Menu

معركة طوفان الأقصى في ميزان الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني

نعيم إبراهيم

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1550)

هل طوت معركة طوفان الأقصى ملف الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني في فلسطين؟

هل انتهت الحرب الصهيونية العدوانية في غزة؟

ماذا بعد طوفان الأقصى ؟

ما هي التداعيات المستقبلية على صعيد المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني؟

ما هي الترتيبات ما بعد الحرب في قطاع غزة، ضمن تحركات تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتشارك فيها دول عدة؟ .

بعد وقف الحرب ، هل من أثمان سياسية للمرحلة المقبلة ؟

هل يجب العودة إلى العباءة العربية سياسيا وإعادة انتاج الشرعية السياسية والكف عن القول باستقلال القرار الفلسطيني؟

وبمعنى أشمل ماذاعن مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني والمشروع الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية ؟

أسئلة طفت على السطح منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة واستئناف عملية تبادل الأسرى ، لا تحتاج إلى كبيرعناء في البحث عن أجوبة لها.

من نافل القول إن حرب غزة غيرت خريطة الصراع في الشرق الأوسط وإن اتفاق وقف إطلاق النار يمثل اختراقاً كبيراً، لكن الحرب لم تنتهِ بعد.

رغم الاتفاقات والوساطات والتسويات ، يبقى الهدف الصهيوني المعلن منذ تأسيس الحركة الصهيونية وعقد مؤتمرها الأول في مدينة بازل السويسرية في 29 أغسطس 1897 هو القضاء على الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته العادلة بهدف تأسيس "وطن قومي لليهود" سواء في فلسطين أوغيرها من المناطق وهو مطلب كفيل بإعادة الحرب إلى غزة مرة أخرى.

كان لا بد من هذه التوطئة لتأكيد أن معركة طوفان الاقصى في ذكراها الثانية لن تكون الأخيرة بين الشعب الفلسطيني ومقاومته وبين الاحتلال الصهيوني ضمن ركيزة الصراع الوجودي .وفي تأكيد على ذلك بقي الشعب الفلسطيني متجذرا في أرضه وملتفا حول مقاومته ومتمسكا بحقوقه المشروعة ضد مخططات التصفية والتهجير القسري.

لا بد من تنشيط الذاكرة عبرالاشارة الى أن طوفان الأقصى عملية شنتها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ضد الاحتلال الصهيوني فجر يوم السبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشملت هجوما بريا وبحريا وجويا وتسللا للمقاومين إلى عدة مستوطنات صهيونية في غلاف غزة.

أعلن عن العملية محمد الضيف، قائد الأركان في كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة (حماس)، واعتُبرت أكبر هجوم على الاحتلال منذ عقود. وتسلل المقاومون الفلسطينيون إلى مستوطنات غلاف غزة عبر السياج الحدودي وعبر وحدات الضفادع البشرية من البحر، إضافة إلى مظليين من فوج "الصقر" التابع لكتائب القسام.

وقال الضيف، في رسالة صوتية مسجلة فجر يوم السبت الموافق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 "نعلن بدء عملية طوفان الأقصى بضربة أولى استهدفت مواقع ومطارات وتحصينات عسكرية للعدو. وأضاف أن هذه الضربة الأولى تجاوزت 5 آلاف صاروخ وقذيفة خلال أول 20 دقيقة من العملية.

واعتبر الضيف أن "اليوم هو يوم المعركة الكبرى لإنهاء الاحتلال الأخير على سطح الأرض"، ودعا الفلسطينيين في الضفة الغربية وأراضي 48 للانضمام إلى هذه الحرب بكل ما يملكون من أسلحة نارية وأسلحة بيضاء وبالاحتجاجات والاعتصامات.

كما دعا الشعوب العربية والإسلامية إلى الدعم بالمظاهرات والاعتصامات وكل أشكال الضغط الشعبي.

لقد جاءت هذه المعركة التي شاركت فيها فصائل فلسطينية عديدة أيضا كتتبير للاحتلال الصهيوني، وللرد على جرائمه المستمرة. ويحمل الاسم الذي اختارته المقاومة الفلسطينية للعملية "طوفان الأقصى" دلالة الرد على الانتهاكات الصهيونية المستمرة للمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية في مدينة القدس .

وقال جيش العدو الصهيوني عقب العملية إنه "في حالة حرب" و"سُمع دوي صفارات الإنذار في جنوب إسرائيل ووسطها ومدينة القدس"، في حين أفادت وسائل إعلام صهيونية بوقوع "معارك بالأسلحة النارية بين مجموعات من المقاومين الفلسطينيين وقوات الأمن في بلدات بجنوب إسرائيل".

