى مشروع الاستيطان الصهيوني بارتباطاته الدينية- السياسية مع المشروع الأوروبي. [40] لذلك، يربط ساند بين العداء الصهيوني لهجرة اليهود لأمريكا، قبل الهولوكوست وبعدها، والدفع بالهجرة لفلسطين. [41] وهذا يعني أن ذات السياسة التي اعتمدها الصهاينة بالترحيب بالغيتو باعتباره الكنز الثقافي للدفع بالهجرة لفلسطين، تتكرر هنا في العداء للهجرة لأمريكا. وأكثر من ذلك، فإن المنطق يقتضي الإشارة إلى خدمة المحرقة النازية لمشروع الحركة الصهيونية في رفع نسبة الهجرة لفلسطين، وعلى هذا الصعيد يورد إيفانوف في كتابه وقائع كثيرة حول تعاون الصهاينة مع النازيين بهدف تسهيل الهجرة. [42]

وقد لعبت بريطانيا الدور المركزي في تشكيل دولة الكيان ويبرز ذلك عبر عدة أحداث تاريخية مهمة، منذ تصريح بلفور وحتى تسليم فلسطين للعصابات الصهيونية في العام 1948. [43] كما لعبت فرنسا دوراً لا يستهان به في توطين اليهود في فلسطين، وذلك منذ العام 1798 حين تمَّ طرح فكرة توطين اليهود في فلسطين، [44] وفي العام التالي اقترح نابليون بونابرت إقامة دولة يهودية في فلسطين لخدمة مصالح فرنسا.[45] ومن ثم كان لافتتاح فرنسا قنصلية لها في القدس في أربعينيات القرن التاسع عشر، الدور المهم في تشجيع اليهود للهجرة والاستيطان. [46] أما القضية الأكثر فضائحية للصهاينة، فهي ما تناوله توني جرينتسن حيث يورد حوادث معروفة مثل اتفاقية "هاعفراه" بين الصهاينة والنازيين والتي هدفت إلى نقل اليهود الألمان إلى فلسطين [47].

هذا، ولا تنفصل فكرة إنشاء "إسرائيل" عن "عقدة الرجل الأبيض" Whiteman Complex. فمنذ بداية التخطيط للفكرة الصهيونية، تمحورت الثيمة المركزية حول بناء "إسرائيل" على أنقاض فلسطين، وتمَّ طرح هذه الفكرة وتنفيذها بشكل يتناسب مع "مفاهيم إعادة بناء الاستعمار بالغة الأهمية للإمبريالية الأوروبية العليا."[48] وهذه حيثية مهمة في ثيمة التلاقي بين المشروع الأمريكي والصهيوني، فاستخدام العنف "ضروري ومطلق" لتحقيق بناء المشروع، وكان الخطاب "الأمريكي الإسرائيلي" يهدف لأن "يُقرن طقس العنف المميت بإرادة الله ليضع الأسس الأخلاقية اللازمة لاستبدال شعب منحط بشعب متفوق وثقافة بدائية بثقافة سامية." [49] لقد عبَّر إدوارد سعيد عن ذلك قائلاً: "إن المشروعين الصهيوني والأوروبي يشتركان في المثل العليا، وقيم الحضارة والتقدم التي لا يمكن للشرقي أن يفهمها كما يزعمون، وكما يبين وايزمان، فإن الصراع في فلسطين هو صراع لانتزاع السيطرة على الأرض من أيدي السكان الأصليين، لكن الصراع هو أيضاً صراع يستمد رفعته من أنه صراع على فكرة (سامية)، والفكرة هي كل شيء."[50]

الإبادة الجماعية في سياق الاستعمار

يتمُّ تعريف الإبادة الجماعية بحسب اتفاقية منع الإبادة الجماعية للعام 1946 على أنها أيّاً من الأفعال التالية، على قصد التدمير الكلِّي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه: "قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى."[51]

وفي إحدى أهم المساهمات عن الإبادة، يربط دريزن بيتروفيك بين الإبادة والفكر القومي، والتي يعرِّفها على أنها "سياسة محددة جيداً تتبعها مجموعة معينة من الأشخاص للقضاء بشكل منهجي على مجموعة أخرى من إقليم معين على أساس الأصل الديني أو العرقي أو القومي [...] وترتبط في كثير من الأحيان بالعمليات العسكرية." [52] ويؤكِّد بابيه أن الممارسات التي اقترفها الاستعمار الصهيوني بحق الفلسطينيين أثناء إقامته لدولته، وبالتحديد "خطة دالت" للعام 1948، تنطبق بشكل تام مع تعريفات الإبادة الجماعية بحسب المواثيق الدولية. [53].

وفي وصفه لمسار التهجير الفلسطيني، يفرد شريف كناعنة حيزاً لإثبات الحقيقة التاريخية التي يطرحها وهي أن التهجير القسري، لا الهجرة كما تدَّعي الحركة الصهيونية، كانت تتمُّ بشكل مخطط وثابت منذ ما قبل العام 1948. [54] في معرض إثباته لاعتقاده، يتناول كناعنة العلاقة بين الزمن والأرقام ليلحظ أنه ومنذ عشرينيات القرن العشرين كان هناك تناسب عكسي بين ازدياد عدد المستوطنين اليهود وتناقص عدد الفلسطينيين، وهذا ما تمَّ عبر عملية ترحيل الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. [55] إن هذه العملية من الترحيل والإحلال هي محور المشروع الصهيوني برمته، تلك العملية التي بلغت ذروتها في العام 1948، واستمرت بعد ذلك عبر خلق الظروف الدافعة للتهجير، كما يحدث في غزة اليوم.

وفي ربطه بين الاستعمار الاستيطاني والإبادة، يجادل باتريك وولف بأن الممارسة الاستعمارية الاستيطانية بطبيعة الحال تحوي منطق الإزالة، لكنها ليست بالضرورة إبادة جماعية دائماً. [56] ومع ذلك، فكون عملية الإزالة التي يتطلبها الاستعمار ليكتمل هي بنية اجتماعية معقدة، وليست محض حدث واحد فاصل، فإنها تشمل الإزالة الفيزيائية والرمزية. [57] وهذا ما يمكن رؤيته، على سبيل المثال، في السعي الصهيوني الدائم لتغيير الطابع العربي للفضاء الفلسطيني برمته، عبر تغيير الأسماء، أي أسماء كل مفردات الفضاء، واستبدالها بتسمية عبرية منسوبة لنص أسطوري ديني. لقد أطلق عبد الرحيم الشيخ على الخطط "الإسرائيلية" لإعادة تسمية كل مفردات المشهد مصطلح "متلازمة كولومبوس" نسبة إلى مخيال التسمية الثلاثي لكولومبوس المكوَّن من المجال الإلهي الذي يوصف خلاله الاستعمار بالقداسة، والمجال الطبيعي الوسيط الذي يبعث البهجة المستعارة بامتلاك الفضاء المستباح، والمجال البشري الذي يؤمِّن الثروة ويحرسها لمواصلة الغزو. [58] هنا، ترتبط الحاجة الاستعمارية لتأويل ما هو طبيعي وبشري بأساس قداسي. ويلاحظ الشيخ العلاقة بين الفكر الصهيوني والمشروع الاستشراقي الأوروبي، ويستشهد بسعيد مشيراً إلى أن عالم الأفكار الذي مهَّد الطريق لقيام "إسرائيل" يجد جذوره بذات العالم لمشروع الاستشراق الأوروبي. [59] وهذا عنصر آخر من التلاقي بين المشروعين، الأبيض في أميركا الشمالية والصهيوني في جزئية استبدال ثقافة السكان الأصليين التي طرحها منير العكش. [60] لذا، يعود وولف إلى جدله ليقرَّ بأنه لا يمكن عزل مخرجات الإزالة الفيزيائية والرمزية عن مفهوم الإبادة الجماعية، ولهذا، يستخدم وولف مصطلح "الإبادة الجماعية البنيوية."[61]

يطرح وولف فكرة خلق مفهوم السواد عبر العبودية، بمعنى أن العبودية بحد ذاتها هي التي شكَّلت السواد، مقابل البياض، في المقابل أتى قتل السكان الأصليين في أميركا الشمالية استهدافاً مباشراً لعرقهم كهنود.[62] في الحالة الفلسطينية، يمكن ملاحظة أن الهوية الفلسطينية نشأت عبر الصراع مع المشروع الصهيوني. لقد تجسَّدت تلك الهوية، فيما تجسدت، بطرح فكرة استقلال فلسطين، عن سوريا الطبيعية، في المؤتمر الإسلامي المسيحي الرابع في العام 1925. [63] وبالتالي يمكن المحاججة أن تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية تمَّ في لحظة الصراع مع المشروع الإحلالي الاستيطاني الصهيوني أساساً.

