Menu

العرض العسكري الصيني: بين القوة والقوة المضادة

مسعود أحمد

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

في الذكرى الثمانين لانتصار الصين في حرب التحرير الشعبية على اليابان ، نظّمت بكين في الثالث من أيلول 2025 عرضًا عسكريًا ضخمًا استعرضت فيه قوتها العسكرية والتقنية، بحضور نحو 26 من قادة العالم، يتقدمهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وقد كشفت الصين، من خلال هذا العرض، عن جانب من قدراتها العسكرية النوعية، في رسالة وُصفت بالتاريخية، وأثارت قلقًا عالميًا واسعًا. لكن الرسالة الأقوى لم تكن فقط في مشهد العرض العسكري نفسه، بل في التفاعل الدولي، خاصة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، إذ عبّر رئيسها، دونالد ترامب، بوضوح عن إدراكه للمغزى الحقيقي لما أرادت بكين إيصاله. وقد دفع هذا الاستعراض العسكري إلى إعادة تقييم مكانة الصين العسكرية، وتفوقها الذي بات أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله. ومع ذلك، فإن الرسائل السياسية الكامنة خلف هذا المشهد المهيب لم تتضح بعد. غير أنه، في السياق الموضوعي العام، يمكن توقع ما هو أكثر عمومية ووضوحًا. الرسالة الأولى هي إمكانية الانتقال من قوة المنطق إلى منطق القوة؛ وذلك بعد سنوات من محاولة إعادة التوازن عبر إصلاح مؤسسات النظام الرأسمالي العالمي . وبصفتها قوة عظمى صاعدة، ترى الصين أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة الإصلاح التدريجي للنظام الدولي إلى فرض أمر واقع من موقع القوة. رغم انها لا تزال ، إلى الآن ، تعتبر المؤسسات الدولية أدوات مهمة – وإن كانت محدودة – في الحفاظ على السلم والاستقرار العالمي. أما الرسالة الثانية، فمفادها أن الصين لم تعد تمتلك قدرات دفاعية فحسب، بل تملك ترسانة هجومية متطورة يصعب مواجهتها، مما يفرض معادلة ردع جديدة في توازن القوى العالمية. في حين أن الرسالة الثالثة أرادت الصين أن تؤكد من خلالها تعزيز قناعة العالم بأن النظام الدولي يشهد تحولًا جذريًا قد يؤدي إلى إنهاء مرحلة التفرد الأميركي. غير أن هذه الرسائل لا ينبغي أن تُقابل بتفاؤل مفرط، إذ لا تزال هناك قضايا بنيوية عميقة تستوجب التوقف عندها واستشراف أبعادها . منها أن محاولات إبراز قطب عالمي جديد على أرضية الرأسمالية لا يشكل بحد ذاته هدفًا مثاليًا. وبحسب المعطيات الراهنة، من غير المرجح أن ينتج نظام دولي أكثر عدلًا ، إلا في حال اندلاع حرب كبرى تشارك فيها القوى العظمى بشكل مباشر، لا عبر حروب بالوكالة، بحيث تفرز واقعًا جديدًا تصنعه قوى جديدة على أرضية أيديولوجية نقيضة. وطالما بقيت العقيدة الرأسمالية تحكم التفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن معاناة الشعوب ستستمر، حتى لو تغيرت هوية الجهة المهيمنة. إذ إن الظلم الاجتماعي وما يترتب عليه من تداعيات لا يقتصر على جغرافيا محددة ، بل يشمل كل الأنظمة التي تمارس الاستغلال والقمع ، ما يعني أن انتصار قوى رأسمالية على أخرى واستبدال قطب رأسمالي بآخر لا يُغير شيئًا في واقع الشعوب المستعمَرة والطبقات الكادحة. وسيبقى المطلوب صعود قوى اجتماعية جديدة تحمل مشروعًا تحرريًا حقيقيًا، وتؤمن بالعدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها وتناهض الهيمنة الإمبريالية الكولونيالية بكافة أشكالها. وهذا هو جوهر النضالات الشعبية في العالم، التي لا تزال تحاول كسر قيود الاستغلال والتبعية ، رغم فشلها حتى الآن في تحقيق أهدافها، لأسباب كثيرة لا داعي لتكرارها. حيث إن الصراع الحقيقي ليس جيوسياسيًا بين دول وأقطاب رأسمالية، بل هو، في جوهره، صراع تاريخي طبقي بين الطبقة العاملة وحلفائها من جهة، والبرجوازيات المسيطرة التي تمارس أبشع أنواع الاستغلال والاضطهاد من جهة أخرى. فبعض القوى التي ترفع شعارات مناهضة للغرب الرأسمالي، تمارس هي الأخرى أشكالًا من الاستعباد والاستغلال الطبقي، وتنخرط في المنظومة الرأسمالية نفسها، حتى وإن لم تكن ذات طبيعة استعمارية بالمعنى الكلاسيكي، مما يضعف صدقيّتها ويشكك في جديتها في مواجهة الإمبريالية. وستبقى مشروعية الصراع ضد القوى الإمبريالية الكولونيالية تتحدد بناءً على طبيعة المصالح التي تمثلها القوى المناهضة لها. إن تجارب التاريخ تثبت أن الصراعات بين القوى الرأسمالية لم تكن يومًا في مصلحة الشعوب. فالحربان العالميتان الأولى والثانية كانتا صراعات بين قوى رأسمالية متنافسة على النفوذ والثروات، فيما دفعت الطبقات الشعبية ثمنها دمًا ودمارًا. من هنا، لا بد من طرح السؤال الأساسي: هل التوازنات الاستراتيجية المرتقبة ستخدم القوى والطبقات والشرائح البرجوازية الصاعدة؟ أم ستفضي إلى فتح الطريق أمام الشعوب والأمم المستعمرة والمقهورة للتحرر السياسي والاقتصادي ، وإلى إحداث تحسين ملموس في أوضاع الطبقات الشعبية ؟ بهذا المعنى، فإن الأهم ليس تغيير المركز المهيمن وأشكال الاستغلال والسيطرة ، بل تغيير الأساس الذي ترتكز عليه العلاقات الاقتصادية الحديثة واسلوب الإنتاج القائم على الاستغلال والعمل المأجور. إن التأكيد على المسألة الطبقية يستند إلى دروس التجربة التاريخية وما أفرزته من حقائق ، حيث استطاعت البرجوازية العالمية، مستندة إلى البرجوازية المحلية، اختراق التجارب التقدمية من داخلها. ولعل تجربة الاتحاد السوفيتي، الذي كان ثاني أقوى قوة عالمية، خير دليل؛ فقد سقط لا بفعل ضغوط خارجية فقط، بل بسبب تشكل بُنى طبقية برجوازية في داخله، تتناقص مصالحها مع التوجه الاشتراكي، مما أدى إلى تفجيره من الداخل. وقد يتكرر هذا السيناريو اليوم، إن لم يكن هناك وعي طبقي يرى الصلة بين الأسباب الاقتصادية والعواقب السياسية . وربما بعد العرض العسكري الصيني، الذي يعطي مدلولًا واضحًا بأن هزيمتها من الخارج غير واردة، فإن هذا قد يعزز القناعة بضرورة نخرها من الداخل . ولا شك أن التعددية القطبية تعد مرحلة انتقالية ضرورية نحو عالم أكثر توازنًا. بيد أن الهدف الأسمى فيتمثل في القضاء النهائي على نظام الطبقات والملكية الاستغلالية، وانتصار الحرية والاشتراكية ، باعتبارها الخيار الوحيد القادر على إنهاء استغلال الإنسان للإنسان، وتحرير البشرية سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا.