امتدت حرب الإبادة الشاملة في غزة منذ أوائل شهر تشرين أول/ أكتوبر 2023 إلى اليوم، وقد قاربت السنتين. طوال هذه المدة استمرت الدول الغربية في مواقفها المنحازة إلى الكيان الصهيوني، بينما ظلت الإدارة الأمريكية مشاركة في المواقع الأمامية للقتال إلى جانب الكيان الصهيوني بهدف تصفية القضية الفلسطينية وإبادة الشعب الفلسطيني، والقضاء على فرص بناء دولة فلسطينية مستقلة. لقد واصلت الولايات المتحدة تزويد الكيان الصهيوني بأحدث الأسلحة الفتاكة شديدة التدمير، بالإضافة إلى المعلومات الاستخبارية، والتضليل السياسي والإعلامي والإنساني. وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال دور شركات توزيع الأغذية الوهمية التي تدعي تقديم المساعدات الإنسانية، بينما هي في حقيقة الأمر أدوات تهدف إلى تجويع الناس المحاصرين وابتزازهم من أجل جمع المعلومات الاستخبارية عن الأسرى الصهاينة والمواقع المحتملة لتنقلات المقاتلين الميدانية. وينبغي القول إن استخدام المساعدات الإنسانية والتجويع كسلاح سياسي هو انتهاك صارخ للقوانين الدولية وحقوق الإنسان. غير أن هذه الممارسات العنصرية التي تحمل طابع النازية والفاشية ليست مستغربة من الدول التي مارست حرب الإبادة ضد شعوب أخرى حول العالم، وساهمت بإنشاء الكيان الصهيوني ودعمه سياسياً، واقتصادياً وعسكرياً وتقنياً منذ السنوات الأولى لتأسيسه عام 1948. بل، وساعدته بشكل مباشر في تطوير منشآته النووية ليصبح رأس الحربة في السيطرة السياسية والاقتصادية على المنطقة العربية.
غير أن ما يُثير الاستغراب أكثر من مواقف تلك الدول الغربية، هو الموقف العام للدول العربية، مجتمعة ومتفرقة، التي لاذت بالصمت المخزي منذ اليوم الأول للحرب. لم تكتفِ تلك الدول بالصمت، بل وقف العديد منها إلى جانب الكيان الصهيوني في عدة مواقف مخزية أظهرت انعدام النخوة والشهامة، كما أظهرت حالة التشرذم والضعف السياسي والاقتصادي، كذلك عكست غياب المشاعر والروابط القومية، باستثناء المواقف المشرفة لبعض الأطراف. فقد اتخذت اليمن حكومةً وشعباً مواقف مشرفة، وكذلك المقاومة اللبنانية بكافة أشكالها، بالإضافة إلى بعض الأصوات الحرة في بعض الدول العربية. إلا أن الموقف العام للدول والحكومات العربية كان منحازاً إلى المواقف الأمريكية والصهيونية بشكل مباشر وغير مباشر. وقد تمثلت هذه المواقف في عدة جوانب كما يلي:
أولاً – الانحياز إلى الرواية الصهيونية الأمريكية. منذ بداية عملية طوفان الأقصى، تبنّت بعض الدول العربية رواية الكيان الصهيوني، حيث أدانت العمليات العسكرية الفلسطينية واعتبرتها عملاً إرهابياً، متجاهلةً أن الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية مستمر منذ عام 1948. كما أن الكيان الصهيوني مارس عمليات التنكيل والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين منذ العام 1948 وحتى اليوم.
ثانياً - المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الصهاينة. منذ بداية عملية طوفان الأقصى دعت بعض الدول العربية إلى إطلاق سراح "الرهائن"، وذلك باعتبار أن المعتقلين الصهاينة هم رهائن عمل إرهابي. بينما جرى تجاهل وجود الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات الصهيونية والتعذيب الوحشي الذي يتعرضون له، وأن عددهم تجاوز عشرات الآلاف، دون أن يذرف أحد دمعة واحدة على معاناتهم.