في سياق مقارب، فإن ديبورا روز لا تعتبر الغاية المركزية للإزالة ذات جذور عرقية، بل تجد عبر الإزالة فرصة في الوصول إلى الأرض. [64] وهذه أطروحة غريبة وغير متسقة لأنه من دون إزالة العرق لا يمكن الوصول إلى الأرض، وهذا ما ظهر في العدوان على غزة بتصريحات صهيونية تدعو لمسح غزة للعودة للاستيطان فيها. يمكن فهم استحضار وولف لمفهوم الأرض وضرورتها للاستعمار، [65] وهذا مهم في السياق الفلسطيني، ويمكن رؤية جذوره في المقولة التي أطَّرت الترويج الصهيوني لاستعمار فلسطين "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، فكانت الأرض مساحة جغرافية لخلق وطن لليهود في الشتات. لم يأتِ اليهود إلى فلسطين للعيش بسلام مع الفلسطينيين، بل كان من الضروري التخلُّص من السكان المحليين للأرض، لكي يتمَّ استكمال المشروع الاستيطاني القومي. [66] إن استهداف الفلسطينيين بالترحيل أساساً، والإبادات المخطط لها هنا وهناك عبر المجازر، بغية الترحيل، يقدم المؤشِّر على أن الترحيل والإبادة في لحظة تاريخية محددة كانت ركناً أساسياً في المشروع الصهيوني، وتعبيراً عن تلك العلاقة التلاقحية مع مشروع الإبادة الأم، أي المشروع الأوروبي للرجل الأبيض.

 

المعونات الإنسانية

تقدَّم المعونات إلى المحتاجين لها، والذين لظروف معينة لا يستطيعون الحصول عليها، أو يُمنَعون من الحصول عليها بحكم القوة العسكرية، حال سكان قطاع غزة حين أعلن وزير الحرب الصهيوني في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أن لا غذاء، لا ماء، لا كهرباء، لا وقود، لسكان القطاع. وتتمُّ إدارة المعونات الإنسانية وفقاً للمعايير الأربعة: الإنسانية وعدم التحيُّز والحياد والاستقلال، المعتمدة لدى الهلال الأحمر والصليب الأحمر. [67] في السياق الفلسطيني، تلعب المعونات دوراً لا يستهان به في تقديم الإغاثة، وبالتحديد في ظل محدودية المؤسسات الوطنية، الرسمية وغير الرسمية، التي تقوم بتوفير الإغاثة أو الحماية الاجتماعية، وبالتحديد في قطاع غزة، حيث يعتمد أكثر من 80 % من السكان على المساعدات الإنسانية. [68] ومع ذلك، تحيط بالمساعدات الإنسانية جدالات عدة ارتباطاً بعلاقتها مع مشاريع الاستعمار الغربي.

كثيراً ما تم تأطير النزعة الإنسانية، ونزعة مساعدة "الآخر"، ضمن مفهوم "المنقذ الأبيض" White Saviour Complex والتي تجادل في أغلبها بأن المساعدات الإنسانية تنبع من مرجعية عنصرية يقدِّم عبرها الأبيض نفسه ذاتاً متطورة ويساعد غيره من "المحتاجين."[69] وفي علاقة المعونات بالمشروع الأوروبي، تستعرض ليندا طبر نشأة ما يسمى "نظام الإنسانية العالمي" وعلاقته بسعي المجموعات المسيحية والخيرية الأوروبية في القرون الأخيرة لتحسين وضع السكان الأصليين الفقراء في المستعمرات. ومع ذلك، فهي تجادل بأن هذه التوجهات جعلت "الإنسانية" شريكة وأداة للسلطة القائمة، بدلاً من أن تكون نقيضاً لمنهجيات العنف الحديثة. وبالتالي، فإن التناقضات ترينا التقاطعات بين هرمية العنصرية الأوروبية والإمبريالية الموجودة في السياقات التي تمارس فيها النشاطات "الإنسانية." [70] وتؤكد طبر "أن التعاطف الإنساني مع الآخرين منذ البداية كان مجرد إنتاج النظم المتجذرة في مفهومين متناقضين يعكسان ويعيدان إنتاج العنصرية الأوروبية والإمبريالية المهيمنة،"[71] خاصة أن المفهوم قد أُنتج في ظل "المركزية الأوروبية".

يذهب آخرون إلى أن المساعدات الدولية في فلسطين ما هي إلا وسيلة للحفاظ على علاقات القوى بشقيها الاستعماري والمحلي الممثَّل ببنى السلطة الفلسطينية عبر عدة أساليب، [72] فمثلاً، تجادل ليلى فرسخ أنه، وارتباطاً بالمشاركة المدنية والديمقراطية، فإن الدول الداعمة، بقيادة أمريكا والاتحاد الأوروبي، تعمل على تنفيذ مشاريع تتجاهل بشكل مطلق السياق الاستعماري الصهيوني. [73] يأتي ذلك في سياق دعمها لمشاريع تخدم الأجندة النيوليبرالية وتعزز بدورها السلطوية، ما أفضى في المحصلة إلى إضعاف الاقتصاد الفلسطيني، وجعله أكثر اعتماداً على الاقتصاد "الإسرائيلي." [74] في سياق مقارب، تجادل طبر أن المعونات الغذائية تعيد صياغة الصراع إلى أزمة "جوع" و"سوء تغذية"، وفي المحصلة تصبح هذه "كارثة إنسانية" لا صراعاً مع المستعمر. [75] ومن خلال ذلك، تغدو أنظمة التدخلات الإنسانية أنظمة مساندة ورافعة للحروب الإمبريالية، إضافة إلى أنها مستفيدة من الكوارث. [76]

وفي السياق ذاته، وحول قطاع غزة، تجادل إيلانا فيلدمان أنه يتم استخدام النزعة الإنسانية "لإحباط تطلعات الفلسطينيين،" مشيرة إلى أن سياسات المعونة في قطاع غزة تكشف عن المخاطر الكامنة في النزعة الإنسانية. [77] وفي الحالة الفلسطينية، كانت المعونات الإنسانية المقدمة من الدول الغربية معونات مسيَّسة تماماً، وتسعى إلى تحقيق العديد من الأهداف السياسية والطبقية. [78] وما الجدل الذي يدور بين فترة وأخرى بين المنظمات غير الحكومية والممولين حول تضمين عقود التمويل لاشتراطات سياسية أهمها شرط "نبذ العنف والتعامل مع المنظمات الإرهابية،" إلا مثالاً صارخاً على المضمون السياسي للمعونات. [79]

ليس هناك معونات تقدَّم "لوجه الله تعالى"، فالإمبريالية وأذرعها التمويلية ليست بحال من الأحوال جمعية خيرية، بل لها أهداف سياسية من وراء التمويل. واليوم نقف أمام توظيف أكثر فظاعة للمعونات الإنسانية. فمع المطالبة بإدخال المعونات الإنسانية من قبل الدول الغربية، ثمة إصرار على عدم وقف إطلاق النار، ما يعني استمرار الإبادة لتصبح المطالبة بإدخال المعونات الإنسانية محض تمويه خطابي خادع للإبادة.

