عند كتابة هذه السطور تكون حرب الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري الصهيوأمريكية المستمرة منذ " 717 يوماً" على قطاع غزة قد أفرزت دماراً شبه كامل بنسبة " 90% " من البنية التحتية وخسائر أولية تجاوزت " 70 مليار" دولار, ومجازر دموية أدت لاستشهاد وفقدان أكثر من " 75 " ألفاً , بينهم أكثر من " 20 " ألف طفل و " 14" ألف امرأة إضافة لإبادة " 3" آلاف أسرة من السجل المدني !.
ويضيف المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة في بيان له يوم 20/9/2025 أن " الاحتلال قتل خلال هذه الفترة 1680 من الطواقم الطبية و250 صحفياً و120 رجل دفاع مدني و175 موظف بلدية, كما أصيب أكثر من 166 ألف آخرين بينهم آلاف حالات البتر والشلل وفقدان البصر "!.
تدمير الأبراج :
أعلن وزير ما يسمى " الأمن الإسرائيلي " كاتس يوم 20/9/2025 أن "باب الجحيم في غزة قد فتح الآن" مشيراً إلى أن الجيش بدأ حالياً نطاق عملياته العسكرية في غزة حيث سيتم التركيز في المرحلة الأولى من العملية على هدم الأبراج والمباني المرتفعة في المدينة !.
عند أول حرب شهدتها قطاع غزة عام 2009 اتبع العدو الصهيوني سياسة قصف الأبراج بهدف تدميرها بشكل كلي أو جزئي حيث يصعب بعدها إعادة ترميمها أو الاستفادة منها , وكان الاحتلال يتبع سياسة تدمير مئات الأبراج التي كانت تعتبر معالم مدنية حضارية لمدينة غزة أو لمدن القطاع عموماً , من أجل الضغط على المقاومة للإذعان "لوقف إطلاق النار" أو زيادة وتيرة الضغط الداخلي عليها, ويزعم الاحتلال الصهيوني, مع تدميره لأبراج غزة, أنها تضم بنية تحتية لحركة المقاومة ومنظومة قيادة وسيطرة, في المقابل نفت حركة المقاومة " حماس " ذلك وقالت: "إنها ادعاءات ومزاعم صهيونية تستهدف تدمير الأبنية السكنية وتدمير غزة بالكامل "!.
ويمكن قراءة هذا السلوك الصهيوني من عدة زوايا أبرزها إصرار الاحتلال على اتباع سياسة التدمير الممنهج لما تبقى من مقومات الحياة داخل القطاع, مبرراً ذلك بحجج مبتذلة وروايات تكشف زيف ادعاءاته , وهو يدير حرباً نفسية تستهدف بشكل أساسي سكان شمال القطاع , لدفعهم نحو الجنوب , غير أن عملياته المكثفة في الأحياء الشرقية لمدينة غزة لم تحقق هذا الهدف , حيث تشير تقديرات جيش الاحتلال أن نسبة النزوح لا تتجاوز الـ" 5% إلى 10% " وهو ما يؤثر بشكل مباشر على تقدمه نحو مركز المدينة .. فجوهر المشروع الصهيوني في مدينة غزة يرتبط بتهجير سكانها جنوباً من أجل خلق ظروف سياسية وميدانية تدفع جميع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع, تماشياً مع تطلعات اليمين الصهيوني الفاشي الذي يسعى لضمان عودة الاستيطان إلى شمال القطاع , وهو بذلك يحاول صياغة معادلة تفاوضية من موقع قوة بعد استكمال عملياته العسكرية , تقوم على مقايضة وقف إطلاق النار بالأرض وتنفيذ شروط نتنياهو السياسية والأمنية الذي يتطلع لإرضاء اليمين القومي الديني وتحقيق أهدافه الأيديولوجية الاستيطانية !..