ثالثاً – التنديد بالمقاومة الفلسطينية. منذ اليوم الأول للحرب، تركزت الإدانات على حركات المقاومة الإسلامية مثل حماس، والجهاد الإسلامي، وتم تصنيفها كجماعات إرهابية متطرفة، مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، التي صنفتها بعض الدول العربية كجماعة إرهابية خارجة عن القانون. لقد تجاهلت تلك الحكومات دور فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى في القتال وأن تلك الفصائل كانت موجودة على الأرض منذ عقود، وقبل استقلال معظم الدول العربية، تقاتل جيش الاحتلال وتسعى إلى تحرير الأرض، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وبناء دولة فلسطينية مستقلة. وينبغي القول إن هذه الحملات الدعائية الممنهجة التي تصور هذا الصراع التاريخي على أنه قتال بين الكيان الصهيوني وبعض الجماعات الإسلامية يهدف إلى تشويه حقيقة النضال الفلسطيني المشروع من أجل الحرية والاستقلال، ونزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية. هذه السياسة تخدم بوضوح مصالح الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية وتبرير حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.
رابعاً – منع أي عمل تضامني مع الشعب الفلسطيني. عمدت بعض الحكومات العربية إلى التضييق على نشاط المنظمات الشعبية للتضامن مع السكان المدنيين المحاصرين في غزة، بما في ذلك منع التظاهرات، وحملات مقاطعة الكيان الصهيوني وبضائعه، أو إقامة حملات جمع التبرعات والدعم الإنساني، ما أدى إلى عزل الشعب الفلسطيني عن عمقه العربي والإسلامي. ويمكن القول أن القيود الصارمة التي تفرضها بعض الدول العربية، بالإضافة إلى عمليات القمع، قد يفسران الصمت المطبق الذي لازم مواقف معظم الشعوب العربية، وعدم حدوث أي تحرك جماهيري حتى الآن.
خامساً – إقفال المعابر البرية ومنع دخول المساعدات بالتنسيق مع الكيان الصهيوني. قامت بعض الدول بإغلاق المعابر الحدودية ومنعت دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات إلى المحاصرين في قطاع غزة بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود، ما ساهم في تشديد الحصار وتفاقم المجاعة بين المحاصرين. وقد تزامن ذلك مع الحصار البحري الذي يقوم به الجيش الصهيوني ضد سفن التضامن العالمية.
سادساً – المساعدات المشروطة بالتنسيق مع الاحتلال. قامت بعض الدول العربية بتقديم بعض المساعدات عن طريق رميها من الجو. وجاءت تلك العمليات من خلال التنسيق المباشر مع الكيان الصهيوني ما يشير إلى قبول واضح بالحصار والتجويع. لكن ظهرت تلك العمليات الهزيلة كمحاولة بائسة لتجميل صورة الاحتلال الذي يسمح بالمساعدات، وصور تلك الحكومات العربية العاجزة أمام شعوبها. وهكذا، جاءت تلك العمليات المنسقة بديلاً عن الدعم الحقيقي للسكان المحاصرين في غزة ضد العدو الذي يمنع عنهم الدواء والغذاء والوقود والماء الصالح للشرب.
سابعاً – إدانة أعمال المقاومة المساندة لغزة. أدانت بعض الدول العربية أيضاً أشكال المقاومة المسلحة العابرة للحدود، بما في ذلك حرب الإسناد التي قامت بها المقاومة اللبنانية، وكذلك الصواريخ الإيرانية واليمنية. أكثر من ذلك ساهمت بعض الدول العربية باعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية واليمنية التي استهدفت الكيان الصهيوني، بينما وافقت على العكس. هذه المواقف عكست بوضوح تام انحياز تلك الدول إلى جانب الكيان الصهيوني.
ثامناً – دور الوسيط الحيادي في المفاوضات. قامت بعض الدول العربية بتأدية دور الوسيط المحايد في المفاوضات بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية. وفي كثير من المواقف كان الوسيط العربي يوجه اللوم للفلسطينيين معتبراً أن الفلسطينيين والصهاينة متساوون في المواقف والإجرام، وقد تجاهل الوسيط العربي تماماً واقع الاحتلال والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه. بينما تباهت بعض الدول العربية بمواقفها الحازمة ضد الحرب في أماكن أخرى حول العالم.