 

الخطاب الغربي: القاموس اللغوي لدعم الإبادة الجماعية وتبريره

في مقالة نُشرت في تشرين الثاني 2023، يؤطَّر العكش الإبادة الجماعية على يد الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" في مفهوم "أيديولوجيا الإبادة"، ويستلهم في تفسيره للتأطيرات أفكاراً من أطروحته السابقة حول "فكرة إسرائيل" التي نوقشت أعلاه، والتي بُنيت على العنف والإبادة في كلتا الحالتين. [80] على الرغم من تأطير العكش لسلوك "إسرائيل" والولايات المتحدة على وجه الخصوص، إلا أننا نرى أن "أيديولوجيا الإبادة" حتى وإن لم تؤخذ من أُسس "نبوية" على حدِّ تحليل العكش، إلا أن الدول الأوروبية الأُخرى، مثل ألمانيا وفرنسا، تتماهى مع ما قد يُسمى "أيديولوجيا الإبادة" وممارستها. فألمانيا قامت بما يعرف بأول إبادة جماعية في القرن العشرين في ناميبيا الحالية بين عامي 1908-1904، ومارست التطهير العرقي لعشرات آلاف السكان الأصلانيين. [81] وفرنسا قتلت في يوم واحد من أيار في العام 1954 حوالي 45 ألف جزائري متظاهر يطالب بالاستقلال، [82] في أبشع جرائم القتل الجماعي التي ترتكب في يوم واحد. وليس ذلك فحسب، بل إن هذه الدول تدعم وتشارك أيضاً في الإبادات الجماعية الحالية التي يرتكبها الصهاينة في فلسطين. وإذ يناقَش الخطاب، بحسب التحليلي الفوكوي، بعلاقته مع الأيديولوجيا والتاريخ وموقعه من البنى الاجتماعية وعلاقات القوى داخلها، فلا بدَّ من ملاحظة أيديولوجيا خاصة بالإبادة الجماعية، والتي تتجسد في سياق دراستنا في قاموس لغوي لدعم الإبادة وتبريرها.

يمكننا بتحليل مواقف الدول الغربية خلال العدوان المستمر، ومنها أمريكا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا على سبيل المثال، اكتشاف مجموعة من الجمل أو الصيغ السياسية المعتمدة، والتي يمكن عبر تحليلها، وضع اليد على تأييد حرب الإبادة، وفي الوقت ذاته تمويه هذا التأييد بالحديث عن المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين. ولقد بُني هذا القاموس اللغوي أمريكياً، ويمكننا تكثيفه في أربع مقولات، وهي: "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" و"لا لوقف إطلاق النار" و"ضمان إدخال المساعدات الإنسانية" و"حماية المدنيين"، وقد شكَّلت مجتمعةً القاموس اللغوي الأمريكي-الأوروبي للتعبير عن الموقف من حرب الإبادة.

 

الدور الغربي: الخطاب والواقع

يظهر الانقسام العالمي في دعم المشروع الصهيوني بين العالم الغربي، وبالتحديد الاستعماري وبقية العالم في المحافل الدولية منذ اندلاع العدوان الحالي. بغالبية ساحقة وبمجموع 153 صوتاً، صوَّتت دول العالم لصالح قرار الجمعية العمومية الذي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار لدواعٍ إنسانية، بينما صوَّتت 10 دول ضده، من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" والنمسا، بينما امتنعت ألمانيا وهولندا وإيطاليا والمملكة المتحدة. [83] علَّقت ممثلة الولايات المتحدة على القرار محيلة سبب رفض الولايات المتحدة التصويت لصالح وقف إطلاق النار لأن حركة حماس لا ترغب بتحقيق الهدف الأساسي للولايات المتحدة "بوقف الموت والدمار على المدى البعيد." [84] عند سماع هذا الخطاب وبمعزل عن سياقه الحالي والتاريخي، يبدو وكأن الولايات المتحدة ذات رسالة إنسانية تحاول القضاء على شرور العالم، إلا أن وضع خطابها في سياق دورها التاريخي والحالي لا يظهر "تناقضاً" بين القول والفعل وحسب، بل ويظهر تماهياً تاماً في الموقف. منذ الإبادة الجماعية التي مارسها المستعمِر الأبيض في أمريكا ضد السكان الأصليين، والتي تناولها العكش مطولاً وتفصيلياً، ومروراً بإلقاء أول قنبلة ذرية على هيروشيما قتلت 850 ألف ياباني، وقتل أكثر من مليوني كوري مطلع الخمسينيات، وصولاً إلى النابالم الحارق في فيتنام، وحصار العراق وتجويعه، فهناك للولايات المتحدة سجل حافل بما يتناقض مع أية مقتضيات للموقف الإنساني تجاه الشعوب.

في الجدال الذي دار في الجمعية العمومية للأمم المتحدة حول استخدام أمريكا حق النقض الفيتو على التعديلات المقترحة من قبل روسيا لوقف إطلاق النار بغرض السماح بممر آمن للمساعدات الإنسانية، صرَّح ممثل أمريكا بأن دولته تبذل جهدها من أجل "إيصال المزيد من المساعدات الإنسانية للأشخاص الذين يحتاجون إليها، وزيادة الحماية للمدنيين." [85] أما التعبير الحقيقي عن هذا الموقف فيظهر على الأرض، على الرغم من خطابها الرسمي في مجلس الأمن والجمعية العمومية الذي طالما أكد على استمرار أمريكا لجهودها الإنسانية في إدخال المساعدات.

وفي المقابل، في تصريح الرئيس الأمريكي جو بايدن في اليوم المائة للحرب، عبَّر عن حزنه الشديد إزاء اعتقال 100 رهينة "بريئة"، رغم إطلاق سراح الأطفال والنساء وكبار السن من "المدنيين"، ومن ضمنهم 6 من حملة الجوازات الأميركية. بطبيعة الحال، لم تصل عبارات الحزن على المدنيين في قطاع غزة، أو قرابة 60 ألف شهيد، أو حتى حملة الجوازات الأمريكي الذي استشهدوا أو نزحوا أو لم يستطيعوا المغادرة للعلاج، والذين تقدر أعدادهم بـ 900 مواطن أمريكي. [86] في هذا السياق، قامت عائلتان أمريكيتان من أصول فلسطينية برفع دعاوى على الرئيس بايدن بسبب تقاعس أميركا في إجلاء أقربائهم من حملة الجوازات الأمريكية بنفس مستوى المجهود الذي قامت به لـ"الإسرائيليين" من حملة الجواز الأمريكي. [87] وبالتالي فإن "زيادة الحماية للمدنيين"، حتى من هم من حملة الجنسية الأمريكية، لا يمكن أخذه على محمل الجد مع سقوط مئات الشهداء والجرحى يومياً وتدمير عشرات المنشآت الحيوية من منازل ومرافق ومدارس ومستشفيات، وزيادة الدعم لمثل هذا التدمير.

أما في المؤتمرات الصحافية التي عقدها وزير الخارجية الأمريكي آنثوني بلينكن خلال حرب الإبادة، فيمكن التوقف عند أبرز ما يتكرر في تلك التصريحات. فمصطلح "المزيد من المساعدات"، وكما سنلحظ لاحقاً، هو مصطلح تكرر في كل التصريحات، سواء تلك التي صدرت في المؤتمرات الصحافية، أو التي أصدرتها الخارجية كبيانات لإعلان موقف. ومع ذلك فقد أكدت منظمة الأغذية والزراعة أن قطاع غزة يعاني من المجاعة، [88] حيث إن ما يزيد عن 90 % من السكان يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، ويشمل ذلك 15 % من السكان المصنَّفين في حالة "الكارثة." [89] وهذا يعني أن ما يتمُّ تقديمه كهدف لم يتحقق، بينما يسود اعتقاد مؤكَّد أن أمريكا يمكنها، إن أرادت، ممارسة الضغط، وهي تملك على الأقل عوامل الضغط، وأهمها التسليح والتأييد في المحافل الدولية، لإجبار الكيان على إدخال المعونات.

