Menu

على أبواب المرحلة الثانية، لا الأولى انتهت، ولا معالم الثالثة بدت

حمدي فراج

لا شيء تقريباً يقول لنا، تصريحاً أو تلميحاً، سراً أو علناً، عدواً أو صديقاً، الآن أو غداً، أننا نعيش "مرحلة سلام"، بل على العكس من ذلك تماماً، كل شيء يقول لنا أن نترقب ونستعد لاستئناف التقتيل والتدمير والتجويع والتهجير في غزة وما هو أبعد من غزة؛ لبنان وسوريا، وربما استئناف قصف إيران.

ينتاب بعضنا الأمل في ألا يكون ذلك صحيحاً، وهذا بحد ذاته يبعث على التفاؤل، بغض النظر عن الأرض التي يقف عليها والمنطلقات التي ينطلق منها، والتي في غالب الأحيان، في سجل الصراع مع إسرائيل، كانت أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة، وإلى الشك منها إلى اليقين، وإلى الخداع منها إلى الصدق والوفاء.

فوقف إطلاق النار الذي تحدثت عنه الخطة، لم يكن وقفاً حقيقياً لإطلاق النار، واستمرت إسرائيل في خرقه كل يوم منذ موافقتها عليه قبل أكثر من خمسة أسابيع، وقتلت تحت ذرائع واهية نحو مئتين وخمسين شخصاً، وعدة مئات من الجرحى، وعشرات عمليات هدم وتفجير المنازل.

وقف التجويع عبر إدخال ستمائة شاحنة يومياً، لم يحدث هذا ولا في أي يوم من الأيام، ولا حتى نصفها أو ربعها، ما زال الناس يتضورون جوعاً ويبحثون عمّا يسد رمق جوعهم أو على الأقل جوع أطفالهم، بنصف وجبة حيناً أو بوجبة يتيمة في اليوم الواحد. أصناف عديدة من الأطعمة ما زالت محظورة، كما لو أنها أسلحة، كاللحوم والبطاطا.

عدم الالتزام بإطلاق سراح البرغوثي ورفاقه الستة، بذريعة الرأي العام الإسرائيلي: انتظروا قليلاً، اصبروا قليلاً، حتى تكلم في الشأن ترامب نفسه. فتأتي قضية المئتي محاصر في بعض الأنفاق الذين لم يعرفوا عن الصفقة بحكم انقطاع الاتصال معهم، ليواجهوا الموت أو الاستسلام. كذلك الحال عن جثمان السنوار وشقيقه، رغم أن موضوع الجثمانين الإسرائيليين سُوي بالكامل وفق الاتفاق – عادت 25 جثة من أصل 28 – فماذا أعادت إسرائيل من جثث الفلسطينيين؟ جثث تؤكد إدانتَها بتعذيبها حتى الموت، وسرقة أعضائها، والأهم أنها بلا أسماء أو بطاقات هوية، لتُدفن في مقابر جماعية.

حتى جاءت موجة المنخفض الجوي الأخيرة السريعة، فقالت لنا ما لم نستطع قوله لأنفسنا قبل أن نقوله لهم ولترامب وللوسطاء: في ظروف الكوارث الطبيعية، تهب الدول من القريب والبعيد إلى مد يد العون، كالزلازل والحرائق والأعاصير. فعلت ذلك السلطة الفلسطينية أكثر من مرة في إرسال طواقم دفاعها المدني لإطفاء حرائق من ترزح تحت احتلاله. لا أحد يريد منها – إسرائيل – فعل ذلك في منخفض غزة، لكن على الأقل ألا تمنع الآخرين من فعل ذلك. إنها ليست الأمطار يا أخوّة الإنسانية والعروبة والإسلام، إنها إسرائيل التي دمرت غزة على مدار سنتين، بمشاركة أمريكية وصمت متواطئ عربي إسلامي، حتى "وقفت" الحرب، لم يُحرّكوا ساكنًا إزاء اقتراب موسم الشتاء، إلا إذا لم يكونوا يعرفون أن هناك شتاء قادماً.