لقد فقد القلم دمه، يتجرّع كأس الموت هو الآخر، ونبض الكلمات يلفظ أنفاسه الأخيرة، كأنّ النجاة أمرٌ مريح في الحياة! ذاك الفراغ المُطبِق يعتلي الصفحات، يلتهم الصمت، فالفقر لا يُقاس برغيف الخبز فقط، فالبعض فقير حين لا يكتب، والقاع مهجور تتساقط درجاته من الزمن، فيتغيّر المكان، وتتهاوى الأرواح كما أوراق شجرة البلوط في باحةٍ موحشة، بجنون... بجنون.
تهوي المشاعر نحو حتفها دون أن تُكتب، بلا مرافقة، بلا إحساس. مؤلمٌ ذلك، كأنّها جنازة تمرّ بلا وداع، بلا دموع، كأنّ العالم قد نسيهم. الحبّ والحرب وجهان لنفس المصيدة، فخٌّ نصبته لنا السماء منذ الأزل، والهواء ممتلئ بالخيبات والنار.
في الحرب، الموت يصبح لغة، وفي الحبّ، الفراغ يصبح مرساةً للجنون. وجنون القلب طفلٌ هارب لا يعرف برهةَ أمان. الأجساد تتأرجح بين الحنين واليأس، والذكريات كالرصاصات تُصيب الروح قبل الجسد، وتخلّف صدى لا ينتهي من صرخةٍ مختنقة. الزمن هنا لا يشفي، بل ينهش ما تبقّى من الإنسان، تاركًا قلبه معلّقًا بين الغياب والبقاء، صامتًا، هائمًا، يصرخ في صمتٍ جنونيّ بلا رحمة.
حتى الشهيد الذي أحبّه، لم يعُد قادرًا على تحرير الكلمة من جسده، بل من دمه!
أيُّ حزنٍ هذا الذي يبتلع القلب حتى آخر نبض؟ للقلب حدود، وللعقل سقف، لكنّ الحزن تجاوزهما معًا حتى صار أثقل من أن يُحتمل. لم تعُد الكلمات تفي بالغرض، ولم يعُد الصراخ مجديًا؛ فالصمت وحده بات عصا العاجز، ملاذَ من ضاقت به اللغة وتكسّرت على لسانه المعاني.
هل نحن في زمنٍ تسبق فيه الرصاصةُ الكلمة؟
صرخة طفلٍ في العدم قادرة على زلزلة عرشٍ متين، لأنّ البراءة حين تُذبح تكشف عُري العالم كلّه. الموت لم يعُد موتَ إنسانٍ واحد، بل صار موتًا متكررًا للفكرة، وللعدل، وللمعنى ذاته. فما جدوى إنسانيةٍ تنسى نفسها وتدفن كرامتها مع أول قبرٍ يُحفر؟
وحين يتحوّل الدم إلى مشهدٍ عابر، ويغدو الفقد عادةً يومية، يفقد الموت قيمته، ويفقد الإنسان ملامحه. عندها نبحث عن قبر الإنسان ذاته، ذاك الكائن الذي وعد بالحرية والعدل ثم خانهما. وربما، في لحظة يأسٍ جارحة، نتبوّل على قبره كصرخةٍ ضد عصرٍ لا يليق إلا بالخراب.
أيّ سقوطٍ مُدوٍّ هذا؟ لم يعُد حتى قادرًا على نسج الخيوط ليصنع كنزةً جميلة، لقد فقد براعته في لعب الليغو! كان بارعًا، أيّ سقوطٍ هذا..!
هو يدرب نفسه على حبّها كما يدرب العاشق نفسه على تجرّع نبيذٍ معتّق؛ كلّ رشفةٍ تحمل ثِقَل الزمن ورائحة الذاكرة، وكلّ لحظةٍ معها كأنّها انسكابٌ أول على حافة الروح. اللقاء الأول لا يزول، بل يورق في كل لقاءٍ جديد، يكرّر ذات الدهشة، ذات الارتباك، ذات الرجفة التي لا تعتادها القلوب. لا زمن يملك حضورهما، ولا مكان يقوى على احتوائهما؛ هي وحدها سرٌّ يفضح هشاشة اليقين وقوة العاطفة. يحاول أن يكون عاديًا، أن يروض الاندفاع، لكن الاعتياد لعنة تقتل البرق، فيما الحبّ نبيذٌ يزداد عمقًا كلّما طال مقامه في جرار الغيب.