إن مراجعة التقارير الصحافية والإعلانات الأمريكية تكشف الدعم الأمريكي العسكري. فمنذ اليوم الأول للإبادة وحتى 27 آذار 2025، حطَّت في الكيان 800 طائرة و140 سفينة محملة بأسلحة أمريكية لدعم "إسرائيل" [90]. ومع نهاية العام 2024، قدمت أمريكا دعماً إجمالياً بقيمة 22 مليار دولار [91]، تبعها 12 مليار دولار إضافية تمَّت الموافقة عليهم في شهر آذار 2025 [92].

ينبغي الإشارة إلى أن المطلبين المركزيين، أي وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية، يتمُّ تقديمهما بمعزل عن مسببهما، وهو العدوان الصهيوني، فالكيان الصهيوني هو الذي أعلن بوضوح "لا غذاء، لا وقود، لا كهرباء، لا ماء،" بحسب وزير الحرب غالانت. [93] وبالتالي فقبل الحديث عن مطالب إنسانية، ينبغي توجيه إصبع الاتهام، والإدانة، لمن أعلن صراحة أنه سيخلق كارثة إنسانية، وقد خلقها فعلاً. نحن هنا أمام الموقف الغربي التقليدي ذاته الذي يغلِّف التمويل الغربي، والذي يتناول المعونات والدعم دون التطرُّق إلى المسببات. لا معنى للحديث عن معونات إنسانية طالما لا تجري ممارسة الضغط أولاً على من أعلن حرمان قطاع غزة من مقومات الحياة، وهو الكيان الصهيوني. بل إن سامح شكري، وزير الخارجية المصري، ربط إدخال المساعدات بالاتفاق مع "إسرائيل،" [94] في موقف يتَّسم بالغرابة، خاصة وأن مصر هي المسؤولة عن معبر رفح من جهتها ولا حاجة للموافقة "الإسرائيلية" إلا إذا كان هناك تهديد "إسرائيلي" بقصف الشاحنات أذعنت له الحكومة المصرية. ليس هذا فحسب، بل ولا معنى لهذا الطرح طالما لم يجرِ وقف العدوان، ذلك أن العدوان يحول دون وصول المعونات لمستحقيها، وهم 90 % من سكان القطاع، حسب تصريح أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، مطلع الشهر الرابع للعدوان الذي اعتبر الهجوم "الإسرائيلي" هو المشكلة الحقيقية أمام إدخال المساعدات. [95]

أما الحديث عن "حماية المدنيين" في ظل الحقائق على الأرض، فيفتح المجال لفهم أعمق للرواية الغربية من الحرب بأسرها. لقد جرى تدمير حي سكني كامل في مخيم جباليا بقصفه بست قنابل أمريكية الصنع زنة كل واحدة منها طن ما أدى لاستشهاد وجرح أكثر من 400 فلسطيني في مجزرة مروِّعة. [96] وقد زعم الاحتلال أن القصف جاء لاغتيال إبراهيم البياري أحد قادة حركة حماس في المخيم، فكانت النتيجة، ليس استشهاد البياري فحسب، بل واستشهاد 110 فلسطينيين وجرح المئات. أمريكا، كما أشرنا سابقاً، تقوم بإمداد الكيان بأسلحة متطورة بقوة تدميرية عالية، وبالتالي، تدرك أنه سيقع الآلاف من المدنيين. وعليه، فلا معنى لمطلب حماية المدنيين، أو تقليل حجم الضرر الواقع عليهم، في ظل الدعم الأمريكي العسكري. إن السياق التاريخي للمستعمر الأبيض في إبادة السكان الأصليين بشكل وحشي في أمريكا، لا يجعل حقائق كهذه عشوائية. فالحرب البيولوجية التي أطلقها المستعمرون على السكان عبر إعطائهم بطانيات ملوثة، تجعلها مؤهلة تماماً لتزويد الكيان بأسلحة دمار شامل ومهددة لحياة المدنيين. [97] مرة بعد أخرى يتأكد للجميع عمق الترابط الأيديولوجي في سلوك طريق الإبادة تجاه الشعوب الأصلانية بين مشروعي الرجل الأبيض في أمريكا وفلسطين.

وعلى الرغم أن موقف الإدارة الأمريكية المتمثِّل برفض وقف إطلاق النار، والذي عزلها بشكل ما على المستوى الدولي، إلا أنها أصرت على رفض القرار، ما يؤشر على حجم الدعم الذي يحظى به الكيان في حرب الإبادة، ما يمكن اعتباره، لحدة طبيعته كموقف، أكثر من مجرد تلاقي مصالح سياسية واقتصادية، بل ويجعله، كما أسلفنا، ترابط مشروع الرجل الأبيض بفرعيه الأمريكي والصهيوني. فلا غرابة بعد ذلك أن يعلن بايدن صهيونيته، [98] فيما يعلن بلينكن وزير الخارجية في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 عند زيارته للكيان أنه قدم كيهودي لا كوزير خارجية. [99] إن إعلان بلينكن هذا، ومن قبله بايدن، يؤكد الطابع العقائدي للعلاقة بين المشروعين والذي كان قد استفاض في شرحه كل من العكش والمسيري.

 

حقيقة الإبادة الفلسطينية ورفضها الأوروبي

ليس في القانون الدولي أي حق للمستعمِر الأجنبي في الدفاع عن نفسه، بل إن هذا، قانوناً، حق مكفول للمستعمَر الذي يقع تحت الاحتلال العسكري. كما أكَّدت اتفاقية لاهاي واتفاقية جنيف الثالثة وبوضوح على الحق في المقاومة المسلحة للشعوب الخاضعة للاستعمار. [100] وبالتالي، فإن استخدام موقف "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" أولاً يحولها إلى ضحية، علماً أنها حسب القانون الدولي دولة محتلة وليست ضحية، وثانياً يلعب هذا الموقف على المعزوفة المتبناة صهيونياً منذ جريمة النكبة في العام 1948 وهي معزوفة تصوير أنفسهم كضحية. واليهود لا الصهيونية فعلاً ضحية الكارثة النازية والفاشية الأوروبية، ولكنها تستخدم كذريعة لتبرير جريمة احتلال فلسطين وتشريد شعبها. إن تصوير الصهاينة لأنفسهم كضحية هو المدخل الأبرز لدعايتهم منذ الحرب العالمية الثانية، ومعها الاتهام لكل من يقف في وجه ممارساتهم الاحتلالية ضد الشعب الفلسطيني باللاسامية.

إن ما يمكن ملاحظته دون عناء هو تبعية الموقف الأوروبي للموقف الأمريكي، ما يضع علامة استفهام جدية حول استقلالية سياسة تلك الدول عن الولايات المتحدة الأمريكية. فمنذ اليوم الثاني لهجوم المقاومة على المستوطنات الصهيونية والمواقع العسكرية فيما يسمى "غلاف غزة"، لحقت تلك الدول بالموقف الأمريكي. لحقوا بايدن وبلينكن في زيارتهما التضامنية مع الكيان، وإعلان وقوف الاتحاد الأوروبي معه بكل ما يفعل "للدفاع عن النفس،" [101] وذلك على الرغم من موقف خبيرة في الأمم المتحدة بأن "إسرائيل" لا تملك حق الدفاع عن نفسها. [102] لقد أعلنوا، في تطابق مع الموقف الأمريكي، عن تسخير القدرات العسكرية لدعم حرب الكيان على غزة. وهذا ما عبَّرت عنه وزيرة التجارة البريطانية في جلسة لنقاش رخص تصدير الأسلحة مستخدمة مصطلح "الإرهابيين البربريين" لوصف حركة حماس، قائلة: "تدعم المملكة المتحدة الحق الشرعي لإسرائيل للدفاع عن نفسها، واتخاذ الإجراءات ضد الإرهاب، وذلك ضمن حدود قانون الإنسان الدولي،" مشيرة بشكل إضافي إلى منح 114 رخصة تصدير للأسلحة بقيمة 42 مليون جنيه استرليني لـ"إسرائيل" في العام السابق. [103] أما الإعلان عن أن بريطانيا "تعمل مع قطر لإرسال المعونات لغزة، أول حملات المساعدة لهم هي إرسال 17 طناً من الخيام من الحجم العائلي، الخيام سوف توفر مأوى ضرورياً للعائلات التي نزحت بسبب الصراع المستمر،" [104] فيفضح طبيعة التمويه المخادع لخطاب المساعدات والمعونات في ظل المشاركة في الإبادة عبر الدعم العسكري غير المحدود لأدوات الإبادة.

