Menu

لا تغفري لهم، يا غزة…

جمال كنج

في أبريل الماضي، كتبت مقالًا بعنوان “اغفري لي، يا غزة”، عبّرت فيه عن ألم شخصي ناتج عن العجز أمام المذابح والتجويع. أما اليوم، فلم يعد الأمر مجرد شعور ذاتي بالذنب، بل غضبٌ متأجّج من التواطؤ العالمي والعربي أمام حملة منظمة للتجويع والإبادة الجماعية، تُرتكب على مرأى ومسمع من العالم.

لا يوجد “جوع” في غزة. هناك تجويع إسرائيلي ممنهج، ومدعوم أمريكيًا.

التجويع والتطهير العرقي في القطاع ليسا نتيجة للحرب، بل نتائج معده سابقا. و هذ ليس رأي شخصي، بل حقائق موثّقة ونوايا مُعلَنة، وتصريحات صادرة عن مسؤولين صهاينة من أعلى الهرم السياسي إلى قطاعات شعبية واسعة.

المواقف الصهيونيه المعلنه ليست آراء متطرفة على هامش المجتمع، كما تحاول وسائل الإعلام الغربية أن تصورها. بل إنها التيار السائد في دوله الكيان. إذ تُظهر استطلاعات الرأي أن 82% من اليهود الإسرائيليين يدعمون التطهير العرقي في غزة، وجزءٌ كبير منهم يُجاهر بتأييده للقتل الجماعي للمدنيين. هذه ليست انحرافات فردية، بل انعكاس لثقافة حاقدة ترعرعت على دعم الغرب، الساعي إلى التكفير عن جرائمه التاريخية بحق اليهود من خلال فرض مشروع استيطاني استعماري في قلب العالم العربي.

إنها ثقافة شيطانية، تتجلى في إدارة إبادة جماعية ينفّذها نظام مخمور بإفلاته من العقاب. ففي أكتوبر 2023 مثلا، ألغى رئيس الكيان الصهيوني يتسحاق هرتسوغ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، معلنًا: “إنها الأمة بأكملها مسؤولة”. بكلمات معدودة، شيطن هرتسوغ سكان غزة جميعًا، وأصدر حكمًا جماعيًا بالإعدام على 2.3 مليون إنسان. وفي الأسبوع الماضي، عاد ليؤكد موقفه قائلًا إن الحصار الإسرائيلي “منسجم مع القيم اليهودية والإسرائيلية”.

أما وزير الدفاع آنذاك، يوآف غالانت، فقد عبّر عن نفس الحقد الأيديولوجي، قائلًا: “لا كهرباء، لا طعام، لا ماء، لا غاز… حصار كامل”. اما خلفه الحالي، يسرائيل كاتس، فلم يكن أقل تطرفًا حين أعلن مؤخرًا: “لا دخول للمساعدات الإنسانية إلى غزة”.

وذهب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى أبعد من ذلك، مُعلِنًا أن “التجويع الجماعي مبرَّر أخلاقيًا”، وداعيًا علنًا إلى التطهير العرقي، واصفًا “النصر الإسرائيلي” بأنه تدمير شامل لغزة، وإجبار الفلسطينيين على الهجرة الجماعية نحو دول ثالثة. كلماته كاشفة لعقلية الإبادة المتجذّرة في القيادة الإسرائيلية وشريحتها المجتمعية الكبرى.

هؤلاء لا يمثلون شواذّ المجتمع، بل هم صوت الأغلبية، ومُعبّرون عن عقيدة عنصرية متجذّرة تُحرّك سياسات نتنياهو وحكومته. وهي سياسات تحوّلت إلى ممارسات يومية عبر دولة غارقة في الكراهية، تبرّر جرائمها بدافع ديني يحلل استخدام الطعام كسلاح ضد شعب بأكمله و يصفه بانه “أخلاقي”.

هذه العقيدة الدينية المنحرفة هي ما يتيح لقادة صهاينة تبرير القتل الجماعي لغير اليهود. ففي حديث حول إبادة غزة، خاطب الحاخام إيلياهو مالي، مدير مدرسة دينية في يافا، طلابه – كثير منهم جنود في الجيش – قائلًا: “في شريعتنا، لا ضرورة لعدم قتل كل شخص”، داعيًا إلى قتل الأطفال وأمهاتهم لأنهم “ينجبون الجيل القادم”.

وفي مناسبة أخرى، صرّح الحاخام عوفاديا يوسف، كبير الحاخامات السفارديين سابقًا، أن الله خلق “الأغيار” فقط لخدمة اليهود، مشبهًا موتهم بموت “الحمير”.

هذه التصريحات ليست زلات لسان، بل تُعبّر عن أيديولوجيا سامة راسخة تُستخدم لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتبرير ذبحهم.

عندما يربط قادة إسرائيل بين الأخلاق والتجويع، فهم يفعلون ذلك من منطلق ديني يُصور أفعالهم كأنها “مُبرَّرة أخلاقيًا”. يقتلون النساء لأنهن يلدن، والمدنيين لأن الفلسطينيين يُعتبرون “زائدين عن الحاجة”، عوائق في طريق نبوءة دينية زائفة.

ولكن لا يمكن لدولة الكيان تنفيذ سياسة التجويع دون تعاون خارجي. من دون تواطؤ نظام السيسي في مصر، الذي خالف الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد، والتي تنص على حظر الوجود العسكري الصهيوني على حدود غزة مع مصر. 

