بعد مرور عامين على معركة طوفان الأقصى ، ذهب بعض المحللين السياسيين في كبريات الصحف الأمريكية ، ومن ضمنهم "جاي تايلر" – الصحفي في جريدة واشنطن بوست والمختص بشؤون الأمن القومي الأمريكي - إلى القول بأن حركة حماس وبقية فصائل المقاومة قد هزمت ، وأن عليها في ضوء هذا الاستخلاص أن تنفذ أل 20 نقطة التي وردت في الخطة بدون إخضاعها للنقاش والمساومة ،وذهب البعض الآخر من الإعلاميين الأمريكان الذين تستضيفهم الفضائيات العربية بشكل يومي إلى القول، بأن "حماس" يجب أن لا تشارك في المفاوضات لأنها باتت خارج المشهد العسكري ، بعد هزيمتها المزعومة في الميدان.
استخلاصات كاذبة
لكن هذين الاستخلاصين، لم يستندا إلى حقائق مادية ملموسة على الأرض ، ويكذبهما البيان الذي صدر عن حركة حماس بعد طرح ترامب خطته مباشرة ، وتثمين الرئيس الأمريكي للبيان حيث تضمن البيان ما يلي :
- تثمين حماس للجهود العربية والإسلامية والدولية ،وجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعية إلى وقف الحرب على قطاع غزة ،وتبادل الأسرى، ودخول المساعدات فورا ورفض احتلال القطاع ، ورفض تهجير شعبنا الفلسطيني منه.
- أن الحركة من أجل وقف الحرب، وتحقيق الانسحاب الكامل من القطاع ، تعلن عن موافقتها على الإفراج عن جميع أسرى الاحتلال، أحياء وجثامين ، وفق صيغة التبادل الواردة في مقترح الرئيس ترامب ،ومع توفير الظروف الميدانية لعملية التبادل، وفي هذا السياق تؤكد الحركة استعدادها للدخول فورا من خلال الوسطاء في مفاوضات لمناقشة تفاصيل.
- تجدد الحركة موافقتها على تسليم إدارة قطاع غزة لهيئة فلسطينية من المستقلين (تكنوقراط) بناء على التوافق الوطني الفلسطيني، واستنادا للدعم العربي والإسلامي.
- ما ورد في مقترح الرئيس ترامب من قضايا ، تتعلق بمستقبل قطاع غزة ، يرى المفاوض الفلسطيني أنها ترتبط بموقف وطني جامع ، بالاستناد إلى القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، ويتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع ، ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية.
المقاومة توافق على بعض البنود بشروط
في ضوء ما تقدم يتبين لنا ما يلي :
- أن المفاوضين الإسرائيليين والأمريكان لا يفاوضوا أشباحاً ، بل يفاوضوا خصماً عنيداً نال إعجاب العالم أجمع، حارب العدو الصهيوني المدعوم أمريكياً وأطلسيا ، لمدة عامين دون أن تلين له قناة ، وأصبح أنموذجا يحتذى بها في حركات التحرر التي تناضل ضد الاستعمار والعنصرية، وهي أطول حرب يخوضها العدو منذ نشأة كيانه الغاصب عام 1948
- أن موافقة المفاوض الفلسطيني ،على إطلاق سراح الأسرى الصهاينة الأحياء والأموات جاء مشروطاً بوقف الحرب، وتحقيق الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وإدخال المساعدات والمواد والمعدات المطلوبة للقطاع
- أن المفاوض الفلسطيني تعامل بذكاء مع خطة ترامب ، حيث لم يرد في بيان حماس موقفها من جميع البنود العشرين ، بل ردت على على ردت على البنود الخطيرة والمركزية/ معلنةً موافقتها على حكومة التكنوقراط ، على قاعدة ربط مستقبل القطاع وحقوق الشعب الفلسطيني بالكل الفلسطيني ، لأن حماس لا يمكنها أن تقرر مستقبل القطاع وحدها ، وأن مستقبل القطاع وحققوق الشعب الفلسطينية يرتبط بموقف وطني جامع ، بالاستناد إلى القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، ويتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع ، ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية.
- هذا الرد من قبل المقاومة ، ينسف ضمنيا موضوع الوصاية الدولية على القطاع ، ويؤكد على قررات الشرعية الدولية التي تجاهلها ترامب في خطته.
واللافت للنظر أن ترامب أعجب ببيان حماس ،ووضعه فوراً على صفحتة في منضة Truth social قائلاً: أعتقد أنهم مستعدون لسلام دائم. يجب على (إسرائيل) أن توقف قصف غزة فوراً" ، وبعد هذا الرد سارعت فصائل المقاومة ، إلى الإعلان عن رفضها نزع سلاحها مشيرةً إلى أن هذا السلاح يسلم فقط للدولة الفلسطينية حال قيامها.
