Menu

اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية... بين العلاقات التاريخية والعدوان على قطر

رضي الموسوي

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

تقرن الكثير من وسائل الإعلام العالمية التوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان الموقعة في 17 سبتمبر/أيلول 2025، بالعدوان الصهيوني على العاصمة ال قطر ية الدوحة ومحاولة الاغتيال الفاشلة لقادة حركة حماس قبل أسبوع من توقيع الاتفاق، والتي أدت لاستشهاد 5 بينهم رجل أمن قطري. كانت تداعيات العدوان متسارعة، فعقد مجلس الأمن الدولي جلسة استثنائية طارئة لمناقشة الأمر، وباستثناء أمريكا، فقد ادان كل المتحدثين في تلك الجلسة عدوان الكيان على قطر، وخرج الاجتماع ببيان إدانة للفعل الصهيوني دون أن يسمي الفاعل. وبعد ثلاثة أيام من اجتماع مجلس الأمن عقدت القمة العربية الإسلامية في 15 سبتمبر الجاري بالدوحة وأصدرت بياناً ختامياً باهتاً اقتصر على الإدانة وتهريب المشكلة وتحميلها على ظهر المجتمع الدولي دون أي فعل حقيقي على الأرض، واعتبر المجتمعون أنهم قاموا بالواجب المطلوب، وهو نفس رد الفعل الباهت على جرائم الآبادة الجماعية والتطهير العرقي التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية بحق الشعب الفلسطيني. بيد أن الاتفاق السعودي الباكستاني، الذي وصفته العديد من وسائل الإعلام بأنه "استراتيجي"، جاء وكأنه ضربة معلم سعودية في توقيت دقيق ومعقد تمر به المنطقة العربية التي تتعرض لحرب وجودية مصيرية في فلسطين ومحاولات تفتيت سوريا ولبنان واليمن، فضلاً عن إضعاف البلدان العربية أكثر مما هي عليه الآن لتمرير مخطط "إسرائيل الكبرى" الذي أعلن عنه مجدداً رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بعد أن مهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الطريق له عندما صرح بأن "إسرائيل دولة صغيرة في محيط كبير ومساحتها لا تسعها". وقد جاء الاتفاق بين الرياض وإسلام آباد بعد أن شعرت دول المنطقة "الحليفة" للولايات المتحدة الأمريكية أن مظلة واشنطن الحمائية لا تشمل هذه الدول إذا كان العدوان صهيونياً، حيث تتشابك المصالح والأهداف الصهيونية مع المصالح والأهداف الأمريكية حد التطابق، وفق ما يؤكد ترامب مراراً، حتى أن دفعت دول المنطقة مبالغ فلكية إضافية على ما دفعته في جولة الرئيس الأمريكي لثلاث دول خليجية قبل عدة أسابيع.

تسبب العدوان الصهيوني على قطر في تبديد جزء من وهم الحماية الأمريكية-الغربية لدول الخليج العربية، وتأكدت أهمية الاعتماد على الداخل بدلاً من الاعتماد على الحماية الأجنبية التي لن تأتي بالمن والسلوى للمنطقة بقدر ما أنها تبحث عن مصالحها في منطقة ملتهبة.

