الكثير من الحالات الفردية تحمل ذات مواصفات التي يحملها زهران ممداني لكنها لم تحظى بذات الظروف تؤهلها للتحول من الحالة فردية إلى حالة عامة تؤثر في المجتمع وتصبح صوته وممثله.
اللحظة التاريخية التي ترافقت مع ظهور نجم السياسي زهران ممداني واستجابته لمتطلباتها دفعت به للنجاح في صعوده بالرغم من كل ما وُظِفَ من إمكانيات مادية ومعنوية وإعلامية وسياسية في محاولة لهزيمته وطمس توجهاته.
فما هو السبب الرئيسي في نجاح زهران ممداني؟
نجاح زهران ممداني لعب فيه عاملي الزمان والمكان دورا هاما . لو افترضنا أن ممداني تقدم للانتخابات في الهند أو أوغندا هل سيحظى بذات النتائج؟
بالطبع لا لكون المكان والزمان والقوى الاجتماعية ومدى وعيها ومشاركتها وحيز حريتها التي تشكل حيزا في هذا المكان تختلف وإذا ما أضفنا لها الظروف المحلية والدولية فإن الصورة ستكتمل وتوضح أن زهران ممداني توفرت الظروف التاريخية لنجاحه وقدمته كقائدا جماهيريا.
لذا فإن المكان مدينة نيويورك الفريدة في خصوصيتها التي تحمل على طرفي نهر هدسون تناقضا اجتماعيا واضحا بين مركز رأس المال العالمي في مانهاتن والفئات الشعبية المختلطة دينيا وعرقيا وقوميا ومن حيث اللون والتي تعيش في أحياء بروكلين وبرونكس وكوين و(هارلم) وستاتن -آيلاند .
وإذا دققنا في الدخل GDP نلاحظ أن القيمة السوقية لجميع السلع والخدمات النهائية لمدينة نيويورك تعادل 1,206484 بليون سنويا حصة مانهاتن منها 885652 بليون دولار .
هذه الأرقام تشير إلى حجم الدور الاقتصادي والسياسي لمدينة وأهمية دور الحاكم الذي سيقود المدينة.
نجاح زهران ممداني بتوجهاته اليسارية الاشتراكية يعد تحديا لِلطغمة الرأسمالية المالية المتمركزة في مدينة نيويورك ويعتبر إعادة تصحيح التوازن الاجتماعي في المدينة التي لا تنام و تتحكم في مفاصل الإقتصاد العالمي.
نجاح زهران ممداني يعد اختراقا وكسرا للقاعدة النمطية في تحكم الرأسمالية الصهيونية في المدينة.
ارتكزت حملة زهران على ثلاث عوامل تحقيق العدالة الاجتماعية لسكان المدينة وتحسن ظروف المعيشة لكافة السكان بغض النظر عن مَوقعهم في السلم الاجتماعي.
تحقيق العدالة الإنسانية من خلال إعادة الاعتبار للقوانين الإنسانية وتجلى ذلك في موقفه من حرب الإبادة في غزة واعلانه عن اعتقال نتنياهو إذا ما حطت قدماه في مدينة نيويورك.
محاربة الفساد الذي يتفشى في دوائر المدينة الذي هو السبب الرئيسي في غياب العدالة الاجتماعية والإنسانية.
نجاح زهران ممداني يؤكد أن صوت الإنسان الفرد هو العامل المقرر في النتائج الانتخابية إذا ما توفرت الشفافية المقترنة بالوعي لمصالحه الخاصة والعامة.
هذا النجاح مَكَنَ زهران من الوقوف أمام أعتى قوة مالية صهيونية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري تتمركز في مدينته و في مقدمتها رئيس أكبر وأغنى دولة في العالم الذي أعلن عن دعمه للمرشح الديمقراطي الفاسد في خطوة توضح أن المصالح الرأسمالية الصهيونية عندما تتعرض للخطر فإنها أهم من الأحزاب.
في اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب مع الحاكم زهران في البيت الأبيض كان واضحا أن الرئيس تعامل مع زهران ممداني بصورة إيجابية بالرغم من أن زهران أعلن أمام الرئيس أنه أي ترامب مشترك مع نتنياهو في حرب الإبادة على غزة.
هذا الموقف لم يصدر عن أي رئيس عربي زار البيت الأبيض بل كان الرئيس ترامب يتغزل بإسرائيل أمامهم ويطلب منهم أن يعززوا علاقاتهم معها بل ضغط على رئيس إندونيسيا في إعلان التطبيع مع إسرائيل ليتسنى لها المشاركة في القوة الدولية التي ستدخل غزة.
السؤال المهم : ما القوة التي يملكها زهران ممداني لمواجهة ترامب في مكتبه البيضاوي ولا يمتلكها ملوك ورؤساء دول وحكومات ؟
ما امتلكه ممداني هو قوة الناخب الواعي الذي أعطاه صوته وبفضله أصبح حاكما هذه القوة التي لا يمتلكها العديد من الملوك والحكام والرؤساء.
القوة الفردية الواعية في صورتها الجمعية تعكس مدى التغيير الذي يمكن أن تحدثه في ظل منظومة قانونية محمية من منظومة قضائية مستقلة مهمتها حماية ومراقبة تنفيذ القانون.
هذا ما تفتقده الشعوب في منطقتنا العربية التي تعيش تحت منظومات قبلية وعائلية تعزز حكم الفرد المطلق المتحكم في كل توجه الحياة.
وللأسف فإن هذه العدوى انتقلت إلى القوى والأحزاب التي تعلن لفظا معارضتها لهذه المنظومة لكنها تمارس أسوأ منها لكونها تتقدم مشهد المعارضة.
بالتأكيد سيواجه زهران ممداني هجمة ممنهجة من قبل الرأسمال الصهيوني لتقويض دوره ومهمته التي أعلن عنها في إعادة نيويورك لسكانها ولكنه إذا ما التزم بوعده فإن الناخب الواعي والمدينة بقواها الاجتماعية التي أنجَحَتهُ ستدافع عن تجربته وقراراته وخاصة في قراره اعتقال رئيس حكومة الإبادة الصهيونية نتنياهو الذي لم يجرؤ أي رئيس أو حاكم عربي على تحميله مسؤولية الإبادة أو حتى الإشارة لها من قريب أو بعيد.