مفاوضات المرحلة الثانية
المرحلة الثانية للمفاوضات ستكون صعبة ، في حال استكمال المرحلة الأولى للمفاوضات التي شارك فيها كل من جهاد نخالة - أمين عام حركة الجهاد الإسلامي- والرفيق جميل مزهر – نائب الأمين العام للجبهة الشعبية ، إلى جانب رئيس فريق التفاوض – رئيس حركة حماس في قطاع غزة- "خليل الحية " ، وقد تم في جزء من هذه المرحلة تحرير 250 أسيراً فلسطينياً من ذوي الأحكام المؤبدة والعالية، مقابل الإفراج عن 20 أسيراً إسرائيلياً، بينما تتعثر في هذه المرحلة بشأن الإفراج عن رفات 28 أسيراً صهيونياً ،جراء ما لحق بقطاع غزة من تدمير للمباني والشوارع والأبراج ، إذ أن العثور على رفات الأسرى – الذين جرى تسليم (12) منهم للجانب الإسرائيلي- يحتاج لفترة طويلة ، جراء عدم سماح حكومة العدو بدخول المعدات اللازمة للبحث عن رفات الأسرى الصهاينة من تحت ركام البنايات ، وعدم السماح للفريق التركي المختص للدخول إلى القطاع للمساهمة في البحث عن جثث الإسرائيليين .
كما أن العدو الصهيوني ، لم ينفذ ما هو مطلوب منه في المرحلة الأولى، على صعيد فتح المعابر لإدخال المواد الغذائية والطبية والمعدات اللازمة لرفع الأنقاض ، وربط ذلك بإفراج " حماس" عن جميع الجثث ، رغم أن خطة ترامب لم تنص على الإفراج عن جميع الجثث فوراً مؤكدةً أن البحث عن هذه الجثث ،يحتاج إلى وقت جراء الدمار الهائل الذي لحق بالمباني والأحياء والأنفاق في القطاع .
ثوابت المفاوض الفلسطيني
لقد حدد المفاوض الفلسطيني والمتحدثون باسم فصائل المقاومة في قطاع غزة موقفهم من ما جاء في المرحلة الثانية من خطة ترامب على النحو التالي :
- رفض نزع سلاح المقاومة : السلاح لدى فصائل المقاومة "سلاح شرعي ووطني" يُستخدم فقط ضد الاحتلال ، ومقاومة الاحتلال مشروعة وفق ميثاق الأمم المتحدة.
- الرؤية المشتركة لفصائل المقاومة ،بأنّ من يجب أن يحكم القطاع هم الفلسطينيون أنفسهم وأن الحركة ترفض أي وصاية دولية على آليات إدارة الشأن الفلسطيني.
- أن تشكيل لجنة الاسناد المجتمعي ( لجنة التكنوقراط ) التي تحكم المرحلة الانتقالية في قطاع غزة ، هي مسؤولية وطنية فلسطينية جرى الاتفاق بشأنها من مختلف الفصائل، بأن تضم شخصيات مهنية موثوق بها ولا تتبع أي فصيل.
وهذه المواقف لفصائل المقاومة ستصطدم بما ورد في خطة ترامب ، بشأن نزع سلاح حماس والمقاومة ، وبشأن مجلس الوصاية الانتدابية الأمريكية (مجلس السلام ) وحقها في تشكيل حكومة التكنوقراط، والاشراف على المناهج التعليمية في قطاع غزة ، ما يعني أن المفاوض الفلسطيني سيخوض معركة صعبة ، ولن يتنازل في مواجهة بند نزع سلاح المقاومة على نحو : أن الجانب الأمني في القطاع هو من اختصاص المقاومة وسلاحها بينما ينحصر دور لجنة التكنوقراط التي تحكم في الفترة الانتقالية ، في تقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والإشراف على عملية إعادة الإعمار / وأن حركة حماس والفصائل مستعدة لإبرام هدنة تمتد من 5- 10 سنوات.
ما تقدم من تكتيكات تفاوضية للمقاومة ، ينسف مسألة تدريب شرطة فلسطينية جديدة على أيدي بعض الدول العربية ، لا سيما وأن الشرطة الفلسطينية عالية التدريب موجودة على الأرض ، وينسف مسألة تشكيل مجلس الوصاية الانتدابية ومهامها ، وينسف محاولة الدول الوسيطة والغربية تثبيت هذه الوصاية ، عبر قرار يتم استصداره من مجلس الأمن.