فما هي جذور وأبعاد اتفاقية الدفاع المشترك السعودية الباكستانية؟

تعود العلاقات بين الرياض وإسلام آباد إلى تاريخ تأسيس الدولة الباكستانية عام 1947 عندما قررت باكستان بقيادة محمد علي جناح الانفصال عن الهند عشية الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية التي خرجت مثخنة بالجراح من الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، فقد وجدت السعودية أنه يمكن لباكستان المؤسسة للتو أن تكون حليفاً مهماً في العالم الإسلامي، إذ كانت الرياض بحاجة لصداقات وتحالفات تعزز مكانة الدولة السعودية الثالثة الفتية، التي تأسست في 1932. كانت باكستان الوليدة بحاجة للدعم الاقتصادي والسياسي، وكانت السعودية تمتلك ثروة تشكل عصب الاقتصاد العالمي ومحركه، ألا وهي الطاقة، فزودت الرياض إسلام آباد بها بأسعار تفضيلية لعدة عقود، فضلاً عن القروض الميسرة والمنح التي ساعدت الاقتصاد الباكستاني على النهوض، وقابلتها إسلام آباد بمواقف سياسية داعمة للسعودية وبدخولها تحالفات إقليمية كما هو الحال مع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي تشكل إثر حرب اليمن في 2015. والبلدان عضوان أساسيان في منظمة التعاون الإسلامي. وتعد السعودية واحدة من أقوى المؤيدين لباكستان خلال حروبها مع الهند، وهي عارضت قرار انفصال بنغلاديش عن باكستان في عام 1971. وحول الصراع في كشمير، تدعم السعودية موقف باكستان، وتؤيد الموقف الباكستاني في عملية السلام الهندية الباكستانية. أما إزاء التدخل السوفييتي في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، فقد دعم البلدان، مالياً وسياسياً وبشكل كبير، حركة المجاهدين الأفغان وتم الدفع بمتطوعين عرب للحرب هناك. وخلال حرب الخليج الثانية في الفترة 1990-1991، أرسلت باكستان قوات لحماية الأماكن المقدسة في السعودية، رغم أن بعض السياسيين والقادة العسكريين الباكستانيين عبروا عن وقوفهم إلى جانب النظام في العراق وغزوه للكويت.

شكلت هذه العلاقات التاريخية أرضية صلبة لتطوير العلاقات السعودية الباكستانية بما يسمح بالتقدم خطوات نحو تحقيق هذا الاتفاق.

العلاقات الاقتصادية

تعتبر السعودية أكبر مصدر للنفط لباكستان وتقدم لها مساعدات مالية كبيرة، وفيها نحو مليوني مهاجر من العمالة الباكستانية يحولون أكثر من 4.5 مليار دولار سنوياً، تشكل مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية لباكستان. وقد تعززت العلاقات إلى أبعد من الدعم النفطي والقروض، وخطا البلدان في السنوات الأخيرة نحو الأمام ووضعا خططاً لتوسيع التعاون الثنائي في مجالات التجارة والتعليم والعقارات والسياحة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والزراعة. تحتل السعودية المرتبة الثانية على مستوى المنطقة بصفتها شريكاً تجارياً لباكستان، والرابعة على مستوى العالم، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في السنوات الخمس الماضية أكثر من 80 مليار ريال (21.3 مليار دولار). وتساهم السعودية في تطوير العلاقات التجارية مع باكستان من خلال مجلس التعاون الخليجي، والذي وقع مع إسلام آباد اتفاقية تجارة حرة في 2023. نشير إلى أن حجم التبادلات التجارية بين باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي في العام 2022 قد بلغ 23.3 مليار دولار أمريكي، حسب المركز الإحصائي الخليجي، وأنه في عام 2019، قررت السعودية دفع 20 مليار دولار لتمويل المشاريع التنموية في باكستان. وفي أبريل 2024 أعلنت السعودية وباكستان التزامهما بتسريع الموجة الأولى من حزمة استثمارية بقيمة 5 مليارات دولار.

كما أعلنت شركتا أرامكو وسابك السعوديتان عن إقامة مصفاة للنفط وصناعة البتروكيماويات بقيمة 10 مليارات دولار في المياه العميقة لميناء جوادر في إقليم بلوشستان تبلغ طاقتها المقترحة 500,000 برميل يومياً. وفي النصف الثاني من سبتمبر/أيلول 2025 أعطت السعودية موافقتها النهائية على بناء المصفاة التي ستساهم في عملية نقل النفط من السعودية إلى الصين ودول آسيا الوسطى وستختصر عملية نقل الوقود إلى الصين عبر باكستان لتستغرق 7 أيام فقط، في حين كانت تستغرق 40 يوماً من خلال الطريق الغربي عبر المحيط الهندي، علماً أن الصادرات النفطية السعودية إلى باكستان في 2024 قد بلغت 15.4 مليار دولار. وكانت السعودية قد أقرضت باكستان 3 مليارات دولار في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي لدعم الاحتياطي من النقد الأجنبي.

