مع كل يوم جديد تتحول الميادين في دول العالم إلى ساحات مواجهة تتعمق فيها الحدود والفواصل وتختلط الألوان لترسم لوحة متداخلة ما بين الفنون الإنسانية المختلفة في إطار لوحة إنسانية شاملة تجمعها التراجيديا الفلسطينية المقاومة التي أصبحت إطارا يجمع كل معارضي الاضطهاد الرأسمالي الصهيوني وامتداداته في جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والقانونية والإعلامية والفكرية .
هذه الانتفاضة التي هزت أركان وأسس التحالف بين الرأسمالية الصهيونية والغربية بحيث لم يعد هناك إمكانية لتحمل الغطرسة الصهيونية التي سارع السياسيين الغربيين إلى العمل من أجل لملمة آثار الغطرسة الصهيونية في محاولة إلى توجيه الاتهام إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية هي من تتحمل مسؤولية جميع هذه جرائم الابادة المعلنة ضد الانسانية لتغطي ان جوهر العدوانية يكمن في الأسس المعرفية والسياسية الصهيونية القائمة عليها دولة إسرائيل العدوانية الإحلالية.
الانتفاضة وضحت ان هنالك خيط رفيع يربط بين جميع أشكال الاضطهاد المركب والمتعدد المستويات والمتداخل في الاشكال بين ما هو اجتماعي وسياسي وإعلامي وقانوني وإنساني يشمل كافة نشاطاته العملية الإنتاجية والفنية والرياضية والاجتماعية العالمية وبين الأفعال الإرهابية الإجرامية لإسرائيل وجيشها.
دماء غزة دفعت الانتفاضة الإنسانية لتحديد بوصلتها الجامعة لكشف ورفع الغطاء عن كل النشاطات السياسية والعسكرية والقانونية والاجتماعية التي مارستها وتمارسها الصهيونية وامتداداتها في العواصم الغربية في تعارض مع مصالح شعوبها ووضحت أن معيارها ليس خدمة مجتمعاتها التي تتعمق فيها الأزمات السياسية والاجتماعية بل خدمة إسرائيل المعبر الأبرز عن عدوانية الصهيونية العالمية.
صراخ دماء غزة الذي يتفجر من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها عدل ناظم و معيار العدالة الانسانية وكشف الحقيقة واكد ان المعيار والناظم للعدالة الإنسانية ليس المعاداة للسامية بل القضية الفلسطينية ونضال شعبها الذي يدفع ثمنا عن معاناة الانسانية جمعاء من التحالف الرأسمالي الصهيوني الغربي الذي يستخدم المعاداة للسامية واجهة لاضطهاد الشعوب واسكات صوتها منذ أكثر من مائة عام.
صراخ دماء غزة فرض وقائع جديدة على المستويات الدولية والإقليمية والفلسطينية أهمها:
دوليا : أصبح هناك شبه اجماع على أن اسرائيل وعدوانيتها هي العامل الرئيسي في عدم الاستقرار الإقليمي وامتد ليشمل الاستقرار في المجتمعات الغربية التي كشفت أن سِياسييها وإعلامِييها وشركاتها الكبرى تعمل اولا من أجل إسرائيل الصهيونية وعدوانيتها الارهابية الاجرامية.
اقليميا: كشفت الحكومات العربية أن مهما قدمت من تنازلات سياسية واقتصادية ومالية لن تستطيع وقف العدوانية الصهيونية وأن الخلاف مع العدوانية الاسرائيلية ليس على سياساتها الارهابية الاجرامية في فلسطين بل مع الأسس الفكرية الصهيونية التي تستخدم الرواية الدينية من أجل تحقيق سيطرتها وتوسعها في المنطقة وان عدوانيتها ليس لها حدود جغرافية أو سياسية.
بعض الحكومات العربية أدركت أن المقاومة الفلسطينية واللبنانية وحلفائها هي الدرع الواقي لحمايتها سياسيا واجتماعيا وجغرافيا وأن مشكلتها ليس مع المقاومة بل مع عدوانية اسرائيل واجراميتها التي لا توقفها اتفاقات سياسية أو معاهدات وهي تبتز هذه الحكومات والنظم وتنظر اليهم على انهم نظم ضعيفة لا تستطيع حماية نفسها وهي بين المطرقة الإسرائيلية والسنديان الشعبي الذي كان دائما مع فلسطين.
هذا الموقف الصعب لهذه النظم التي قدمت كل ما لديها من أجل إسرائيل وعدوانيتها لتكتشف أن اسرائيل تسعى لتحقيق حلمها الفنتازي اللاهوتي الذي إن لم تواجهه عبر تغيير سياساتها وإعادة النظر باتفاقات ابراهام الذي تستخدمه من أجل السيطرة الكاملة على فلسطين وتتحول إلى السيطرة الكاملة على المنطقة.
هذا الموقف يجب أن يجعل النظم العربية أن تعيد حساباتها وتدرك ان الحامي لها ليس اسرائيل الارهابية العدوانية التوسعية بل هي شعوبها التي وقفت وتقف مع الحق الفلسطيني والعربي.
الاتفاقات فقدت مبرراتها السياسية والقانونية كإتِفاقات سلام بل كشفت أنها اتفاقيات تريد منها اسرائيل الاستسلام الشامل لهذه النظم وتنفيذ سياساتها وأوامرها وهذا تجلى بالعدوان على الدوحة وما رافقها من تبريرات وشروط اسرائيلية رافقت العدوان وتلته.
