لم تُفاجَأ قيادة المقاومة بالخرق الخطير الذي ارتكبته قوات الاحتلال يوم أمس الأوّل 19-10-2025، من خلال قيامها بتنفيذ أكبر عملية قصف لمختلف مناطق القطاع، عبر (80) خرقًا منذ أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن استشهاد ما يزيد عن (97) شهيدًا، وإصابة ما يزيد عن (240) مواطنًا، وتدمير العديد من المباني التي لم تُدمَّر سابقًا، تحت مبرّر أنّ مجموعة من المقاومة في رفح تصدّت لوحدة من سلاح الهندسة كانت تقوم بإغلاق الأنفاق، وقامت بإطلاق قذائف الـ«آر بي جي» على جنود الهندسة، ما أدّى إلى مصرع ضابط وجندي صهيوني، وإصابة جنود آخرين، بينما أشارت منصّات المستوطنين إلى أنّ الاشتباك جرى على خلفية استهداف المقاومة للعميل ياسر أبو شباب المختبئ في رفح.
المبرّرات الحقيقية للعدوان الجديد حماس نفت علمها بالحادث، لا سيّما وأنّ الاتصال مع مقاتلين تابعين لها انقطع منذ إحكام الاحتلال سيطرته على رفح. وتوقّعت فصائل المقاومة، بل تأكّدت من واقع تجاربها مع العدوّ الصهيوني، أنّه سيختلق المبرّرات للعودة إلى حالة الحرب، وأنّه لن يلتزم بتطبيق البروتوكول الإنساني، كما حصل في صفقة (19) يناير الماضي، لا سيّما وأنّ حكومة نتنياهو فشلت (أوّلًا) في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، وهي: تحرير الأسرى بالقوّة المسلحة / وضرب حماس وفصائل المقاومة ونزع أسلحتها / ألّا يشكّل القطاع تهديدًا أمنيًا لـ(إسرائيل) / إقامة حكم عسكري إسرائيلي في القطاع يشرف على إدارة مدنية عميلة. وفشلت (ثانيًا) في تحقيق الأهداف المضافة للأهداف السابقة من خلال خطّتَي «عربات جدعون 1» و«عربات جدعون 2»، وهي: احتلال القطاع وضمه وبناء المستوطنات فيه / وتهجير أبناء القطاع إلى الخارج بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية.
الخط الأصفر: مناطق للقتل منذ وقف إطلاق النار في التاسع من الشهر الجاري، تنفّست جماهير شعبنا في قطاع غزّة الصعداء، وعاد أكثر من مليون فلسطيني من الجنوب إلى أماكن سكنهم في الشمال، وتحديدًا إلى مدينة غزّة ومخيّم جباليا. في حين تقطّعت السبل بآلاف الأسر التي عادت إلى الشمال، جراء وقوع منازلها في ما يُسمّى «الخط الأصفر» الذي تتمركز قوات الاحتلال فيه، وفق المرحلة الأولى من خطة ترامب، والذي تشكّل مساحته (53%) من قطاع غزّة. واللافت للنظر أنّ آلاف الأسر لا تدري بالضبط مكان منازلها في الشجاعية وحي الزيتون وغيرهما: هل هي داخل الخط الأصفر أم خارجه؟ الأمر الذي استغلّته قوات الاحتلال، وقامت بقصف سيارة تقلّ نازحين وهم في طريقهم لتفقّد منازلهم في حي الزيتون، ما أدّى إلى ارتقاء (11) شهيدًا من أسرة واحدة، معظمهم من الأطفال. وقد أعلنت حكومة العدو يوم أمس أنّ كلّ من يتواجد خلف الخط الأصفر سوف يتم استهدافه بالقصف من دون سابق إنذار، وأنّه يتوجّب على سكان القرى ألّا يذهبوا إلى مساكنهم في القرى والأحياء الواردة في نطاق الخط الأصفر.
الموافقة المشروطة لقد تعامل المفاوض الفلسطيني مع المرحلة الأولى بذكاء في تعامله مع خطة ترامب على نحو: 1- أنّ موافقة المفاوض الفلسطيني على إطلاق سراح الأسرى الصهاينة الأحياء والأموات جاءت مشروطة بوقف الحرب، وتحقيق الانسحاب الكامل من قطاع غزّة، وإدخال المساعدات الغذائية والمواد الطبية والمعدات المطلوبة لإزالة ركام المباني المهدّمة للبحث عن الشهداء تحت الأنقاض. 2- أنّ رسالة حركة حماس التي تضمّنت موقفها من الخطة، والتي وُصفت بالإيجابية، ولقيت تثمين العديد من الدول العربية والإقليمية، وترحيب الرئيس الأمريكي ترامب بها، هذه الرسالة لم تتعامل مع البنود العشرين كافة، بل ردّت على البنود الخطيرة والمفخّخة، من خلال مقدّمة أشادت فيها بجهود الوسطاء وبجهود الرئيس الأمريكي في سياق إرضاء نرجسيته، لا سيّما وأنّه مغرم بمديح الآخرين له. وقد بنت الرسالة على هذه المقدّمة موافقتها على حكومة التكنوقراط على قاعدة ربط مستقبل القطاع وحقوق الشعب الفلسطيني بالكلّ الفلسطيني، لأنّ حماس لا يمكنها أن تقرّر مستقبل القطاع وحدها، وأنّ مستقبل القطاع وحقوق الشعب الفلسطيني يرتبط بموقف وطني جامع، بالاستناد إلى القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، ويتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع، ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكلّ مسؤولية. وحركة حماس بهذا الردّ المشروط تنسف ضمنيًا موضوع الوصاية الانتدابية على القطاع من خلال مجلس السلام المزعوم، وتعيد الاعتبار لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، التي تجاهلها ترامب في خطّته. واللافت للنظر أنّ ترامب أعجب ببيان حماس، ووضعه فورًا على صفحته في منصة «Truth Social» قائلًا: "أعتقد أنّهم مستعدّون لسلام دائم. يجب على (إسرائيل) أن توقف قصف غزّة فورًا". وبعد هذا الردّ سارعت فصائل المقاومة إلى الإعلان عن رفضها نزع سلاحها، مشيرةً إلى أنّ هذا السلاح يُسلَّم فقط للدولة الفلسطينية حال قيامها.
