Menu

أهلاً بحرية الشاعر

مروان عبد العال

أحمد تيسير العارضة، الفدائي الذي يحوِّل القيد إلى قصيدة، ويزرع فلسطين في صدره كما تُزرع الشمس في قلب الظلام. ابن نابلس، جبل النار، الذي حوَّل زنزانته إلى حديقة شعرية، تتفتح فيها الكلمات كزهور منتصف الليل، وصمد 21 عامًا تحت حكم ثلاثة مؤبَّدات، دون أن تنطفئ شمعة الحياة، ودون أن تذبل أنوار القصائد في عروقه.

في ديوانك "خلل طفيف في السفرجل" (أكاديمية دار الثقافة ودار الفارابي) تسلَّلنا بين أبياته، فإذا بالكلمات تنبض بالحياة، تنسج خيوط الضوء والظل، وتحمل القارئ على موجات الشعر إلى عوالمك الخاصة. تتساقط هذه القوافي كندى على عتمة بوابة الزنزانة، تُنبت من الليل نورًا، ومن ثنايا الألم أجنحة تحمله إلى سماء بلا حدود، لتُعلن بصوتٍ يهزّ الصمت: الحياة تنتظرنا هناك، في البيت، في حضن الأم، حيث يولد الفجر كلَّ لحظة، وحيث الحرية تأخذ شكل النفس، شكل الدم، شكل الحب الذي لا يعرف القيود.

تنادي يافا، حبيبتك، كما ينادي القلب الأمل، تاركًا الفراغ علامة الحذف ليملأه الشوق، فتتحوَّل الكلمة إلى فعل، والنداء إلى رحلة في أعماق النفس والذاكرة. هنا يقف الأسرى على حافة الظلام، محاربين السجَّان بأرواحهم وأقلامهم، متحدِّين النسيان، مؤكِّدين أن الأرض للفلسطينيين، وأن الكلمة، مهما حاصرتها الأسلاك، لا تموت.

حواراتك الشعرية تتشابك بين زمن الاحتلال وظلمه، وبين صلابة الفلسطيني المتمسِّك بأرضه وحقه في العودة، فتتحوَّل القصيدة إلى كيان حي، يزرع فينا الإيمان بأننا ما زلنا جميلين، وأن أرواحنا وأجسادنا، مهما قُيِّدت بالسجون، قادرة على المقاومة. الشعر هنا هو السكين والزهرة معًا، يقطع الظلام ويزرع النور، يجعل من الألم حياة، ومن القهر جنَّة صبر وحرية.

أنت الصوت الحر، الشاعر الذي يسكن بين الكلمات كما يسكن الوطن في القلب، رمز الصمود، حامل النور في ظلمة الأيام، معلِّم أن الحياة أقوى من أي قيود، وأن الكلمة، مهما كانت صغيرة، قادرة على صنع المعجزات، كما تحرِّك سردية فلسطين شعوب الأرض، وتُولِّد فجر الحقيقة من رحم الزيف والتسوية والخداع ومن الليل الطويل الممتد.

أحمد العارضة شاعر فلسطيني أصدر عدة دواوين من داخل سجنه، منها:

  • "وشم على ذاكرة العدم" (2012)

  • "أنانهم" (2021)

  • "خلل طفيف في السفرجل" (2022)

تعكس قصائده مقاومة الاحتلال، الحنين إلى الوطن، والأمل في الحرية.

وفي كانون الأوَّل 2022، أرسل العارضة كلمة من سجن ريمون الصحراوي خلال حفل إطلاق ديوانه في مقهى يافا، قائلاً:

"أراني جالسًا أشارك كأي حاضرٍ بينكم، لاذَ من ضجيج الحياة بالشعر. ذلك أصعب ما يمكن فعلُه على الإطلاق، لسببٍ واحدٍ وبسيط: لم أعتد بعد على فكرة العودة إلى زنزانتي بعد انتهاء كل أمسية أو ندوة تُعقد من أجل شعري."