لعلنا نستذكر تلك الرواية الأثيرة التي كتبها غسان كنفاني ذات يوم (عائد إلى حيفا)، بوصفها مجازاً طليقاً ليس لرحلة الفلسطيني في الزمان والمكان وفي قلب التراجيديا، بل أكثر من ذلك هي رحلة العودة، ولعل ما يضفي على تلك الرؤيا الكنفانية طابع حياً بجدليته وقوة مثاله، هو كثافة المشهد لأهلنا العائدين إلى غزة والمهجرين أصلاً من أنحاء فلسطين، مشهد ستحفظه عين السينما كثيراً لأنه فرادة ذلك المجاز، بل حقيقته الكامنة في وعي كل عائد ظلت على شفتيه عبارة شهية: نعم نعود إلى غزة الوطن وهو يضمر فيما بين الكلمات عبارة أخرى أكثر حيوية وشغفاً عائد إلى فلسطين، هذا الطريق ذاته الذي قُدّر للفلسطيني بأن يكون قَدَره الأزلي، في أتون الصراع الوجودي والهوياتي والكياني، وليكون هذا المشهد هو السطر الكثيف في ملحمة العودة الكبرى، وبفائض رمزيته العالية والعميقة، نسوة وأطفال يحملون ما تبقى من ثياب وحاجيات، لكن تعبير وجوههم هو الأقوى منذ النكبة الأولى ووصولاً إلى الطريق إلى شمال غزة وجنوبها، نقرأ ملامح الوجوه ونصغي للأصوات الخافتة التي تعني التجذر في الأرض ومضارعة آثار الحرب بحثاً عن شهيد تحت الركام، أو بقايا كتب مدرسية... هنا البيت.. هنا الوطن الأخير، رغم ما ينتظرهم على الجهة الأخرى من قذائف ورصاصات غادرة من عدو لم يرى فيهم سوى أرقام فحسب، لكن إنسانيتهم التي التقطها الضمير العالمي هي من تعود أيضاً لتشكل المعنى للجموع الزاحفة نحو ما تبقى من بيوت هدمها قصف حاقد، ومن ذكريات لم يقوَ عليها العدوان على الأرض والإنسان والذاكرة والتاريخ الحي، وبتعبير أدل على المقاومة الضاربة في عمق الجذور وعبر الأجيال، وعبر الذاكرة الفلسطينية الحية، وعبر ما تراكم من وعي مكين في نفوس أولئك العائدين، ليستعيدوا لحظة أخرى في سفر الملحمة الفلسطينية المعاصرة، سفر الوعي الجديد والمتجدد، إلى أرض لم تكن سواهم، لتنبض من جديد تحت شمس لن تغير مكانها، وفي ظل واحدة من أعتى قوانين الصراع... غزة إننا عدنا من الموت لنحيا ونغني، وفي المتسع ثمة أطفال لم يكبروا ليموتوا، بل كبروا ليكتبوا عن حيوات أخرى انتزعوها بجوعهم وصبرهم وجراحاتهم وأشلاء شهدائهم التي ما زالت تحت الركام، ليصفعوا بها وجوه من خذلهم.