 

اتفاقية الدفاع المشترك

ربما يكون التعاون الأمني والعسكري هو العمود الفقري للعلاقات بين البلدين. فالدولة الباكستانية التي يبلغ عدد سكانها 255 مليون نسمة، وهو يعادل عدد سكان تركيا وإيران والسعودية مجتمعين، ما يجعلها عمقاً بشرياً مهماً لدول مجلس التعاون الخليجي الذي لا يتجاوز عدد سكانه 61.2 مليون نسمة أكثر من نصفهم من الأجانب الوافدين للعمل من عشرات الدول.

تشكل العلاقات الأمنية والعسكرية أهمية كبيرة منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث استعانت السعودية بالخبرات الباكستانية في تدريب قواتها المسلحة. وبرز الدور الباكستاني في سلاح الجو بشكل خاص، عندما شارك طيارون باكستانيون في حماية الأجواء السعودية في فترات التوتر في المنطقة، ومنها تأمين المنشآت الحيوية السعودية في ثمانينيات القرن الماضي إبان اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية.

نشر موقع "غلوبال فاير باور" المختص بالشؤون العسكرية للدول، إحصائية لعام 2025، بين فيها أن البلدين يشكلان قوة عسكرية كبيرة لا يستهان بها إذا تم تفعيلها في أي عمل عسكري ومنه مواجهة التغول الصهيوني. فوفق التصنيف الدولي تعتبر السعودية القوة العسكرية رقم 24 من أصل 145 دولة، وبعدد سكان يبلغ 34 مليون نسمة، بينما تصنف باكستان القوة العسكرية رقم 12 عالمياً بعدد سكان يبلغ 255 مليون نسمة. وتبلغ القوة العسكرية البشرية للسعودية 407 آلاف فرد، فيما تبلغ القوة العسكرية الباكستانية 1.7 مليون فرد.

جاء توقيت اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان في وقت تشهد فيه المنطقة العربية تطورات دراماتيكية خطيرة خصوصاً لجهة استمرار الآبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي تقوم به قوات الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة والضفة الغربية بحق الشعب الفلسطيني، حيث يقترب عدد الشهداء من 70 ألفاً أكثر من نصفهم أطفال ونساء بخلاف آلاف المفقودين وأكثر من 150 ألف جريح، فضلاً عن 90 بالمئة من السكان قد أُجبروا على النزوح لعدة مرات، تجسيداً لأهداف الكيان والولايات المتحدة الأمريكية في طرد أهالي غزة من القطاع لتنفيذ مخطط "إسرائيل الكبرى". وربما يكون التوقيت قد جاء ليرسل أيضاً رسائل إقليمية ودولية إزاء أمن الخليج العربي الذي يعيش في منطقة تعاني من عدم الاستقرار منذ عقود طويلة.

إن أهم بند نصت عليه الاتفاقية هو "إن أي عدوان على أي من البلدين يُعد عدواناً على كليهما"، وهذا يعني الأمن الجماعي الذي تسير إليه التحالفات الدولية والإقليمية مثل حلف الناتو.

نصت الاتفاقية أيضاً على "تعزيز برامج التدريب العسكري عبر تبادل الخبرات وإرسال بعثات مشتركة، إلى جانب التعاون في الصناعات الدفاعية"، حيث تسعى السعودية لتوطين 50% من صناعاتها الدفاعية، وباكستان تملك خبرة متقدمة في مجالات التصنيع العسكري وخاصة في الذخائر الخفيفة وتكنولوجيا الصواريخ والطائرات من دون طيار، مما يجعل هذا التعاون رافعة عملية لطموحات الرياض في بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية، وتجسيداً لرؤية 2030.