وبأخذ الموقف الألماني كنموذج تحليلي، يمكن القول إنه ليس من الصعوبة بمكان فهم الموقف الألماني المنحاز للكيان الصهيوني خلال العدوان الحالي. فعقدة الذنب الألمانية تجعلها الحليف الثابت للحركة الصهيونية وتدعم تحقق مشروعها مهما بدر منها من ممارسات منافية للقوانين والمواثيق الدولية. لذلك، لم يكن من المستغرب إعلان الحكومة الألمانية تدخلها لصالح "إسرائيل" بتقديم دفاعها في القضية المرفوعة ضدها من طرف جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية. لقد جاء في تصريح المتحدث باسم الحكومة الألمانية إقرارها الواضح أن أية محاولات لاتهام "إسرائيل" بالإبادة الجماعية، هي "استغلال سياسي."[105] وقد تمَّ ذلك على الرغم من ثبوت الوثائق والمعطيات المؤكِّدة لارتكاب الإبادة الجماعية ضد سكان القطاع، وبالأخص من قبل المنظمات الدولية كالأونروا، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، من قتل وجرح حوالي المائة ألف حتى اللحظة، وقصف المستشفيات والمدارس والجامعات، واستهداف العاملين في القطاع الصحي، وقصف المدنيين، وترحيلهم تحت التهديد، [106] وإقرار خبراء الأمم المتحدة وجود حالة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، إلا أن ألمانيا ما تلبث أن تزعم خلوَّ هذه الإدعاءات من أية وجاهة بالمطلق. [107] كما تمَّ ذلك كله على الرغم من وجود قوانين في ألمانيا تجرِّم إنكار جرائم الحرب والإبادة الجماعية، [108] إلا أنها ستدافع عن "إسرائيل" في محكمة العدل الدولية، إذ يبدو أن تلك القوانين لا تنطبق إلا على الغرب.

منذ بداية العدوان تستخدم ألمانيا خطاباً يتسلَّح بـ"رفض اللاسامية" لحشد التعاطف مع الكيان الصهيوني. في العدوان الحالي، تمَّ استخدام الشعار التهييجي المنافق لشعار "لن يحدث مجدداً" Never Again، وهو الشعار المرتبط بالإبادة الجماعية الحاصلة في الهولوكوست، الذي تجذَّر في الهوية الوطنية الألمانية، كموقف ضد النازية الألمانية، تحاول عبره ألمانيا التنصل من ماضيها في ممارسة الإبادة. [109] في ذكرى "ليلة البلور" التي تصادف 19 تشرين الثاني من كل عام، أضاءت ألمانيا بوابة براندنبورغ بالشعار "ليس مجدداً هو الآن" خلال ذكرى الاحتفاء. كما عبَّر المستشار الألماني، من الحزب الديمقراطي الاجتماعي، عن حقيقة موقفه قائلاً إن "معاداة السامية تسمِّم المجتمع." [110] وكانت المفوضة الألمانية لسياسات حقوق الإنسان قد قالت: "هناك حدود للحق في التظاهر السلمي المرتبط بالأفعال الاجرامية" و"لقد حظرنا المظاهرات عندما يكون من أجل التحريض على معاداة السامية، ويجب عدم إساءة استخدام حرية الرأي لنشر الكراهية." [111] إن استخدام الشعار هذا لا يدعو فقط لحشد التعاطف مع الكيان الصهيوني، بل يعزز أيضاً الخطاب المكرور الذي يتهم من يعادي دولة الكيان الصهيوني وممارساتها العنصرية والمجرمة، بمعاداة السامية. ولقد تجسَّد هذا الموقف أخيراً في إعلان ألمانيا وقوفها إلى جانب "إسرائيل" في محكمة العدل الدولية.

في السياق ذاته، شاركت فرنسا ألمانيا هذا الخطاب، واعتبر وزير خارجيتها اتهام الدولة الصهيونية بالإبادة الجماعية على أنه تخطَّي "عتبة أخلاقية" مشيراً إلى ضرورة عدم جواز استغلال مفهوم الإبادة الجماعية لأهداف سياسية. [112] وجاء ذلك أيضاً في سياق خطاب ماكرون الذي أشار إلى أن "إسرائيل" "تواصل عمليتها لمكافحة الإرهابيين،" في غزة، [113] دون الدعوة لوقف إطلاق النار.

وللتدليل أكثر على مواقف الدول الاستعمارية الأوروبية، يمكن التمعُّن في حجم القمع الذي مارسته تلك الدول ضد المحتجين على الإبادة والمناصرين للشعب الفلسطيني، إذ يتبين إنه "في العشرة أيام الأولى، تم اعتقال ما يزيد عن 40 شخصاً، وإصدار مخالفات بحق ما يقارب 830 شخصاً في فرنسا بسبب المشاركة في مظاهرات، تحت قرار الشرطة بإصدار حظر على "تواجد وتجمع الأفراد الذين يعرفون أنفسهم على أنهم داعمين لفلسطين. وفي ألمانيا تم اعتقال 190 شخصاً."[114] ففرنسا وألمانيا تدَّعيان أن هناك حاجة لحماية المجتمعات اليهودية في ظل تصاعد اللاسامية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كما يعتقدون. أما المستشار الألماني أولاف شولتز، فقد صرَّح بالقول: "تاريخنا، ومسؤوليتنا تجاه الهولوكوست تجعل من واجبنا دعم وجود إسرائيل."[115]

إن حجم الاندفاع الألماني، وغيره من الدول الأوروبية ذات التاريخ الاستعماري المماثل كفرنسا وبريطانيا وهولندا، سواء في الخطاب أو في الممارسات ضد كل مؤيد للحقوق الفلسطينية بالتوقيف والاعتقال والتهديد بالترحيل، [116] يطرح على بساط التفكير والبحث مدى عمق حالة تأنيب الضمير الألماني، وعقدة نقص الألمان تجاه نازيتهم ضد اليهود. وعلى ما يبدو أن هناك ما هو أعمق من ذلك، فالتلاقح بين العنصرية الألمانية والأوروبية والعنصرية الصهيونية التي تجسِّد عنصرية الرجل الأبيض الأوروبي في الشرق ثابت بالدليل القطعي. وهنا نستذكر رسالة رئيسة الاتحاد الأوروبي، الألمانية الأصل، في "ذكرى استقلال" الكيان الصهيوني. [117] تلك الرسالة التي تحتفي بالجهد الصهيوني بتحويل الصحراء إلى جنة، مع ملاحظة أن الحديث يطال الثيمة ذاتها عن "الرسالة الحضارية" في خطاب الرجل الأبيض الأوروبي، ولكن هذه المرة لوليده الأبيض الأشكنازي في الشرق-"إسرائيل."

وبشكل لافت، يبدو أن الموقف الأمريكي يتفهم الموقف "الإسرائيلي"، رغم ذلك الحديث عن ضرورة تجنب السقوط الواسع للمدنيين، فيقرر بلينكن في مؤتمر صحافي: "نحن نعلم أن مواجهة عدو يتجذر بين المدنيين –يختبئ ويطلق النار من المدارس والمستشفيات– يجعل هذا الأمر صعباً للغاية." [118] هنا نعود مجدداً لتصريح الممثل الأمريكي الذي أكَّد فيه "الاستمرار في دعم إسرائيل في جهودها للتأكد من أن ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لن يتكرر مرة أخرى." [119] كما كان هذا واضحاً في الموقف من وقف إطلاق النار، يلحقه التبرير المكرور "وقف إطلاق النار لن يعود بالنفع إلا على حماس." [120] غير أنه في واقع الأمر، وكما يظهر من حجم الكارثة البشرية والإنسانية، يعني فعلياً استمرار الإبادة الجماعية، خاصة أنه مع اقتراب الحرب من منتصف عامها الثاني، لم يتمكَّن جيش الاحتلال "الإسرائيلي" من تحقيق أي من أهدافه المعلنة. وبالتالي، فإن استمرار الحرب ليس سوى استمرار للإبادة. إننا نضع اليد هنا على ذلك القدر من التبنِّي الأوروبي والأمريكي للخطاب الصهيوني، والذي نعتقد، كما مر آنفاً في التأطير النظري، أنه تعبير عن الأصل المشترك لمشروع الرجل الأبيض بفرعيه الأوروبي والصهيوني.