استمرارية عدوانية إسرائيل كشفت ان موقف الإدارة الأمريكية لا يقيم وزنا للنظم العربية عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الاسرائيلية التي يراها عمليا انها اولوية امريكية بل هي جوهر المصلحة الصهيونية الامريكية وان اللغة العدوانية الإسرائيلية هي تعبير معلن وملموس إجرائي يوضح العدوانية الامريكية على شعوب ونظم المنطقة التي استبدلت عدوانيتها المباشرة بعدوانية اسرائيل الارهابية الاجرامية.
المصلحة الإقليمية تتطلب إلغاء الاتفاقات بحدها الاقصى وتجميدها بحدها الأدنى وتحول السياسة الدفاعية الى سياسة هجومية سياسية تتلاقى مع موقف شعوب المنطقة وانتفاضة العالم.
محاولة الترويج ان الخلاف مع يمينية الحكومة الاسرائيلية هو تضليل سياسي تمارسه الحكومات الغربية وحلفائها على الشعوب.
التناقض الرئيسي هو مع الجوهر الفكري والسياسي والأسس المعرفية التي قامت عليها اسرائيل العدوانية التي أصبحت مركزا للصهيونية العالمية التي تمص دماء شعوب العالم عبر أخطَبوطِها الاقتصادي والسياسي الممتد في عواصم العالم الغربي والذي بدأ يهتز عبر صرخات الميادين التي ادركت ان سِياسِييها هم دمى صهيونية تتحرك ليس لمصلحتها بل خدمة للوبي الصهيوني المتحكم بمعظم حكوماتها اليَمينية وبعض يسارها
.
فلسطينيا:
الخطاب الرسمي المتوسل لم يعد يجدي نفعا ولا يحمي السلطة والشعب من العدوانية الصهيونية وهو خطاب لا يرتقي لحجم التضحيات والدماء الفلسطينية التي قلبت المعادلات الشعبية والرسمية الدولية تحت ضغط الشعوب التي خرجت إلى الميادين.
الخطاب الرسمي يجب أن يتلائم مع الحقائق الميدانية التي جعلت إسرائيل تغرق بِعداونيتها وارهابها واصبح الاحتلال الصهيوني الإحلالي عبئا عليها وكشف الجوهر الاجرامي والارهابي للأسس الفكرية بكافة تياراتها الصهيونية على أنها متناقضة مع جوهر العدالة الانسانية ومع كل محيطها من المحيط الى الخليج.
الخطاب الرسمي الفلسطيني يجب أن يعيد الاعتبار للجوهر التحرري الوطني الجامع التي قامت على أساسه الثورة الفلسطينية ويؤكد ان المقاومة الفلسطينية بكافة اتجاهاتها هي رد شرعي بعد أن عجزت المؤسسات الدولية عن تحقيق العدالة لفلسطين ولو لم يكن احتلال لما وجدت المقاومة بفصائلها والمشكلة ليست بالمقاومة بل بالاحتلال الإحلالي الاستيطاني العِدواني الإرهابي .
المقاومة هي النقيض الوطني التحرري للاحتلال خاصة أن هناك تحول في الوعي الدولي العام الذي ضغط على حكوماته لاخذ مواقف معلنة عبرت عن نفسها بحملة الاعترافات النوعية التي كانت تحت ضغط الانتفاضة العالمية من أجل فلسطين.
هذه الانتفاضة العالمية لم تتحقق من خلال اتفاقات كامب ديفيد وأخواتها بل من خلال مقاومة الشعب الفلسطيني ودمائه في غزة والضفة.
الدم الفلسطيني الذي أعاد صياغة الوعي الشعبي العام وحرره من الفكرة الصهيونية السائدة وكشف أدوات الصهيونية مثل ايباك ومثيلاتها واتجاهات اليمين الأوروبي النازي الذي أعلن عن تحالفه ودعمه لِعدوانية إسرائيل تحت شعار معاداة الإسلام الزائف الذي أشاعه من خلال دعمه لممارسات داعش وأخواتها وتفنن في إعطاء الشرعية للتنظيمات التي تمارس الإرهاب والقتل المعلن.
هذا التحول يجب ان يستثمر به لاعادة الروح في الرؤية التحررية الوطنية الفلسطينية والابتعاد عن الضخ بالشعار الديني لأنه يخدم التحريض الصهيوني في هجومه المعاكس على الانتفاضة العالمية من أجل فلسطين.
يجب التفكير في تنظيم هذا الزخم الشعبي في أطر اجتماعية وقانونية وسياسية من أجل المتابعة في محاسبة مجرمي الحرب وداعميهم من سياسيين في الحكومات الغربية عبر الدفع بدعاوى قانونية ضدهم في المحاكم بعنوان تشجيع الإبادة وتمويلها عبر المساعدات من دافعي الضرائب.
التحول في الرأي العام العالمي الذي يشكل أحد اشكال المقاومة للظلم والتسلط الصهيوني الإجرامي يتلاقى مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية واليمنية والإيرانية في وقوفها ضد التغول الاجرامي الارهابي الصهيوني.
بحيث أصبح صوت هند رجب صرخة هزت الضمير الوجداني الانساني وشكل نقطة تحول في اعتى المرتكزات الصهيونية الدعائية الاعلامية والمالية.
هذا الصوت هو الممثل الرسمي لضحايا الابادة في غزة بكافة أعمارهم ومهنهم ومقاوميها.
هذا الصوت الذي أعلن عن سقوط الرواية الأخلاقية الصهيونية وجعل معظم داعميها امام خيارين اما إعلان موقف معادي لها أو السكوت والتراجع والتحول للحياد.