لقد اتضح ما يجري والذي يأتي في سياق استكمال عملية التدمير الشامل التي يشنها الاحتلال, إذ يمثل المرحلة التمهيدية للعملية العسكرية الموسعة في قطاع غزة المترافقة مع الهجمات على أحياء الزيتون والشيخ رضوان وجباليا النزلة والمخيم, بهدف تشتيت الكتلة الديمغرافية المتبقية, وتسهيل مهمة الجيش في التدمير المنهجي , فالاحتلال يسعى للسيطرة على نحو " 90%" من مساحة القطاع بعد تدمير مدينة غزة , لتبقى المخيمات الوسطى الهدف المقبل للعمليات العسكرية, ويعلن إيال زامير رئيس ما يسمى أركان الجيش , أن "ما يجري يندرج في مسار السيطرة الكاملة على مدينة غزة وفرض وقائع ميدانية جديدة ", معتبراً أن ما يحدث ليس مجرد "حكم عسكري" بل عملية إبادة وتطهير عرقي, تدفع سكان غزة نحو التكدس في الشريط الحدودي جنوباً , تمهيداً لحصرهم في " سجن كبير " بمدينة رفح وبما يتيح لـ " إسرائيل " التملص من مسؤولياتها عن أكثر من مليوني مواطن فلسطيني , ورمي عبء شؤونهم وإدارتهم على المجتمع الدولي , الأمر الذي قد يشكل بوابة لتهجير أوسع !.
دعم أمريكي وصمت دولي :
رغم بشاعة حجم الجريمة التي يتعرض لها سكان قطاع غزة , وفظاعة عدد الضحايا , حيث خمسة من كل ستة يستشهدون هم من المدنيين العزّل باعتراف الصحافتين " البريطانية والفرنسية " كما أن سفير الولايات المتحدة مايك هاكابي ورئيسه ترامب لا يشعران بالخجل من مواصلة لوم الضحية – الشعب الفلسطيني – ومواصلة دعم المعتدي الصهيوني عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً , وتشجيعه ليس على البطش الإجرامي بأهل غزة فحسب , بل أيضاً على استباحة الضفة الغربية , بما فيها القدس , عبر المزيد من الاستيطان وتشجيع عصابات الإرهاب من الصهاينة !.
وبفضل الدعم الأمريكي المطلق والصمت الدولي الرسمي الجبان, لا يتردد السفاح نتنياهو في توجيه اللوم ل مصر , لأنها لا تفتح حدودها لتهجير سكان قطاع غزة , وتمكين " إسرائيل " من تنفيذ جريمة التطهير العرقي الأخطر في العصر الحديث !.
لم يبق قانون دولي أو إنساني , أو حقوق للإنسان , لم تسحقها " إسرائيل " بجنازير دباباتها , ولم تبق شريعة سماوية لم تنتهكها , وهي تبطش بسكان غزة الصابرين الصامدين الذين تحملوا من الألم والمعاناة والعذاب والموت ما لا تتحمله الجبال , وما لم يتحمله بشر في التاريخ , واليوم يعلن نتنياهو وأفراد حكومته الفاشية دون مواربة أهدافهم , بتطهير عرقي شامل لكل سكان قطاع غزة , وينفذون على الأرض عملية ضم وتهويد الضفة الغربية وغزة والقدس والجولان , ويواصلون اعتداءاتهم على قطر وسورية ولبنان واليمن وتونس وإيران ,ويتطاولون بكل وقاحة على مصر والأردن , يتصرف نتنياهو المصاب بجنون العظمة كأنه الحاكم الكولونيالي المطلق للشرق الأوسط, ويعلن صراحة أنه يضع أمامه ويستعرض خريطة المنطقة كل يوم ليقرر إلى أين ستصل طائرات سلاحه الجوي , وفي أي مدينة سينفذ الاغتيالات التالية !
هل تبقى أمام النظام الرسمي العربي بعد ذلك كله – من إبادة وتجويع وتطهير عرقي – أية ذرائع لاستمرار التطبيع مع "إسرائيل" وهل بقي مبرر لمواصلة التردد في قطع العلاقات معها, وطرد سفرائها والانضمام إلى الحملة التي تتصاعد عالمياً لفرض العقوبات وسحب الاستثمارات والمقاطعة لها وعليها..