الأكثر حساسية هو البعد النووي غير المباشر، فباكستان دولة نووية معلنة تمتلك نحو 170 رأساً نووياً، كما تمتلك ترسانة معتبرة من الرؤوس والصواريخ الباليستية، بينما لا تمتلك السعودية قدرات نووية عسكرية لكنها تملك موارد مالية هائلة وشبكة تحالفات إقليمية. وأن الإشارة في الاتفاقية تؤكد على أن الدفاع المشترك يشمل الأسلحة النووية، وفق تصريحات مسؤولين سعوديين وباكستانيين.

لم تكن الاتفاقية وليدة العدوان على قطر، بل هي نتاج عمل مشترك بين الرياض وإسلام آباد امتد لعدة سنوات، ونتاج علاقات وثيقة، فالمسؤولون السعوديون يؤكدون أن المفاوضات بين الطرفين استمرت ثلاث سنوات، بل إن شبكة بي بي سي البريطانية نشرت تقريراً في نوفمبر العام 2013، كشف فيه أن السعودية ربما تكون أقرب للحصول على الأسلحة النووية من إيران. وأشار التقرير إلى أن "الرياض ضخت استثمارات ضخمة في مشاريع باكستانية للأسلحة النووية وذلك للحصول عليها في حال أرادت ذلك". وذكر التقرير أن معلومات (إسرائيلية) بشأن استعداد السعودية حالياً لتسلم رؤوس حربية جاهزة لصواريخها بعيدة المدى وصلت إلى الاستخبارات الأمريكية والاستخبارات في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

لا شك أن توقيع الاتفاقية أثار الكثير من ردود الفعل المعلنة والصامتة، الصاخبة والهادئة. ثمة أطراف معنية بما حصل وعلى رأسها:

فالكيان الصهيوني الذي يبدو أنه لم يحسب حساباته بدقة كبيرة عندما هاجم قادة حماس في الدوحة، خصوصاً أن استخباراته والاستخبارات الأمريكية يمكن تعقبهم خارج منطقة الخليج، وفق تقديرات العديد من مسؤولي المنطقة والمراقبين. يرصد الكيان التحرك الباكستاني تجاه السعودية خصوصاً والخليج عموماً، وهو يسعى لتشكيل طوابير خامسة من العمالة الوافدة التي تغرق أسواق العمل الخليجية ويمكن اصطياد العديد منهم بحفنة من المال. وعندما يفكر الكيان في تنفيذ مخططاته عن الشرق الأوسط الكبير و"إسرائيل الكبرى" فإنه ينظر لاتفاق كهذا يشكل خطراً عليه ويكشف مراميه التوسعية وأهدافه الحقيقية التي كانت مخفية بأقنعة كشف السابع من أكتوبر الغطاء عنها.

أما إيران فهي الطرف الثاني الذي يراقب مسار الاتفاق وتفاصيله. فالتوجس الذي تبديه طهران من هذا الاتفاق عندما يتحول الاتفاق إلى حلف يواجه إيران والعراق واليمن ولبنان. وهذا يضع إيران أمام خيارات معقدة في كيفية التعامل مع هذا الاتفاق، وذلك بفحصه جيداً والتأكد من أنه لا يستهدفها بل يستهدف التوسع الصهيوني الذي أعلن عنه نتنياهو ومسؤولون صهاينة عدة مرات منذ طوفان الأقصى.

