قواعد الفيزياء تعمل بدقّة وبنجاح وقابلية، إذا تعلّق الأمر بحلّ المشكلات أو أي شيء يحتاجه الجنس البشري. فمثلاً هناك المثال الأكثر شيوعاً واستعمالاً واستخداماً باعتباره القانون الثالث من قوانين نيوتن للحركة في الميكانيكا التقليدية، على أن القوى تنشأ دائماً بشكل مزدوج. حيث يكون لكلّ فعل ردُّ فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه. وتعيين إحدى القوتين كفعل والأخرى كرد فعل هو تعيين تبادلي حيث يمكن اعتبار أي من القوتين فعلاً في حال اعتبار الأخرى ردَّ فعل، والعكس صحيح.
إلا.. في فلسطين تتعطل كل القوانين الفيزيائية وحتى الكيميائية وبقية العلوم والمحاكم التي لها سمعة كونية كمحكمة العدل الدولية /لاهاي/ التي أطلت برأسها خجلاً ودفعاً من دولة عانت الأمرّين من الاحتلال والتمييز العنصري الأبارتهايد البغيض، جنوب أفريقيا.
ثلاثة فصائل رئيسية تصدت للهجوم البربري الصهيوني، كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، وسرايا القدس للجهاد الإسلامي، وكتائب أبو علي مصطفى للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هذه الفصائل بشقيها السياسي والعسكري تبنت المواجهة وصمدت ولم ترفع الراية البيضاء كما كان يتمنى ما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، وبالتالي فإن فشل مخططاته وأهدافه ستظهر لاحقا من تصدعات الجبهة الداخلية، وتحريك القضاء بسبب الفساد، وفقدان الثقة بالحكومة ، وتنشيط الهجرة المعاكسة وهذا ما أكدته واقعة هروب حفيدة رئيس الوزراء النافق إسحاق رابين مع أولادها بعد مغادرتها فلسطين المحتلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، عندما قالت ليس لدي منزل آخر وأنا لست أسفة .
جدل كبير يدور بين الفلسطينيين أدى إلى انقسامات واختلافات بوجهات النظر، حول واقعية الهجوم على غلاف غزة، وحول الهزيمة والنصر، إذ يرى البعض بأن ما جرى لقطاع غزة بعد مرور سنتين على الحرب وحتى هذه اللحظة، مغامرة غير محسوبة نتيجة لهول الفاجعة.. 250 ألفاً بين شهيد وجريح، وتدمير أو تخريب أكثر من 90% من بيوت القطاع وبناياته ومؤسساته، ورفض الكيان الصهيوني الانسحاب الكامل، والتمسك بالمعابر والتدقيق بالمساعدات الإنسانية، ورفضه لحكم حماس والسلطة الفلسطينية، ودعمه للعصابات الناشئة في القطاع كبديل مريح ( جماعة ياسر أبو شباب )!
- يرى العارفون ببواطن الاستراتيجيات وعلوم الجيو- سياسية، أن الهجوم البطولي هو بمثابة البداية للعد التنازلي لهذا الكيان، لأن المعركة ليست عسكرية حسب المقاييس بالعدة والعتاد وعدد المقاتلين، وإجبار الكيان الصهيوني لخوض معركة دامت سنتين هو خارج الصندوق الصهيوني، حيث قال ذات يوم ما يسمى أول رئيس وزراء صهيوني بن غوريون، أن الحرب الطويلة ليست خيارنا، وموشي ديان كان يكتفي بالتخويف من الحرب لا أن يكسبها فقط.. المعنى أن الكيان الصهيوني لأول مرة يخرج عن ثوابته وتابوهاته والوظيفة التي أنيطت له طوال 77 سنة، وبالتالي فإن الحرب وديمومتها تعجل من فنائه لأسباب كثيرة وأهمها الجبهة الداخلية التي تتأكل، وحساسية القومية الصهيونية.
- مقاييس البشر، صحيح هناك ضحايا أبرياء وشهداء ودمار واسع واستخدام العدو الصهيوني أكثر من 150 ألف طن من المتفجرات المحرمة والغير محرمة، وتفاخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمداد الكيان أحدث الأسلحة والتي استخدمها حسب زعمه أحسن استخدام.. إلا أن هذه المعركة كشفت للعالم الحر زيف وادعاء الكيان بمظلوميته وفضحه وتعريته لما يسمى المعاداة للسامية التي من خلالها يبيح لنفسه ما لا يصدقه عقل ومنطق، وأصبح يواجه خطر العزلة والنبذ، بل وأصبح بعض قادته مطلوبين للمحاكم الدولية، وتشبه حالته لحظة الاختناق الأخلاقي الذي صاحبت نظام الفصل العنصري الأبارتهايد في جنوب افريقيا.
إذ يكيلون الاتهامات للمقاومة الفلسطينية ويحمّلونها مسؤولية تدهور الأوضاع في قطاع غزة بعد الهجوم على غلاف غزة، ومنهم من يتغنى ويتشدق بالامتيازات الممنوحة من الكيان الصهيوني للقطاع مثل: المطار والميناء وقصر الضيافة وقبول الآلاف من العمال الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة وبالتالي؛ لا تبُذل أي جهود للحديث عن الحصار الظالم! بينما يتساءل الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرس عن الأسباب والدوافع لهجوم السابع من أكتوبر!