مواصلة الحرب بوسائل أخرى وفق العديد من المراقبين، فإنّ نتنياهو لن يخوض الحرب العدوانية الإبادية على النحو الذي حصل خلال عامَي الحرب السابقين، بعد أن أعلن ترامب "أنّ الحرب قد انتهت"، خاصةً بعد انعقاد مؤتمر شرم الشيخ بحضور عربي رسمي وإقليمي ودولي كبير، لكنّه سيستمر في البحث عن الذرائع لمواصلة تكتيكات عسكرية ضد المقاومة والشعب الفلسطيني في قطاع غزّة. إذ إنّه رغم أنّ نصّ البند المتعلّق بالإفراج عن الأسرى، الأحياء منهم والأموات، راعى مسألة تسليم الأسرى الأموات عبر الإشارة إلى فترة من الزمن وليس فورًا، في ضوء عمليات التدمير الهائلة للقطاع في خطة «عربات جدعون 2» والحاجة إلى توفير الجرافات والآليات المتقدّمة للحفر في الأنفاق وتحت أنقاض البنايات المهدّمة، حيث تمكّنت المقاومة، بعد مرور أكثر من أسبوع على وقف إطلاق النار، من انتشال (14) جثة من أصل (28) جثة للصليب الأحمر الدولي، الذي قام بدوره بتسليمها لحكومة العدو. فالعدوّ الصهيوني، في ضوء تواجده داخل قطاع غزّة، في منطقة الخط الأصفر الذي يتضمّن مدينتَي بيت حانون وبيت لاهيا في الشمال، وحي الشجاعية وحي الزيتون في بيت لاهيا، وبلدات وقرى عبسان الكبرى وعبسان الصغرى وبني سهيلة وغيرها شرق خان يونس ومدينة رفح في أقصى الجنوب، بإمكانه أن يختلق الذرائع للقيام بعمليات القصف الجوّي والمدفعي لكافة مناطق القطاع، بطريقة تتجاوز أسلوب قوات الاحتلال في جنوب لبنان، لتحقيق الأهداف سالفة الذكر.
المسؤولون الأمريكان مجدداً إلى الكيان
لقد هرع ممثلا الرئيس الأمريكي، وهما "ويتكوف وكاشنر" وكذلك نائب الرئيس الأمريكي "جيه دي فانس"، إلى الكيان الصهيوني ، من أجل إنجاز ما يلي :
1-تثبيت وقف إطلاق النار بعد خرقه بشكل خطير ، من قبل قوات الاحتلال وللضغط على حكومة العدو بعدم إغلاق المعابر مجدداً.
2- للشروع في المرحلة الثانية الي تتضمن الملفات الخطيرة وهي : المفاوضات حول نزع سلاح المقاومة ، وتشكيل مجلس الوصاية الانتدابية بعنوان ( مجلس السلام برئاسة ترامب) وانتداب بلير أو كوشنير ليشرف على تشكيل ( لجنة التكنوقراط) التي سستولى حكم قطاع غزة في الفترة الانتقالية .
هذه المرحلة هي الأخطر ، لا سيما وأن المقاومة أعلنت بكل وضوح رفض نزع سلاحها ورفضها لأي وصاية على القطاع ، وأن مستقبل القطاع وحققوق الشعب الفلسطينية يرتبط بموقف وطني جامع ، بالاستناد إلى القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، ويتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع ، ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية.
وأخيراً يمكن الإشارة إلى أن الكيان الصهيوني ، بعد قرار وقف إطلاق النار بات يشهد مباراة بين الحكومة والمعارضة ، في مرحلة التحضير للانتخابات ، حيث بتنا نشهد المعارضة التي كانت تنادي بوقف الحرب ، تنادي بالاستمرار في الحرب للقضاء على حماس وإعادة احتلال القطاع ، ما يعني أن الدم الفلسطيني بات هو ثمن نجاح الحكومة أو المعارضة للفوز في الانتخابات والوصول إلى سدة الحكم .