 

خاتمة

بتأكيد "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" و"حماية المدنيين" واتخاذ موقف "لا لوقف إطلاق النار"، يمكن تأكيد "الشيك السياسي المفتوح" الذي منحته الدول الغربية للعدوان الصهيوني وحرب الإبادة. ومع ذلك، في ضوء هذين الموقفين، من اللافت للنظر، إصرار هذه الدول الغربية على التمسك اللفظي بمطلبي ضرورة "إدخال المساعدات الإنسانية" و"حماية المدنيين" كمطلبين إنسانيين. وهنا، ليس تبني الموقف الصهيوني بـ"حق الدفاع عن النفس" تبنياً للمقولة الصهيونية المغلفة ببكائية الضحية المكرورة فقط، بل ويعتبر تشريعاً للممارسات الصهيونية كلها، ومن ضمنها الإبادة الجماعية بتمثُّلاتها المختلفة: القتل الجماعي للمدنيين، والتدمير الممنهج للمنشآت الحيوية كالمستشفيات والمدارس، ومنع سبل الحياة، كالماء والكهرباء والغذاء والوقود، وهو ما أعلنه الصهاينة صراحة على لسان وزير الحرب غالانت، [121] طالما أن كل ذلك يتم وفق شعار "الحق في الدفاع عن النفس." بهذا، إن الحديث عن المعونات لا يغدو كونه غطاء لاستمرار الإبادة الصهيونية، إبادة تجد جذرها في مجمل مشروع الرجل الأبيض الأوروبي للأعراق غير الأوروبية. وفوق ذلك كله، فإن العلاقة بين الدول الغربية والكيان الصهيوني، كما بينا آنفاً، تتجاوز حدود العلاقة السياسية والاقتصادية، لتصل إلى حدود التلاقح الأيديولوجي بين المشروعين: مشروع الرجل الأبيض الأوروبي الاستعماري في العالم، ومشروع الرجل الأبيض الصهيوني الأشكنازي في فلسطين، بحيث يبدو الأخير الممثل الشرعي للأول في الشرق، وتأكيداً لكونه أداة الأول الاستعمارية وفق المثل الدارج: "مَنْ شابه أباه فما ظَلم." إن الانحياز للكيان الصهيوني في سعيه اليومي للقتل الجماعي وتدمير كل مرافق الحياة في قطاع غزة، أي في تنفيذه للإبادة الجماعية، أكَّدته هذه الدراسة في تحليلها للخطاب والسياقات التي تمظهرت فيها جزئياته.

الإحالات

[1] "Israeli defense minister orders 'complete siege' on Gaza," Al Jazeera, 9 October 2023, accessed 1 March 2025. https://bit.ly/3SJp5Ae

[2] "تصريح جوزيف بوريل،" 17 تشرين الأول 2022، شوهد في 1 آذار 2025. https://bit.ly/43T03Ur .

[3] Josep Borrell, "On metaphors and geo-politics," European Union External Action, 10 October 2022, accessed 1 March 2025. https://bit.ly/4kZCS1C.

[4] Ilan Pappe, The Ethnic Cleansing of Palestine (London, England: Oneworld Publications, 2007), 67.

[5] صبري جريس، تاريخ الصهيونية، الجزء الأول 1862 - 1917، ط2 (بيروت: مركز الأبحاث-منظمة التحرير الفلسطينية، 1981)، 70-13.

[6] Edward Said, The Question of Palestine (New York: Vintage Books, 1980): 15-16.

[7] محمد الزبن، تعامل المنظمات الدولية مع القضية الفلسطينية: استعمار ناعم؟ (رام الله: مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، 2023)، 6.

[8] أرضي امسيس، الأمم المتحدة والقضية الفلسطينية: دراسة في التهميش الدولي القانوني، ترجمة كريم عساف (كامبريدج: جامعة كامبريدج، 2019)، 60-44؛ كميل منصور، "القرار رقم 242 من وجهة نظر كميل منصور،" مدونة فلسطين الميدان، 7 كانون الثاني2014 https://bit.ly/4kTi8ID.

[9] Patrick Wolfe, "Settler colonialism and the elimination of the native," Journal of Genocide Research, Vol. 8, No .4 (2006): 387-409.

[10] منير العكش، أميركا والإبادات الثقافية "لعنة كنعان" الإنكليزية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2009).

[11] عدم القيام بالإبادة أحياناً كما في جنوب إفريقيا والجزائر، لا يعكس "أخلاقية" المستعمر، بل بسبب حاجة المشرع لليد العاملة.

[12] وذلك استناداً لقرار الجمعية العامة 96 (د – 1) المؤرخ في 11 كانون الأول / ديسمبر 1964: "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، شوهد في 1 آذار 2025.

 

https://bit.ly/3SGyxEk

[13] Michel Foucault, Archaeology of knowledge (New York: Tavistock Publications Limited, 1972), 135-140. See also: Michel Foucault, "The Order of Discourse"' in Untying the Text: A Post-Structuralist Reader, ed. R. by Young (London: Routledge & Kegan Paul, 1981).

[14] Stephen Halbrook, "The Class Origins of Zionist Ideology," Journal of Palestine Studies, Vol. 2, No. 1 (1972): 86-110, 86.

[15] مصطلح الاسترداد أو الاستردادية مصوغ لتوضيح تلك الحركة الداعية للرجوع إلى أرض الميعاد في الأدبيات اليهودية والبروتستانتية المسيحية والتي غدت من أهم مصطلحات الرجل الأبيض في تبرير حركته الاستعمارية.

[16] عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية ( الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1982)، 105.

[17] المصدر نفسه، 25-27.

[18] جريس، مصدر سبق ذكره، 299-271.

[19] Ilan Pappe, The Biggest Prison on Earth: A History of the Occupied Territories (London: Oneworld Publications, 2017); "Using the Right Language: The 'Incremental Genocide' of the Palestinians Continues," The Palestine Chronicle, 16 March 2023, accessed 1 March 2025. https://bit.ly/3FFwRbm.

[20] إيليا زريق، "الديموغرافيا والترانسفير: طريق إسرائيل إلى اللامكان،" مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 5 (2003): 59-42.

[21] عبد الرؤوف أرناؤوط، "إعلام عبري: نتنياهو يعمل على تحقيق "الهجرة الطوعية" لسكان غزة،" الأناضول، 25 كانون الثاني 2023، شوهد في 1 آذار 2025. https://bit.ly/4mMZns9 .

[22] جريس، مصدر سبق ذكره، 14.

[23] المصدر نفسه، 15.

[24] وسام رفيدي، "العنف والقومية المتخيلة: التلاقح البنيوي بين النص الديني اليهودي والأيديولوجيا الصهيونية،" الحوار المتمدن، 22 آذار 2015، شوهد في 1 آذار 2025. https://bit.ly/4mYdjjo .

[25] جريس، مصدر سبق ذكره، 15.

[26] للمزيد انظر: شلومو ساند، اختراع أرض إسرائيل (الأردن: الأهلية للنشر والتوزيع ورام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2014)؛ اختراع الشعب اليهودي (الأردن: الأهلية للنشر والتوزيع ورام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2011).

[27] المصدر نفسه.

[28] عزمي بشارة، "مائة عام من الصهيونية، من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر،" الكرمل، العدد 53 (1997): 20-11.

[29] جريس، مصدر سبق ذكره، 46.