كما أن الهند معنية أيضاً وربما أكثر من غيرها حيث أن الاتفاق وقع مع دولة جارة تربطها حدود كبيرة وعداوات ممتدة منذ تأسيس الهند وباكستان عام 1947، حيث خاضت ثلاث حروب كبيرة أهمها انفصال بنغلاديش (باكستان الشرقية) عن الوطن الأم في العام 1971، بينما لا يزال جرح كشمير نازفاً بين البلدين. ولم تهدأ على الحدود التي تمتد لنحو 1250 كيلومتراً إلا بعد تحول البلدين إلى قوتين نوويتين. ورغم بعض التفاهمات، فإن التوترات المتراكمة تطغى أحياناً وتتفجر كما حصل في مايو 2025 عندما حصلت المواجهة الجوية المحدودة التي انتهت بسرعة، وربما بفضل الصواريخ الصينية. وفي هذا السياق تسعى السعودية للتوازن بين توقيع الاتفاق مع إسلام آباد وبين تمتين واستقرار العلاقة مع نيودلهي، حيث أعلنت السعودية في 2019 أنها سوف تستثمر 100 مليار دولار في الهند. وخلال الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي تم التوقيع على 50 اتفاقية بين البلدين تستثمر بموجبها الرياض عشرات المليارات من الدولارات. يُذكر أن السعودية مورد نفطي رئيسي للهند حيث يبلغ حجم التصدير نحو 1.934 مليون برميل يومياً وهو ما يعادل نحو 31.5% من إجمالي الصادرات النفطية السعودية.

ولا يمكن غض النظر عن الدور التركي. فبالرغم من أنها لا تمتلك حدوداً مع السعودية وباكستان، لكنها معنية بالتوازنات في المنطقة وتبحث لها عن دور إقليمي فاعل بعد أن يئست من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وهي قوة لا يستهان بها وتعلن وقوفها في الآونة الأخيرة ضد الصلف الصهيوني، إعلامياً على الأقل، وربما ترى في هذه الاتفاقية إضعافاً نسبياً لموقعها في منطقة الخليج. بيد أن الأطماع التركية في سوريا والعراق تجعلها مترددة لتراجع مجمل المواقف ومناطق النفوذ التي يمكن تقاسمها مع الآخرين، دون فقدان علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع المنطقة والتي تعتبرها أنقرة ضرورية لاقتصادها وحياة شعبها المعيشية.

أما الولايات المتحدة فهي لم تعلن ردود فعل واضحة تجاه الاتفاق العسكري بين الرياض وإسلام آباد، فالبلدان "حليفان"، لكنها تتحسس ردود فعل مجلس التعاون على تواطؤ إدارة ترامب مع نتنياهو إزاء استهداف قادة حماس في الدوحة. فمبررات ترامب لم تُقنع دول المنطقة عندما ادعى أنه لم يكن على علم بالعدوان قبل حدوثه، ودول الخليج العربية استرجعت واستذكرت العدوان على إيران في يونيو/حزيران الماضي، حيث كان يُحدد موعد المفاوضات على البرنامج النووي، في الوقت الذي كانت فيه الإدارة الأمريكية تخطط مع الكيان لضرب المفاعلات النووية الإيرانية، وقد شاركت واشنطن في الهجوم على مفاعل "نطنز" وهو الأهم بين المفاعلات. ربما تشعر واشنطن أن قبضتها المطلقة على المنطقة قد ارتخت بعض الشيء بسبب الموقف من هجوم الدوحة والشراكة فيه فضلاً عن إرهاصات تشكل عالم متعدد الأقطاب، بينما تجد دول مجلس التعاون وفي مقدمتها السعودية أن الاستثمارات الفلكية التي تم ضخها في الاقتصاد الأمريكي، لا تجدها إدارة ترامب كافية لحمايتها من تغول الصلف الصهيوني، ما قادها للبحث عن خيارات أخرى للحماية.

خلاصة القول من خلال استعراض دوافع وجذور اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان، يتضح أن المنطقة مقبلة على تطورات تحمل في طياتها احتمالات عديدة بما فيها الاحتمالات المتناقضة. بيد أن هذه الاتفاقية كشفت حاجة دول مجلس التعاون الخليجي إلى رؤية جديدة إزاء أمن المنطقة لا تقتصر على النظرة الصنمية للجوانب الأمنية والعسكرية البحتة، بل تفرض أهمية الشروع في تنفيذ رؤية التنمية الإنسانية الشاملة باعتبار الإنسان وسيلة وهدف فيها.