وتحدث جيش العدو عن "عملية مزدوجة" قامت بها المقاومة الفلسطينية تشمل إطلاق صواريخ و"تسللا". وقال وزير الحرب الصهيوني يوآف غالانت إن حماس تشن "حربا على دولة إسرائيل".

ومن جهته قال الرئيس الصهيوني إسحاق هرتسوغ في بيان إن "دولة إسرائيل تمر بوقت عصيب"، في حين قال رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو في بيان مصور "نحن في حرب وسوف ننتصر".

وأسفرت العملية خلال ساعاتها الأولى عن مقتل مئات الصهيانة بين جنود ومستوطنين، وأسر وفقدان أكثر من 100، بعضهم جنود، وأدت إلى إغلاق المطارات المحلية وسط وجنوب كيان العدو أمام الاستخدام التجاري، وألغيت عشرات الرحلات الجوية إلى تل أبيب بمطار بن غوريون. وقال الناطق العسكري لكتائب القسام أبو عبيدة إن "عدد الأسرى لدى كتائب القسام بين 200 إلى 250"، وأضاف أن "عشرات الأسرى فقدوا حياتهم جراء القصف الإسرائيلي". ويوم 31 يناير/كانون الثاني 2024 ارتفعت حصيلة القتلى من الجنود الإسرائيليين إلى 223 قتيلا حسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

وأعلنت القسام مقتل قائد كتيبة الاتصالات في جيش الاحتلال . في حين كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن 750 صهيونيا في عداد المفقودين، كما أكد المفوض العام للشرطة الصهيونية فقدان عدد من أفراد الشرطة وانقطاع الاتصال بهم.

وقالت وسائل إعلام صهيونية : إن مقاومين استولوا على مركز الشرطة في سديروت. في حين أعلنت مصادر صهيونية أخرى أن 3 مستوطنات في غلاف غزة وقعت تحت سيطرة المقاومة الفلسطينية.

واقتحمت المقاومة في الساعات الأولى عدة نقاط حول القطاع وداخل الغلاف من بينها زيكيم وسديروت ومنيفوت وكيسوفيم ودير البلح وخانيونس وأشكول ورفح، فيما استهدفت مناطق أبعد قصفا بالصواريخ في تل أبيب واللد و القدس وأسدود وعسقلان وسديروت وبئر السبع.

وردا على عملية "طوفان الأقصى"، أطلق جيش الاحتلال الصهيوني عملية عسكرية ضد قطاع غزة سماها عملية "السيوف الحديدية"، وبدأها بقصف جوي مكثف على القطاع. في حين دوت صافرات الإنذار في المستوطنات المحيطة بغلاف غزة. وأعلن جيش الاحتلال إجلاء لكامل سكان الغلاف.

كان هذا توثيقا للساعات الاولى من معركة طوفان الاقصى ونتائجها ولحرب الابادة التي شنها العدو في اليوم التالي ، حيث استمرت المواجهات على مدارعامين قدم الشعب الفلسطيني خلالهما ولا يزال التضحيات الجسام على الصعد كافة ليحوّل المعركة من هجوم عسكري مفاجئ إلى ملحمة مقاومة تاريخية قلبت موازين الصراع مع الكيان الصهيوني وليكشف هشاشة تفوقه العسكري رغم وحشيته.

ويؤكد الواقع أيضا أن عملية طوفان الأقصى لم تكن عملاً عشوائياً بلا مبررأو مغامرة دموية أقدم عليها رجال المقاومة بدافع سفك الدماء، بل كانت ردًّا مشروعا على عدوان الاحتلال المتواصل منذ خمسةٍ وسبعين عامًا، والذي يتصاعد خطوة بخطوة كل يوم. ربما كانت المقاومة الفلسطينية تقدم ردوداً يومية على سياسات الاحتلال هذه في السابق، لكنها كانت ردودًا عابرة ومحدودة التأثير.

إن ما ميّز طوفان الأقصى هو أنه نقل المعركة لأول مرة إلى عمق الكيان الصهيوني. وقد قيل للمقاومة إن القيام بذلك هو بمثابة انتحار، وإنهم بذلك "استحقوا" الغضب الحتمي من قبل حكومة بنيامين نتنياهو . إن صدور هذا القول ممن ظلوا لسنوات يشاهدون ويدينون الاعتداءات الصهيونية بشكل يومي، يظهر أن جوهر القضية الفلسطينية، والظلم المتأصل لدى الاحتلال الصهيوني، لم يُفهم بشكل كافٍ حتى من قبل كثيرين .

كما حوّل الشعب الفلسطيني غزة من معركةٍ إلى معادلةٍ عالمية ونقلها الى قلب العالم في اصطفاف اجتماعي جديد تجاوزاليمين واليسار معا ليجسد تطور الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية بعد هذه العملية، وعلى فشل الاحتلال في تحقيق أي نصر حقيقي رغم الدعم الأمريكي اللامحدود و"خطة ترامب" التي سعت إلى تحويل الهزيمة الميدانية إلى مكسب سياسي للكيان الصهيوني.