ومن دون التمويل الأمريكي لما يُسمى “مؤسسة غزة الإنسانية”، التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها حملة علاقات عامة خادعة. مشاريع إبادة صُممت في تل أبيب، ومُولت من واشنطن، بهدف حماية دوله الكيان من الغضب العالمي المتصاعد. وكما انحنى بايدن لدوله الكيان من قبله، تابع ترمب الانحناء على نفس الخطى و مُغذيًا ماكينة التضليل، ومُمولًا أدوات التجويع من ضرائب المواطنين الأمريكيين.

إن فشل المفاوضات الأخيرة لوقف الإبادة الجماعية يُظهِر إلى أي مدى يمكن للإدارة الأمريكية أن تذعن لأجندة نتنياهو الشيطانية. لم تنهَر المفاوضات عبثًا؛ بل لأن واشنطن سمحت لإسرائيل باستخدام التجويع كورقة ضغط في المساومة السياسية.

وماذا عن أوروبا؟ بريطانيا والاتحاد الأوروبي يكتفيان بإصدار بيانات “قلق”، ويهددان بـ”عواقب”، لكن لا فعل. والأسوأ، استمرار تزويد دوله الكيان بالدعم العسكري والاستخباراتي، ما يُمكّنها من تشديد الحصار والاباده في غزه.

أما العالم العربي، فعار لا يستحق الغفران. أنظمة تقف متفرجة بينما غزة تموت جوعًا، وكأنها تشاهد فيلمًا تراجيديًا بلا مشاعر. باستثناء اليمن، فإن القادة والشعوب العربية إما صامتون صمت القبور، أو متورطون بعلاقات تجارية مع دولة الإبادة، بينما أطفال غزة يموتون جوعًا.

وقد أشرت الأسبوع الماضي في مقالي إلى خطة استئناف الإنزالات الجوية، والتي بدأت الأحد 27 يوليو. هذه الإنزالات، مثل الرصيف العائم ومؤسسة “غزة الإنسانية”، ليست سوى تشتيت شكلي، ومسكن مؤقت لسرطان التجويع الذي هندسته إسرائيل. فكل شحنة بطائرة C-130 لا تحمل سوى 12,650 وجبة طعام. ولتوفير وجبة واحدة يوميًا لكل فلسطيني، نحتاج إلى 170 رحلة يوميًا.

الأردن والإمارات يمتلكان معًا 18 طائرة C-130. وبافتراض دورة تشغيل كاملة من 8 ساعات، تشمل التحميل، الطيران، والعودة—مع الأخذ بعين الاعتبار ان الرحلة الواحدة بين الإمارات وفلسطين تستغرق نحو 7 ساعات ذهابًا وإيابًا—وعليه فكل طائرة لا تستطيع القيام بأكثر من رحلتين في اليوم كحد أقصى. هذا يعني 36 رحلة يوميًا، أي ما يعادل نحو خُمس(1/5 )وجبة طعام  للفرد الواحد.

وفي نفس الوقت، تتصاعد المخاوف من أن هذه “المساعدات المحدودة” قد تكون جزءًا من صفقة خفية؛ إذ قد يسمح نتنياهو بإدخال مساعدات مشروطة تمهيدًا لدعم ترامب في عملية عسكرية مستقبلية تهدف لتحرير الأسرى الصهاينه. فمع انحسار مشاهد المجاعة الأكثر فظاعة مؤقتًا، قد يصبح إرسال القوات الأمريكية أسهل سياسيًا، لخوض معركة جديدة بالوكالة عن دوله الكيان.

وربما يُفسّر ذلك صمت وزراء عنصريين كسموتريتش وبن غفير، الذين هددوا سابقًا بالاستقالة إذا دخلت المساعدات إلى غزة. غياب حديه اعتراضهم العلني يُثير شكوكًا حول صفقة سرية تدور خلف الأبواب المغلقة.

أن”الحد الأدنى من المساعدات” الذي أعلنه النتن ياهو،  لن يُسكت صرخات البطون الخاوية، ولن يُرطّب شفاه الأطفال المتشققة. لكنه قد يُطيل معاناة اجسادهم الهزيلة… قبل أن تزهق أرواحهم في حرب أمريكية قادمة نيابه  عن دوله الاحتلال.

على المسؤولين الأمريكيين أن يكفّوا عن ترديد الرواية الصيونيه الكاذبه، وأن يُدركوا أن الغذاء ليس أداة مساومة، بل حق إنساني مقدّس. ما دامت دولة الاحتلال تتحكم في تدفق الغذاء، الوقود، والدواء—وفي الخطاب الأمريكي ذاته—فإن المجاعة ستستمر. وفي الأثناء، سيموت الأطفال—أكثر الفئات ضعفًا—ببطء. ومن ينجو، سيعيش بأجساد منهكة، ونفوس مثقلة بصدمات لن تُشفى. جراح لا تُنسى، ونفوس لا تُغفر.

لا تغفري لهم، يا غزة:
    •    لا لأوروبا التي حرمت أطفالك من الطعام
    •    ولا للعرب الذين أداروا لكِ ظهورهم
    •    ولا لإدارة ترامب التي موّلت تجويعك
    •    ولا للعالم الذي يشاهد آلامك بصمت.