من المنتصر ومن المهزوم ؟
إذا عقدنا مقارنة بين إنجازات المقاومة وإنجازات العدو في حرب السنتين ، نجرؤ على القول بأن المقاومة لم تهزم ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ، أن ما يحدد صفة النصر أو الانكسار هو مدى تحقيق أي طرف للأهداف السياسية المتحققة له من الحرب ، إذ لا يقاس مفهوم النصر أو الهزيمة بمقدار الخسائر التي ألحقها كل طرف بالطرف الآخر ، بل يقاس بمدى تحقيق كل طرف لأهدافه السياسية المعلنة
فالعدو الصهيوني الذي فشل فشلاً ذريعاً، على مدى عامين في المواجهات البرية مع المقاومة جراء لجوئها للحرب غير المتناظرة ( حرب العصابات) لتحييد ميزان القوى المختل بالمطلق لصالح العدو ، وباستنادها لمعجزة الأنفاق ، ولتماسك منظومة القيادة والسيطرة ولتكتيكات فصائل المقاومة ، التي أوقعت بالعدو خسائر هائلة على الصعيد البشري وعلى صعيد المعدات. فالعدو عمد إلى التعويض عن فشله في الميدان، عبر استخدامه سلاح الجو والمدفعية لتدمير مباني ومؤسسات قطاع غزة الخدمية والصحية والتعليمية بدعم أمريكي وغربي ، إذا أن ما يزيد عن (200 ) ألف طن من القذائف ألقيت على قطاع غزة في إطار حرب إبادة ، ناهيك عن حرب التجويع ، وقد أسفرت حرب الإبادة والتجويع عن إصابة واستشهاد حوالي 240 ألف فلسطيني.
لقد حدد العدو سلسلة أهداف لحربه على القطاع ، لكنه فشل في تحقيق أي هدف منها ، إذ إنه ورغم الخسائر البشرية والمادية في قطاع غزة ، وغير المسبوقة في التاريخ ، نجزم أن المقاومة انتصرت المقاومة في حرب السنتين ، أو نتواضع قليلاً بالقول " أنها لم تهزم" من زاوية أنها أفشلت أهداف العدو ، ولم تتنازل في المفاوضات عن أي من ثوابتها وهي : وقف العدوان / الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة/ صفقة تبادل عادلة للأسرى/ ادخال المساعدات المطلوبة لقطاع غزة / إعادة إعمار القطاع.
إنجازات المقاومة
لقد حققت المقاومة الفلسطينية الباسلة في قطاع غزة حتى اللحظة ، إنجازات كبيرة غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني ، رغم انقسام النظام العربي ما بين متآمر أو مقصر متخاذل.
- ألحقت بالعدو خسائر بشرية ومادية هائلة لم تلحق بها في كافة الحروب السابقة وتمكنت من تحرير (5) آلاف من الأسرى لفلسطينيين الأسرى الفلسطيننين من سجون الاحتلال خاصةً من ذوي الأحكام العالية والمؤبدة.
- نقلت قضية تحرير فلسطين، من زاوية الإمكانية التاريخية إلى زاوية الإمكانية الواقعية وأعادت القضية الفلسطينية ، إلى سلم أولويات المجتمع الدولي بقوة واقتدار
- أعادت الاعتبار للرواية العربية الفلسطينية في مختلف دول العالم وبخاصة في أوساط الرأي العام الغربي، ووجهت ضربة قاسية لمسار التطبيع مع العدو الصهيوني ولنهج التسوية المذل.
- برهنت على أهمية وحدة الساحات في إطار محور المقاومة من زاوية إسناد مختلف الساحات للمقاومة الفلسطينية.
- والتطور الأبرز : أنها أحدثت انزياحاً كبيراً جدا في الرأي العام العالمي والغربي على وجه الخصوص لصالح القضية الفلسطينية ،من خلال المظاهرات المليونية التي عمت ولا تزال تعم عواصم العالم وعواصم الدول الغربية على وجه الخصوص ، والتي خلقت حالة من الانقسام بين الحكومات وشعوبها ، وعبرت ولا تزال تعبر عن إدانتها للمحارق الصهيونية، وعن انحيازها للرواية العربية في فلسطين .
وأخيراً: الأهم من كل ما تقدم أن الكيان الصهيوني بات كياناً منبوذاً في العالم أجمع ، وبات يواجه عزلة دولية غير مسبوقة منذ إنشائه الغاصب عام 1948 ، لدرجة أن الرئيس ترامب صرخ في وجه نتنياهو : أنك لا تستطيع مواجهة العالم أجمع.