[30] يوري ايفانوف، حذار من الصهيونية (موسكو: دار التقدم، 1970).

[31] اللورد آرثر جيمس بلفور، مذكرة، 11 آب 1919، للمزيد انظر: ساند، اختراع أرض إسرائيل، مصدر سبق ذكره، 143.

[32] بشارة، مصدر سبق ذكره.

[33] إيليا زريق، "الصهيونية والاستعمار،" عمران، العدد 8 (2014): 7– 34، 9.

[34] المسيري، مصدر سبق ذكره، 103.

[35] المصدر نفسه.

[36] المصدر نفسه، 104.

[37] ساند، اختراع أرض إسرائيل، مصدر سبق ذكره، 35 .

[38] للمزيد انظر: منير العكش، تلمود العم سام - الأساطير التي تأسست عليها أميركا (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2004)؛ حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002)؛ أميركا والإبادات الثقافية "لعنة كنعان" الإنكليزية، مصدر سبق ذكره.

[39] العكش، تلمود العم سام، مصدر سبق ذكره، 211-210.

[40] المسيري، مصدر سبق ذكره، 105.

[41] ساند، اختراع أرض إسرائيل، مصدر سبق ذكره، 39 .

[42] إيفانوف، مصدر سبق ذكره.

[43] حسن صالح عثمان، "سياسة هربرت صموئيل وأثرها في تهويد فلسطين،" مجلة شؤون عربية، العدد 52 (1987): 107-116، 109؛ وليد عبود محمد وعبير وفيق شفيق، "موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين حتى عام 1948،" مجلة مداد الآداب، العدد 6 (2013): 340-238.

[44] أمين عبد الله محمود، مشاريع الاستيطان اليهودي (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1984)، 14.

[45] ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1985)، 198-110.

[46] نائلة الوعري، دور القنصليات الأجنبية في الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين (عمان: دار الشروق، 2007)، 99-94.

[47] إبراهيم العالو، "الحركة الصهيونية خلال الهولوكوست.. تسليح الذاكرة لخدمة الدولة والأمة،" الوسيط، 19 تشرين الثاني 2023، شوهد في 12 كانون أول 2025. https://2u.pw/kGNuZ.

[48] Said, op. cit., 12-13.

[49] العكش، تلمود العم سام، مصدر سبق ذكره، 215-216.

[50] Said, op. cit., 28.

[51] للمزيد انظر الموقع التالي:

اللجنة الدولية للصليب الأحمر، شوهد في 19 شباط 2025. https://bit.ly/4dTOVex

[52] Drazen Petrovnic, "Ethnic Cleansing-An Attempt at Methodology," European Journal of International Law, Vol. 5, No. 3 (1994): 342- 359.

[53] Pappe, The Ethnic Cleansing, op. cit., 24-25.

[54] شريف كناعنة، الشتات الفلسطيني: هجرة أم تهجير؟ (القدس: مركز القدس العالمي للدراسات الفلسطينية، 1992).

[55] المصدر نفسه.

[56] Patrick Wolfe, "Settler colonialism and the elimination of the native," Journal of Genocide Research, Vol. 8, No .4 (2006): 387-409.

[57] Ibid.

[58] عبد الرحيم الشيخ، "متلازمة كولومبوس وتنقيب فلسطين: جينيالوجيا سياسات التسمية الإسرائيلية للمشهد الفلسطيني،" مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 83 (2010): 109-78.

[59] المصدر نفسه، 4.

[60] العكش، تلمود العم سام، مصدر سبق ذكره، 211-210.

[61] Wolfe, op. cit., 387-409.

[62] Ibid.

[63] وسام رفيدي، "الهوية الوطنية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو: إشكالية التفكك برسم النظام،" جريدة حق العودة، تشرين الأول2011، شوهد في 13 آذار2024. https://2u.pw/tPNry.

[64] Deborah Bird Rose, Hidden Histories: Black Stories from Victoria River Downs, Humbert River and Wave Hill Stations (Canberra: Aboriginal Studies Press, 1991), 46.

[65] Wolfe, op. cit., 387-409.

[66] ساند، اختراع أرض إسرائيل، مصدر سبق ذكره، 35.

[67] للمزيد حول معايير المعونات الإنسانية، انظر: "الجمعية العامة- الدورة السادسة والأربعون،" شوهد في 1 آذار 2025. https://2u.pw/d8RSM.

[68] "Fifteen years of blockade of the Gaza Strip," UNICEF, July 3 2022, Accessed 12 December 2024. https://bit.ly/4kVUifm.

[69] Lisa Ann Richey, "'Tinder humanitarians': The Moral Panic around Representations of Old Relationships in New Media," Javnost-The Public, Vol. 23, No. 4 (2016): 398-414; Kristina Roepstorff, "A Call for Critical Reflection on the Localisation Agenda in Humanitarian Action," Third World Quarterly, Vol. 41, No. 2 (2020): 284-301; Natasha Marhia, "Some Humans Are More Human than Others: Troubling the 'Human' in Human Security from a Aritical Feminist Perspective," Security Dialogue, Vol. 44, No. 1 (2013): 19-35; David Jefferess, "Humanitarianism and White Saviors," in Handbook of Critical Whiteness: Deconstructing Dominant Discourses Across Disciplines, ed. by Alexander Workman and others (Singapore: Springer Nature Singapore, 2022), 1-15.

[70] Linda Tabar, "Disrupting Development, Reclaiming Solidarity: The Anti-Politics of Humanitarianism," Journal of Palestine Studies, Vol. 45, No. 4 (2016): 16-31, 17.

[71] Ibid., 18-27.

[72] Leila Farsakh, "Undermining Democracy in Palestine: The Politics of International Aid since Oslo," Journal of Palestine Studies, Vol. 45, No. 4 (2016): 48- 63; Sari Hanafi, and Linda Tabar, "The Intifada and the Aid Industry: The Impact of the New Liberal Agenda on the Palestinian NGOs," Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East Vol. 23, No. 1 (2003): 205-214; Tabar, "Disrupting Development," op. cit.

[73] Leila Farsakh, op. cit., 1.

[74] Ibid.

[75] Tabar, "Disrupting Development," op. cit., 16.

[76] Ibid., 17.

[77] Ilana Feldman, "Gaza's Humanitarian Problem," Journal of Palestine Studies, Vol. 38, No. 3 (2009): 22- 37, 23.

[78] للمزيد حول حقيقة دوافع التمويل الغربي، انظر: خليل نخلة، وطن للبيع (رام الله: مؤسسة روزا لوكسمبورغ، 2011)؛ جميل هلال، الطبقة الوسطى الفلسطينية: بحث في فوضى الهوية والمرجعية والثقافة (رام الله: مواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2006)؛ جميل هلال، تكوين النخبة الفلسطينية: منذ نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية إلى ما بعد قيام السلطة الوطنية (رام الله: مواطن-المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية ومركز الأردن الجديد للدراسات، 2001)؛ آيات حمدان، المساعدات الخارجية وتشكيل الفضاء الفلسطيني (رام الله: مركز بيسان، 2010)؛ ساري حنفي و ليندا طبر، بروز النخبة الفلسطينية المعولمة: المانحون والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية المحلية (رام الله: مواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2006).

[79] وسام رفيدي، "الاتحاد الأوروبي في قفص الاتهام من رفض التمويل المشروط لرفض الوجود أصلاً،" جريدة القدس، 20 تشرين الثاني 2023، شوهد في 1 حزيران 2024. https://bit.ly/3HxJ5mS .

[80] منير العكش، "أيديولوجيا الإبادة،" جريدة الأخبار، 11 تشرين الثاني 2023، شوهد في 5 كانون الأول 2025. https://al-akhbar.com/Palestine/372883.

[81] "ألمانيا في ناميبيا.. مئة عام على 'أول إبادة جماعية' في القرن العشرين،" الجزيرة الوثائقية، 15 كانون الثاني 2024، شوهد في 1 آذار 2025. https://2u.pw/OUsZo.