يا للسخرية، لا يقصد هنا إلا الكلمة!
الحبّ والموت وجهان لسرٍّ واحد؛ كلاهما يقتحم الروح دون استئذان ويتركها معلّقة بين الوجود والعدم. في الحبّ نموت عن ذواتنا لنولد في الآخر، وفي الموت نغادر الآخر لنعود إلى صمتنا الأول. كلاهما امتحانٌ للروح في قدرتها على التسليم؛ فالحبّ يفتح جرحًا لا يلتئم إلا باللقاء...
اللقاء مع الكلمة.
والموت يترك فراغًا لا يملؤه سوى الذكرى. وبينهما، يتأرجح الإنسان ككائنٍ هشّ، يحاول أن يمنح لحياته معنى، فيدرك أن الحبّ شكلٌ من أشكال الموت الطوعي، وأن الموت، بدوره، قد يكون عناقًا أبديًا لا ينقطع مع المعنى.
يعلم أن اليوم لم تُغلق أبوابه بعد، لكنه يقرع جدران الصمت كمن يطلب شربة ماء في صحراء ليلٍ طويل. يصرخ بملء قلبه، فيجد الكون يستجيب بصدى باهت؛ يومٌ يتشح بالسواد كما لو أن النهار ارتدى ثوب حدادٍ سرق الضوء من عينيه. هل مرّ بك أن يعتصر النهار من حولك بلا معنى؟
عقارب الساعة تنزلق كأنها بلا إحساس، تقطع الوقت دون أن تمنحنا لحظة، وتقضم الدقائق كوجبةٍ بلا طعم. السبب واحد: غيابك. لا تضحكي من بساطته، فضحكتك الآن سخريةٌ تحوّل جروحه إلى استعراض. التزمي الصمت أمام الألم، فالصمت أصدق من كلماتٍ تجرح. يخشى أن تكوني من أولئك الذين يسكرون على آلام الآخرين، فهل له بضحكةٍ صغيرة تُنبّه النهار وتعيد له وجهه؟
ثمة أبواب داخلية لا تُفتح بالمفاتيح، بل بالجرح. وثمة كلمة تريد أن تصرخ بغير معنى، أن تخلع عن نفسها ستر الفضيلة المصطنعة وتعري هشاشتها كما هي.
نحن لسنا سوى مسرحٍ لانكسار الكلمات، نحمل عارها على أكتافنا كوسام، ونكسر مرايا المعنى كي لا نرى سوى أعيننا من الداخل. الكلمة، في النهاية، ليست خطيئة، لم تعرِّ جسدها، نحن الذين نحبها عارية، نريدها كذلك، فهي بتولٌ إلى الأبد.
القلم يتأرجح كأغنيةٍ مبتورة، والكلمة تتأرجح كظلٍّ على حائط الذكرى، قلبٌ لا ينبض إلا بارتجافات الموت، وعقلٌ يطرق أبواب العتمة كطائرٍ حبيس. حبلٌ صغير يلتف حول عنق الحكاية، لا يقطعها بل يعيد صياغتها في صمتٍ آخر.
كم هو هزيلٌ ذلك الفاصل بين أن تُقاد إلى نهايتك أو أن تمسك بزمامها بيديك. هل الفرق سوى اسمٍ آخر لوهم الخوف؟ في تلك اللحظة تتساوى المقصلة والممرّ الطويل إليها، تتساوى الخطوة الأولى مع الأخيرة. حبلٌ صغير، وذاكرةٌ تتدلّى، لكن الحكاية لا تنتهي، بل تبدأ في صمتٍ آخر لا يسمعه أحد.
لا تسأل عمّا يريد! لو كان قادرًا على الكلام لقتل القلم واحتضن الكلمة. هو فقط يقول ما قاله الشاعر الراحل مظفر النواب في قصيدته قافية الأقحوان:"ها أنا ثانيةً أَهتزُّ عشقًا لسماواتك، هل أنتِ تراني؟".