«إسرائيل» لم تعطِ موعداً لإنهاء حصارها للقطاع الذي يتواجد فيه أكثر من مليوني فلسطيني على مساحة 366 كيلومتر مربع أي 140 ميلاً والعالم المتبلّد اعتاد الوضع في ظل الغياب المطلق من المبادرات والنيات لإنهاء الحصار الظالم، ومن الطبيعي والحق كل الحق مع الذين يعيشون هذه الأوضاع الصعبة بالتفكير والتطوير، وامتلاك زمام المبادرة أن يجترحوا الأفكار والطروحات التي قد تضعهم في أول الطريق لتحرير البلاد والعباد من هذا العدو المتغطرس المتعطش للدماء والتدمير .
الكيان الصهيوني لم يسمح باستعمال المطار أو الميناء الذي ترقبه البوارج الصهيونية، ناهيك عن الحركة والمرور والخروج من المعابر الإذلالية، لكن كما يقولون في الأمثال الشعبية (حديث القرايا لا يتساوى مع حديث السرايا) إسرائيل تريد قتل الروح المعنوية لدى الشعب الفلسطيني، وتنسف من ذهنيته مجرد التفكير بالدولة الفلسطينية.
تعاطف العالم بإجماع مع القضية الفلسطينية، لكن هذا لا يكفي مع أهميته، والعالم يتعاطف مع الضحية لبعض الوقت لكن يحترم القوي طوال الوقت، هذه الحقيقة. فكيل الاتهامات يمنة ويسرى يضر بمسار القضية الفلسطينية، لذلك يجب أن ترقى عملية التفكير بماهية الصراع والوقوف على عين الحقيقة قبل تحميل المسؤولية والتخوين .. الخ .
ثمة رائحة للهزيمة الصهيو-أمريكية في القطاع، والخلافات بينهما تتصاعد كل يوم، وذلك يعود للصمود الأسطوري للمقاومة الفلسطينية. والمعادلة في هذا الشأن واضحة فـ «إسرائيل» تعتمد كلياً على الولايات المتحدة، بينما الثانية تخشى من التمادي الصهيوني في الإيغال بالدم الفلسطيني الذي يعكس حالة من الغضب والحنق ضدها، وبالتالي كأنّ واشنطن سئمت من المُهل الممنوحة للكيان الصهيوني .
لا يمكن لأي شعب في هذا الكون أن يرتضي الاحتلال ويتعايش معه، حتى لو صرف لهم رواتب دون عمل، لأن الاحتلال امتحان يومي للضمير العالمي كما قال الشهيد غسان كنفاني ، وبالتالي فإن محاربته ومقاومته بكل السبل كفلته كل الشرائع السماوية والقوانين الدولية .
لم ولن تخطئ المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر، وهذا عملٌ سيسجل لها في صفحات التاريخ من ذهب وعلى الذين يخافون أن تصيبهم دائرة السوء من العدو الصهيوني أن يراجعوا أنفسهم وعقيدتهم، وإذا استعسرت المراجعة على الأقل فلينظروا للمجازر الوحشية البربرية التي ارتكبها الكيان الصهيوني بحق الأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين وكل من يتحرك على الأرض، وهدم المربعات السكنية على رؤوس ساكنيها، واستباحة المستشفيات ودور العبادة؛ لم تترك «إسرائيل» أي محرّم إلا وانتهكته وداست على جميع القوانين الدولية.
من حق الشعب الفلسطيني أن يعيش بكرامة وعزّة، ومع هذا الاحتلال الصهيوني البغيض لا يكفي طوفان واحد، بل عدة طوفانات حتى يزولَ، والمقاومة غير معنية بردّة الفعل الصهيونية أو العالمية، لأن هؤلاء من تسببوا بهذه المصيبة، والقاعدة الأساسية التي انطلقوا منها قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). وليس؛ أعدوا لهم مثل ما أعدوا لكم. لأن الأمر متروك للعقيدة والشرفاء الذين يحملون الفكر العقائدي وليس من يتنافسون على المناصب والفنادق.. وللحريّة الحمراء بابٌ بكلّ يد مُضرّجة يُدقُّ.
لذلك نقول أن النصر والهزيمة، طقس؛ وأن الإيمان بالنصر المطلق هو المناخ وبالتالي فإن المعركة لم تنته بحسابات الاستراتيجية العسكرية، فالكيان الصهيوني غدار وحاقد ولم ينس أبدا ما جرى له في السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023 فالظروف القادمة بإذن الله لصالح القضية الفلسطينية التي تكسب مع كل مشرق شمس، بينما الكيان الصهيوني يخسر ويتعرض للعزلة والنبذ، ونتنياهو سيحاول خرق الهدنة والاتفاق للهروب من المساءلة والمحاسبة وربما السجن الذي يؤرق مضجعه هو وزمرته الفاشية، وخطأ الكيان أن يعتبر هجوم السابع من أكتوبر هو بداية الصراع متناسيا العذابات والآلام للشعب الفلسطيني على مدار الأعوام السابقة منذ 1948 .
يقول البرفسور البريطاني الشهير بول كيندي، صاحب كتاب صعود وأفول القوى العظمى، يحدد فيه مجموعة من الأسباب لأفول الامبراطوريات، الأول تمدد عسكري أكبر من قدراتها، والثاني انفجار الصراعات الداخلية، والثالث ظهور قوى عظمى. فالكيان الصهيوني يعتبر نفسه بالدولة الساحقة الماحقة وبالتالي التي تتمدد على حساب الآخرين، وانفجار الخلافات والصراعات قائمة فكل الأحزاب تقريبا في حيص وبيص، والقوى العظمى المحيطة هي التي تواجه الدولة الأم التي ترعاها وتسلحها حتى الأسنان الولايات المتحدة الأمريكية وصراعها الوجودي مع الصين التي تتقدم بسرعة الصاروخ الأسرع من الصوت وروسيا، وبعض الدول في أمريكا اللاتينية، وأطماع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاستيلاء على دول وجزر وممرات .

