في خضمّ الجدل الدائر حول قضية المواطن الفلسطيني، محمود خضر عبد العدرا، المعروف باسم هشام حرب، تبرز من جديد الأسئلة الكبرى حول السيادة والعدالة وحدود الثورة والمواطنة؛ فالقضية، التي أثارتها مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية عقب تصريحات رسمية تفيد بإمكانية تسليمه إلى السلطات الفرنسية، تؤكّد أنّ قضيّته وطنية عامة تخصّ صميم الكيانية الفلسطينية، وإنّ رضوخ السلطة للضغوط الفرنسية يُشكّل خيانةً غير مسبوقة للنضال الفلسطيني، ووصماً لمقاومة شعبنا بالإرهاب، وتكراراً لحوادث مشابهة ارتكبتها السلطة ضدّ المقاومين في الداخل الفلسطيني، كما حدث مع الأمين العام للجبهة أحمد سعدات ورفاقه.
هذه القضية لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من استهداف المناضلين الفلسطينيين في الخارج والداخل. فحالات مشابهة شهدناها من قبل، مثل ملاحقة المناضلين الفلسطينيين في أوروبا، واعتقال بعضهم بتهم تعود إلى عقود، في ظلّ صمت رسمي عربي وتواطؤ دولي، ممّا جعل المنفى امتداداً للسجن لا فضاءً للحرّية. ولكن أن تقدّم جهة فلسطينية رسمية على هذه الملاحقة، وتسليم المناضلين إلى دولة تمتلك سجلّاً حافلاً من الجرائم، هو القضية الأخطر والتي ستدخل النضال الفلسطيني إلى عاصفة كبيرة.
يذكّرنا هذا السياق بما كتبه خالد عودة الله، حول «المطاردة السياسية» التي تحوّل المناضل إلى رمزٍ للكرامة الوطنية، إذ يظلّ وجوده حاضراً كتهديدٍ للمنظومة التي تحاول نزع الطابع الثوري عن الفلسطيني وتحويله إلى كائن قانوني منزوع الانتماء.
في الثمانينيات، كانت الثورة عنوان المواطنة حيث كان الفلسطيني الذي يحمل السلاح خارج الوطن يُرى كامتداد للثورة لا كخارجٍ عن القانون، كانت العمليات المسلّحة – مهما اختلف تقييمها – جزءاً من معادلة الوجود الوطني، وردّاً على عجز العالم عن إنصاف الفلسطينيين.
في ذلك الزمن، كانت الثورة هي شكل المواطنة الأسمى، لا نقيضها. وقد عبّر الأديب السوري، حنّا مينه، عن هذه الفكرة بعمقٍ إنساني حين كتب أنّ الإنسان «يستعيد إنسانيّته عبر الفعل الجماعي في مواجهة الظلم». فالثائر عند مينه، ليس متمرّداً على الوطن، بل مؤسّساً له؛ والمواطنة ليست وثيقة هوّية، بل موقف أخلاقي في وجه القهر.
الثورة الفلسطينية في وجداننا الإنساني هي البحث عن مواطنة محرّرة من الاستعمار، لا عن تمرّد على القانون.
من الكفاح المسلّح إلى مذكرات التوقيف الدولية
بعد اتفاق أوسلو، تغيّر المشهد كلّياً. تحوّلت المقاومة المسلّحة إلى بندٍ أمني في الاتفاقيات، وأصبحت السلطة الفلسطينية مطالَبة بـ«التنسيق القضائي» بدل «التضامن الثوري». مع الزمن، صار المقاوم السابق في نظر المنظومة الجديدة ملفّاً قضائياً مؤجّلاً أكثر منه صفحة من تاريخ التحرير.
قضية هشام حرب، تذكّر بهذا التحوّل الجذري: من الثورة إلى البيروقراطية، ومن النضال الوطني إلى التعاون القضائي الدولي. لكنها أيضاً، تطرح سؤالاً قاسياً: هل يمكن لدولة لم تنلْ بعد استقلالها أن تتصرّف كدولة كاملة السيادة في تسليم أحد مواطنيها إلى قوة استعمارية سابقة؟
إنّ المادة (28) من القانون الأساسي الفلسطيني واضحة:
«لا يجوز إبعاد أي فلسطيني عن أرض الوطن، أو حرمانه من العودة إليه، أو منعه من المغادرة، أو تجريده من الجنسية، أو تسليمه إلى أي جهة أجنبية».
أي مساسٍ بهذا المبدأ هو انتقاص من السيادة ومن روح الثورة التي أنشأت هذا القانون أصلاً، فما بين بيروت 1982 – عام العملية التي تتّهم فرنسا هشام حرب، بالمشاركة فيها – ورام الله 2025، يتجسّد تحوّلٌ رمزي من زمن الثورة إلى زمن التنسيق الأمني، ومن فكرة «الفدائي المواطن» إلى «المواطن المقيّد».