ما الذي تنتظر حدوثه حكومات الدول العربية والإسلامية الـ 57 التي اجتمعت في الدوحة يوم 15/9/2025 حتى ترفع الصوت عالياً في وجه الرئيس الأمريكي وتحذره من أن مصالح بلاده والاستثمارات الموعودة فيها, والعلاقات معها , أصبحت مشروطة بتدخله الفوري للجم نتنياهو وإيقاف المذبحة الوحشية الجارية في قطاع غزة والضفة الفلسطينية ؟ وما الذي ينتظره الاتحاد الأوروبي, بعد كل ما حدث ويحدث, ليتخلى عن تقاعسه وخذلانه للقيم التي يدّعيها.. ويبدأ بفرض العقوبات على "إسرائيل" وفرض حظر شامل على التعامل العسكري معها, وعلى تزويدها بالسلاح الذي تقتل به أطفال فلسطين؟
من يباد ويُحرق في غزة, على مرأى ومسمع العالم , ليس الشعب الفلسطيني فحسب , بل كل ما يسمى بالقانون الدولي والإنساني , ومواثيق حقوق الإنسان.. وفي حال استمر هذا الصمت, ستدرك شعوب الأرض , أن العالم يدار بقانون المتوحشين , وأننا عدنا إلى زمن الفاشية التي لا يمكن وقفها , إلا بقوة المقاومة والبقاء والصمود مهما بلغت التضحيات !..
ترامب المهووس بالريفييرا :
في بداية ولايته, كان ترامب مفعماً بمشاريعه "السلمية" ومنها ما يخص العدوان الصهيوني على غزة , وتمكن بداية من إقناع نتنياهو بالسير نحو "صفقة جزئية" أدت إلى تحرير بعض " الأسرى الإسرائيليين " ثم نام ترامب على هذا الحرير , وانتفخ فخراً بنفسه على هذا الإنجاز " السلمي الأول " ثم ما لبث نتنياهو أن صعّد من عدوانه على غزة – درجة بعد أخرى – وفي شباط 2025 أعلن ترامب عن "مشروع ريفييرا" في غزة , يُهجر بفعلها المليون فلسطيني الباقين على قيد الحياة , نحو مصر والأردن والصومال وليبيا و السودان , ويقيم فيها مشروعه العقاري السياحي الضخم , وإلى ما هنالك من مواصفات بما بات معروفاً بـ" ريفييرا غزة " , لم يصدق نتنياهو ما يسمع , فطار فرحاً ومنحه ترشيحاً مكتوباً إلى جائزة نوبل للسلام , وأخذ ينفذ مشروعه بسرعة , يطور بخطط " عربات جدعون " العسكرية من تجويع وتدمير وقتل , وصولاً إلى محو أثر مدينة غزة , عبر تدمير مبانيها ورمي سكانها القريبين من المليون نسمة , نحو شاطئ البحر , أي إلى النقطة التي سوف يهجّرون منها , بعدما يصلون إلى أنفاسهم الأخيرة .. والوحيد القادر على وقف هذه المقتلة المفتوحة هو ترامب, لكن ترامب هذا "معجب" بنتنياهو ويصفه بـ "بطل حرب" ويتشبه به ويقول :" أعتقد أنني كذلك أيضاً بطل حرب "! ويواصل حثه على الانتهاء من المهمة بالسرعة القصوى, وتنظيف المكان ليبني هو فوقه "ترامب تاور", تتلبسه مهنته كمطوّر عقاري في الريفييرا المرتقبة .. وأصبح الأمر أكثر وضوحاً عندما وافقت المقاومة على "خطة ويتكوف" ولم ترد عليها "إسرائيل" بل باشرت "العملية الأخيرة" أي إعادة احتلال غزة بالكامل!
ترامب هنا منسجم مع نفسه, فكل ما تفعله " إسرائيل " بغزة هو الطريق نحو بناء الريفييرا العزيزة على قلبه , وكلما تقدمت هذه الخطى اقتربت الجائزة !..
والسؤال الذي يراود كثيرين: هل يمكن فعلاً أن " تدرسها " لجنة جائزة نوبل.. أي أن " تراعي " النرويج مصالح بلادها, فتخفف من ضغوط ترامب , عبر الYعجاب بقدراته لمنحه الجائزة ؟.. وفي هذه الحالة مَن الذي يكون منفصلاً عن الواقع والعالم.. ترامب أم لجنة نوبل للسلام؟!.

