الرأي العام الأمريكي يتحول بمنحدرٍ شديد، وبالتحديد شريحة الشباب، وخصوصاً في أوساط واسعة من الديمقراطيين الذين إمّا أنهم لم ينتخبوا كمالا هاريس (مرشحة الديمقراطيين التي خسرت أمام ترامب في نوفمبر 2024)، أو بسبب مقاطعتهم الانتخابات الرئاسية السابقة كلياً.
إحدى التأثيرات التي حصلت في نمط التفكير وانتخاب شخصيات شابة ليست من التيار الرئيسي (Mainstream) ظهرت صباح 25.06.2025، عندما تفوّق المرشح الشاب المهاجر زهران كوامي ممداني على المدعوم مالياً وصهيونياً، والعمدة السابق المهاجر الإيطالي الأمريكي أندرو كومو (في الانتخابات الداخلية في الحزب الديمقراطي)، لكي يتاح له التنافس أمام مرشحين آخرين مستقلين أو من أحزاب أخرى في الانتخابات القادمة في نهاية هذا العام.
كانت لجرائم كارثة #العِرقبادة (الإبادة الجماعية والتطهير العرقي) في قطاع غزة – فلسطين المحتلة – تأثيرات كبيرة على شرائح متعددة في أمريكا، وبالتحديد في نيويورك، وذلك نظراً لمكانتها السياسية وللمظاهرات العارمة (بمشاركة كبيرة من اليهود التقدميين) التي شهدتها المدينة تأييداً للشعب الفلسطيني في العامين الأخيرين، وبالتحديد في الجامعات، وما رافقها من اشتباك سياسي كبير مع الطبقة السياسية والأكاديمية التقليدية والمحافظة، إضافة إلى ملاحقة ترامب للجامعات.
المهاجر زهران كوامي ممداني ترعرع في بيت يساري. فقد وُلد عام 1991 في كمبالا – أوغندا (وعمره 34 عاماً)، ودرس في مدارس جنوب أفريقيا. وقد وصل إلى نيويورك مع والده الأكاديمي الهندي الأوغندي الأمريكي محمود ممداني، وهو محاضر في نيويورك ومن أصول هندية – هندي مسلم شيعي من غوجارات: (يُستخدم مصطلح "المسلم الغوجاراتي" عادةً للإشارة إلى المسلم الهندي من ولاية غوجارات على الساحل الغربي للهند. معظم المسلمين الغوجاراتيين يتحدثون اللغة الغوجاراتية كلغة أم، لكن بعض المجتمعات تتحدث الأردية كلغة أم. غالبية المسلمين الغوجاراتيين من السنة، مع وجود أقلية من الشيعة).
أما والدته فهي مخرجة الأفلام الهندية الأمريكية، الهندوسية اليسارية ميرا ناير، التي تركز في أعمالها/أفلامها على تمثيل الأقليات والمهاجرين. وبعد وصوله/هجرته إلى أمريكا، درس في جامعة “بودوين كوليج” ويحمل بكالوريوس من جامعة Bowdoin College في الدراسات الإفريقية.
حصل زهران على الجنسية الأمريكية عام 2018، ويسكن في منطقة كوينز في نيويورك (يصل تعداد سكانها إلى نحو 2.5 مليون نسمة أي أنها تمثل نحو 27.5% من سكان نيويورك). كما تزوج مؤخراً (قبل نصف عام في يناير 2025) من الفنانة السورية راما دواجي (رسامة) المتضامنة في عملها الفني مع فلسطين.
انتخابه كعمدة مدينة نيويورك في 4 نوفمبر 2025 يشير إلى تحول جذري في الرأي العام ونمط الاقتراع، وبطريقة تنفيذية لها تأثير مباشر على اتخاذ القرار في نيويورك. وستُشكل هذه التحولات رافعة لتغيرات أخرى في مناطق متعددة رغم خصوصية نيويورك. كما أن زهران هو أول عمدة من أصول آسيوية وهندية وأفريقية ومسلمة (وهو شيعي) وديمقراطي اشتراكي يساري في تاريخ نيويورك.
فقد تم انتخاب ممداني كمرشح الديمقراطيين بنسبة تزيد على 52%، وقد دعمت ممداني علانية وفي حملته (التي انتهت بفوزه ليصبح العمدة الـ111) أيضاً فئات يهودية يسارية غير صهيونية، كان أبرزهم السيناتور بيرني ساندرز، لدرجة أن الصحافة الإسرائيلية كتبت: “مجموعة واحدة من اليهود انتخبت ضد مجموعة أخرى من اليهود تكرهها”.
نجاح زهران كوامي ممداني يشير إلى كسر الهيمنة الصهيونية التقليدية في نيويورك، وإلى تغير في مواقف القاعدة الشعبية الأمريكية هناك، وإثبات أن المال الصهيوني (في نيويورك بالتحديد) لا يمكنه أن يشتري كل شيء كل الوقت، وبالتحديد القناعات أثناء الحراك حامي الوطيس حول فلسطين وتزاوجه مع الملفات الاجتماعية المحلية مثل أسعار الشقق والإيجار وصعوبة الحصول على مسكن بسهولة. ورغم ذلك، قد نشهد (من اليوم وحتى نوفمبر 2025) عراكاً شديداً من مرشحين آخرين ضد ممداني، مدعومين من أصحاب رؤوس الأموال واللوبي الصهيوني. فلن يكون اقتناص الوجبة التقليدية الشهية من عرين/فم الأسد بالأمر السهل.