لقد نجحت المقاومة الفلسطينية من خلال طيف واسع من فصائلها التي خاضت المعركة ، بردٍّ دبلوماسي ذكي في قلب الموازين مجددًا، وتحويل المأزق إلى انتصار سياسي وأخلاقي جديد، مؤكدة أن قرارغزة هو شأنٌ فلسطيني خالص، وأنها (المقاومة ) تمثل اليوم ضمير الأمة ووجدانها.

ووصفت فصائل المقاومة معركة طوفان الأقصى بنقطة تحول استراتيجية في نضالنا والمقاومة لن تنكسر وستظل دروسها وعبرها تدرس في الأكاديميات العسكرية سواء في التخطيط أو التنفيذ. وتجلت وحدة الساحات بين فصائل محور المقاومة، من فلسطين ولبنان و اليمن والعراق، بمشاركة فعالة من إيران، التي ساهمت في استنزاف العدو وتطوير معادلة الردع باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لضرب العمق الصهيوني، مما عزز حضور المقاومة على الساحة الإقليمية.

إن نضال الشعب الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني الاحلالي لم يكن وليد معركة طوفان الاقصى فقط بل مستمر منذ العام 1948 و حتى ما قبل ذلك لكن في هذه المرحلة من الصراع الوجودي استطاعت المقاومة كما سلف أن تنقل المعركة الى قلب العدو الصهيوني و جاءت النتائج كما يلي :

- فقدان "إسرائيل" امتيازاتها التي حظيت بها منذ تأسيسها المصطنع واحدة تلو الأخرى، واستنزفت كل التعاطف الذي راكمته عبر وسائل الإعلام والثقافة والسياسة.

- ورغم كل الدعم الأمريكي، الذي استثمر الكثير في "إسرائيل" فقد تكبّدت في الحرب خسائر فادحة لا تُحصى، إذ لم يعد ممكناً حصر أعداد قتلاها وجرحاها والمصابين باضطرابات نفسية أو من أقدموا على الانتحار أو تركوا الخدمة وفرّوا من "إسرائيل"

- أمّا العجز عن هزيمة المقاومة طوال عامين، فقد خلق في نفوس الصهاينة إحساسًا بالهزيمة لا يُقدَّر بثمن، وجعل خسائرهم تفوق كل حساب.

- إن ردّ المقاومة على كل المبادرات والمناورات الامريكية الغربية الصهيونية ، قلب المشهد رأسا على عقب و يُمكن اعتباره حلقة انتصار جديدة أو صفحة ذهبية أُضيفت إلى سلسلة النضال الملحمي الممتد منذ عامين أفضى إلى نتيجة جعلت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يخسر كل شيء في سعيه للحصول على مكاسب ضئيلة.

- كما فرّقت المقاومة في ردّها بذكاء بين ما تمتلكه على الصعد كافة ولها حق اتخاذ القرار بشأنه، وبين الحقوق الوطنية التي لا يمكن إلا للشعب الفلسطيني تقريرها. فقد وافقت على إطلاق سراح الأسرى، لكن ربطت ذلك بإنهاء الحرب العدوانية ، ورفض احتلال قطاع غزة، ومنع التهجير، وضمان وصول المساعدات الإنسانية. وفي الوقت نفسه، تجاوزت ببراعة الخطة التي تفترض وصاية دولية.

- أعادت المقاومة التأكيد في سياق لا يمكن الاعتراض عليه على أن إدارة غزة هي أيضاً شأن يخص الإرادة الشعبية الفلسطينية، وجزء من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واتخاذ القرار الوطني.

ماذا بعد ؟

إن رؤية الشعب الفلسطيني تنطلق من شعاره الاستراتيجي أن "القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية والذي بنى عليه رؤيته "القتالية" عبر فصائل المقاومة مجتمعة، كما أن هذه الاستراتيجية ترسخت بعد انسحاب الاحتلال الصهيوني من قطاع غزة في العام 2005 وتمحورت هذه الاستراتيجية حول ثلاثة محددات هي:

*عدم المشاركة في أي سلطة أو ترتيبات سياسية منبثقة عن أوسلو أو محكومة بمرجعيته أو تتقاطع معه بأي شكل من الأشكال.

*المحافظة على المقاومة وضمان استمرارها ما دام الاحتلال موجوداً على أي جزء من بلادنا .

*المحافظة على الوحدة الوطنية الفلسطينية والتي لن تتأتى إلا من خلال حوار فلسطيني – فلسطيني جاد وحقيقي يفضي الى مصالحة وطنية شاملة وصولا إلى إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني في التحريروالعودة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل أرض فلسطين التاريخية .