[82] محمد علال، "8 مايو/ أيار... يوم قتلت فرنسا 45 ألف جزائري،" الجزيرة الوثائقية، 12 أيار 2019، شوهد في 3 شباط 2025.

https://2u.pw/GamV2

[83] "UN General Assembly votes by large majority for immediate humanitarian ceasefire during emergency session," UN News: Global perspective Human stories, 12 December 2023, Accessed 7 January 2025.

https://news.un.org/en/story/2023/12/1144717

[84] "تصريحات أنتوني بلينكن في مؤتمر صحفي،" وزارة الخارجية للولايات المتحدة، 11 كانون الثاني 2024، شوهد في 15 آب 2024. https://bit.ly/43RVr0u .

[85] المصدر نفسه.

[86] Ivana Saric, "How many U.S. citizens live in Israel, Gaza and the wider region," AXIOS, 3 November 2023, accessed 5 August 2024. https://bit.ly/3FwjMRI .

[87] Doina Chiacu, "Palestinian Americans sue Biden administration over relatives stuck in Gaza," Reuters, 15 December2023, accessed 1 September 2024.

https://2u.pw/AZCg2.

[88] "FAO expresses deep alarm over acute hunger in the Gaza Strip," Food and Agriculture Organization of the United Nations, December 21 2023, accessed 1 March 2025. https://bit.ly/3FPqX7q.

[89] "Gaza Strip: IPC Acute Food Insecurity November 2023 - February 2024," reliefweb, 21 December 2023, accessed 1 March 2025.

https://2u.pw/bB9Csud.

[90] Middle East Monitor, "Israel Receives 940 US Arms Shipments Since Gaza War: Defense Ministry," Middle East Monitor 27 May 2025, accessed 7 June 2025.

https://bit.ly/43Pcosz.

[91 "US Spent over $22 Billion on Weapons for Israel in Gaza War," The New Arab, 28 May 2025, accessed 7 June 2025. https://bit.ly/4mRQyxn.

[92] "Military Assistance to Israel," U.S. Department of State, , accessed 7 June 2025. https://bit.ly/3FNMyx4

[93] "Israeli defense minister orders 'complete siege' on Gaza," Al Jazeera, October 9 2023, accessed 2 March 2025.

https://2u.pw/fgIKK .

[94] "وزير خارجية مصر: معبر رفح… ودخول المساعدات يتوقف على الاتفاق مع إسرائيل و"الأمم المتحدة،" الشرق الأوسط، 15 تشرين الثاني 2023، شوهد في 2 آذار 2025. https://2u.pw/iikLo.

[95] "UN chief says Israeli forces creating 'massive obstacles' for aid in Gaza," The Guardian, 23 December 2023, accessed 2 March 2025. https://rb.gy/xi2jp1.

[96] "وزارة الداخلية بغزة: مخيم جباليا تعرض لقصف بـ 6 قنابل تزن كل واحدة طناً من المتفجرات،" الجزيرة، 31 تشرين الأول 2023، شوهد في 3 آذار 2025. https://rb.gy/bduoyt.

[97] "Colonizers and Resistance: 1763-64 Britain wages biological warfare with smallpox," Native Voices, accessed 3 March 2025. https://rb.gy/3loa3e.

[98] للمزيد انظر جزءاً من خطاب بايدن المذكور، "بايدن: 'أنا صهيوني،'" شوهد في 2 آذار 2025.

https://rb.gy/88n0z9

[99]"أزور إسرائيل بصفتي يهودياً وسنلبي جميع حاجاتها الدفاعية،" الجزيرة، 10 تشرين الأول 2023، شوهد في 3 آذار 2025. https://2u.pw/dRYN0OFJ.

[100] "Right of peoples to self-determination – GA resolution", UN, accessed 2 March 2024.https://rb.gy/11ga2w.

[101] "Statement of the Members of the European Council of the Situation in the Middle East," European Council, 15 October 2023, accessed 3 March 2025. https://2u.pw/q8uWb.

[102] Francesca Albanese, UN Special Rapporeur, via press conference, "UN Official Says Israel Has No Right To Self-Defence," 14 November 2023, accessed 3 March 2025.https://short-link.me/-RUG.

[103] مداخلة وزيرة التجارة البريطانية خلال جلسة حول رخص تصدير السلاح لإسرائيل، جلسة مجلس عموم المملكة المتحدة بتاريخ 30 تشرين الثاني 2023، للمزيد انظر:

"Business and Trade," Hansard/ Uk Parliament, 30 November 2023, accessed 3 March 2025. https://2u.pw/NqgUW.

[104] "UK announces new aid support for Gaza on Foreign Secretary visit to Middle East," GOV UK, 25 January 2024, accessed 3 March 2025. https://2u.pw/cd1x8.

[105] Press and Information Office of the Federal Government (BPA), "Statement by the Federal Government of the proceedings at the International Court of Justice," 12 January 2024, accessed 30 December 2024. https://2u.pw/mpu02.

[106] للمزيد حول مراجعة التحديثات اليومية الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، انظر:

الموقع الإلكتروني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لأرض فلسطين المحتلة، شوهد في 16 آذار 2025. https://www.ochaopt.org/updates.

[107] Rachel Fink, "Germany Announces Decision to Intervene on Israel's Behalf in ECJ Case," Haaretz, 14 January 2024, accessed 1 January 2025. https://2u.pw/eDVc.

[108] Lisa Hanel, "Germany criminalizes denying war crimes, genocide," DW, 25 November 2022, accessed 23 January 2025. https://short-link.me/-RWb.

[109] Manuel Schwab, "Opinion: Germany pledged 'never again.' Here's how it's grappling with Israel's bombing of Gaza," Los Angeles Times, 17 December 2023, accessed 14 February 2025. https://2u.pw/mqxV2.

[110] Kate Connolly, "'Never again is now: 1938 Nazi program anniversary marked in Germany," The Guardian, 9 November 2023, accessed 12 March 2025. https://2u.pw/G1Xzj.

[111] Sarah Marsh, "Germany accused of silencing pro-Palestinian voices at U.N. rights forum," Reuters, 9 November 2023, accessed 7 March 2025. https://2u.pw/GXMT6 .

[112] French Foreign Minister Stephane Sejourne speaks during a joint press conference with his Polish counterpart in Warsaw, 15 January 2024. https://short-link.me/13WGb.

[113] "فرنسا تعتبر أن تحسُّن الوضع الإنساني في غزة من مصلحة الجميع "بما فيهم إسرائيل،" القدس العربي، 8 تشرين الثاني 2023، شوهد في 3 آذار 2025. https://2u.pw/SSjCD.

[114] Riham Alkousaa, Thomas Escritt, and Layli Foroudi, "In France and Germany, Palestinian Supporters say they struggle to be heard," Reuters, 19 October 2023, accessed 8 March 2025. https://2u.pw/6pfcl.

[115] Marsh, Op.Cit.

[116] دول أوروبية تضيِّق على المتضامنين مع فلسطين وتسمح بتأييد إسرائيل،" الجزيرة، 17 تشرين الأول 2023، شوهد في 3 آذار 2025. https://2u.pw/thNCfCB .

[117] "Statement by President of the European Commission Ursula von der Leyen," 26 April 2023, accessed 16 March 2025. https://short-link.me/-RVs.

[118]"تصريحات أنتوني بلينكن في مؤتمر صحفي،" وزارة الخارجية للولايات المتحدة، 9 كانون الثاني 2024، شوهد في 7 حزيران 2025. https://short-link.me/-RVA .

[119] "تصريحات أنتوني بلينكن في مؤتمر صحفي،" وزارة الخارجية للولايات المتحدة، 11 كانون الثاني 2024، شوهد في 15 آذار 2025. https://short-link.me/-RW6.

[120] Erica L. Green and Michael Crowley, "White House Says a Cease-Fire Would Only Benefit Hamas," New York Times, 24 October 2023, accessed 17 March 2025. https://2upw/QOig6 .

[121] "Israeli defense minister orders 'complete siege' on Gaza," Al Jazeera, 9 October 2023, accessed 3 March 2025. https://2u.pw/fgIKK.