تاسعاً – تطوير التطبيع مع الكيان الصهيوني. منذ بداية حرب الإبادة في غزة لم تبادر أي من الدول العربية المطبعة إلى قطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني أو سحب السفراء كما فعلت بعض الدول حول العالم. على العكس من ذلك، استمرت بعض الدول العربية في مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتبادل الزيارات وتوسيع أطر الشراكات السياسية والاقتصادية والأمنية معه، في إطار ما يُسمى بـالاتفاقيات الإبراهيمية.
إن هذه المواقف العربية المخزية التي انحازت بشكل واضح إلى جانب الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية، وتبنت رؤيتهما السياسية أدت إلى القضاء كلياً على الموقف العروبي الجامع، الذي كان من الممكن أن يمثل قوة موحدة قادرة على وقف حرب الإبادة في غزة. كما حصل في حرب أكتوبر 1973، حين قامت بعض الدول العربية بوقف إمدادات البترول عن الدول الغربية في موقف عربي موحد دعماً للمجهود الحربي في مصر وسوريا آنذاك. لقد كشفت حرب الإبادة هذه المستمرة منذ نحو السنتين عن مستوى التغلغل الصهيوني والأمريكي في القرار العربي، كما بين استعداد بعض الدول العربية للتضحية بالقضية الفلسطينية من أجل مصالحها الضيقة. هذه المواقف السياسية المخزية لبعض الدول، كانت تصنف في الماضي القريب على إنها خيانة للقضية الفلسطينية، التي كانت تعتبر القضية المركزية للدول العربية. اليوم، تغير المشهد السياسي كلياً. وما كان يصنف تحت باب الخيانة بات يُسمى بالواقعية السياسية، أو المصالح الوطنية العليا لهذه الدولة أو تلك. وهذا يُشير بوضوح إلى الأزمة العميقة السائدة في العالم العربي، حيث تعاني الدول العربية من انقسامات وصراعات داخلية حادة تراكمت عبر سنوات طويلة من الصراع على القرار والسلطة والنفوذ في المنطقة، غذتها الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني. هذا الواقع جعل من الدول العربية مجموعات مشرذمة ومنقسمة تستجدي وساطة الكيان الصهيوني وحمايته، وتعتمد في استمراريتها على دعم الإدارة الأمريكية وحمايتها. ولا شك أن هذه المصالح المشتركة بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني أدت إلى تراجع فكرة العروبة والمصير العربي المشترك، واندحار المشروع القومي العربي الذي يجمع الدول العربية ويوحد صفها وجهودها أمام العدو المشترك.
لا بد من القول، إن هذه المواقف المنحازة إلى الكيان الصهيوني لا تضر بالقضية الفلسطينية فقط، بل توجه الضربة القاصمة إلى مستقبل الأمة العربية جمعاء، ويجعلها قبائل متفرقة وتفقد دورها في العالم.
في ظل هذا الواقع المؤلم، فإن المطلوب اليوم العودة إلى الجذور الفكرية والسياسية التي انطلقت على أساسها المقاومة الفلسطينية من أجل فهم التحولات الجارية في المنطقة. صحيح أن حرب الإبادة في غزة تستهدف إبادة الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته الوطنية لصالح المشروع الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، غير أن تلك الحرب تستهدف المنطقة برمتها من أجل تمدد المشروع الصهيوني الأمريكي وإحكام قبضته على كامل المنطقة العربية. وهذا الوضع يتطلب إجراء مراجعات شاملة للمواقف العربية والدولية وتقييم من هم الأصدقاء ومن هم الأعداء، وتبنى السياسات والاستراتيجيات التي تساعد على مواجهة هذا العدوان الصهيوني الأمريكي. لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الشعوب التي تناضل من أجل حقوقها المشروعة لا بد أن تنتصر، وأن الاحتلال إلى زوال.