حالات مشابهة بين الذاكرة والسياسة
هناك حالات مشابهة لما يجري اليوم؛ فالجندي أحمد الدقامسة، حوكم في الأردن، وسُجن أكثر من عشرين عاماً رغم اعتباره شعبياً «أسير حرب». وفي فرنسا، سُجن أنيس النقّاش، قبل أن يُفرج عنه بقرار سياسي، فيما بقي جورج عبد الله وكارلوس وغيرهما رهائن الحسابات الدولية. وحتى في أوروبا، طاولت شخصيات فلسطينية أوامر توقيف قديمة لم تُنفّذ بسبب تعقيدات السياسة. لكنّ تسليم مناضل فلسطيني لجهة دولية يبقى أمراً نادراً، لا يُشبه إلا حادثة اعتقال السلطة لقيادات المقاومة في سجن أريحا، تحت اتفاق أمني خطير مع أميركا وبريطانيا والكيان، ما انتهى باقتحام السجن واعتقال أحمد سعدات ورفاقه.
تلك الأمثلة تكشف مساراً واحداً: سلطةٌ كرّرت أخطاءً كبرى لأنها بقيت أسيرة عقيدة أوسلو، حين كان الواجب أن تتحرّك بمسؤولية وطنية لا بإملاءات خارجية.
إنّ تحوّل المواطنة الفلسطينية من هوّية مقاومة إلى هوّية قانونية يُعرّي التناقض الذي تعيشه السلطة بين خطاب الدولة وموقعها الفعلي تحت الاحتلال
الثورة الفلسطينية من كنفاني إلى مُقبل
الثورة الفلسطينية هي مشروع لإعادة تعريف الإنسان الفلسطيني، بالنسبة إلى غسان كنفاني، هي ولادة الوعي وصرخة ضدّ الصمت التاريخي، ول جورج حبش ، هي فعل تحرّري إنساني وأخلاقي يتجاوز حدود فلسطين لمواجهة الإمبريالية والعنصرية. أمّا حنّا مُقبل، الذي صاغ الثورة كـمنظومة وعي ومؤسسات، فرأى أنّ الحفاظ على الخطاب المقاوم هو شرط بقائها «ضمير الأمة». هكذا تصبح الثورة جسراً بين المقاومة والمواطنة، بين السلاح والفكرة، ما يجعل قضية هشام حرب اليوم، اختباراً لمدى حضور هذه الفكرة الأصلية في وعي الجيل الجديد.
من «الثائر المواطن» إلى «المناضل المواطن»
يتقاطع مفهوم «الثائر المواطن» لدى حنّا مينه، مع فكرة «المناضل المواطن» عند إدواردو غاليانو، في رفضهما الفصل بين المواطنة والفعل الثوري. فالمواطنة، في رؤيتيهما، ليست خضوعاً للقانون، بل التزام بالحرية والكرامة ومواجهة الظلم، حيث يرى مينه، أنّ المواطن الحقيقي يخلق قانوناً أكثر عدلاً من رحم الألم الشعبي، فيما يقدّم غاليانو المناضل بوصفه حارساً للذاكرة الجماعية. فهو الذي يتذكّر حين يُراد للجميع أن ينسى. فهكذا يلتقي الفلسطينيّ المقاوم واللاتينيّ المُحرَّر في معركةٍ واحدة: صونُ التاريخ عبر الفعل الثوري، كأنّ الذاكرة تمارس تناسخ أرواح خاصة بها، فتعود في أجساد الشعوب كلّما حاول العالم دفنها.
المواطنة بين الثورة والتنازل.
«الوطن ليس بطاقة هوّية، بل انتماء يُختبَر في لحظة الفعل»، يقول حنّا مينه. المواطنة والهوية الفلسطينية تتشكّلان عبر الارتباط بالأرض والذاكرة والمقاومة، وليس عبر الانتماء البيروقراطي أو الوضع الإداري، فالمواطنة عملية مستمرّة من التذكّر والمواجهة؛ هوّية الفلسطيني تُبنى بالنفي والمقاومة، أي عبر رفض الإلغاء والانخراط في فعل مستمرّ يعيد إنتاج الذات.
بهذا المعنى، تُختبر اليوم مواطنة السلطة «اللا فلسطينية اللاوطنية» لا مواطنة هشام حرب. هل ستختار السلطة أن تحمي مواطنها كما يفرض عليها القانون والضمير، أم أنّ «الالتزامات الدولية» ستعلو على الواجب الوطني؟ إنّ تحوّل المواطنة الفلسطينية من هوّية مقاومة إلى هوّية قانونية يُعرّي التناقض الذي تعيشه السلطة بين خطاب الدولة وموقعها الفعلي تحت الاحتلال. فالعدالة التي تُلاحق من قاتل قبل أربعين عاماً وتتجاهل من يقتل الأطفال اليوم ليست عدالة، بل انتقائية استعمارية.
الثورة كمساءلة أخلاقية
كتب خالد عودة الله، أنّ السلطة اليوم «تعيش مأزقاً أخلاقياً مزدوجاً: لا تملك شرعية الثورة ولا سيادة الدولة». وهذا يعني أنّ تسليم مقاوم فلسطيني إلى دولة غربية هو اغتيال رمزي لروح المقاومة، لأنّ الثائر لا يُعاد تعريفه بالمحكمة، بل بالتاريخ.
في زمن تُحاصر فيه غزة ويُقتل فيها الأطفال بلا محاسبة، يصبح تسليم مقاومٍ سابق رمزاً لانكسار المفاهيم لا لإنفاذ العدالة.
الكرامة لا تُحاكم. وسيبقى هشام حرب، في الوعي الجمعي الفلسطيني، مرآة لصراعٍ لم يُحسم بعد بين الثورة والدولة، بين المواطنة والكرامة، بين الإنسان والقانون.

