يشكل الدعم والتضامن مع الشعب الفلسطيني محورا رئيسيا في الحياة السياسية والاجتماعية عربيا ودوليا، ذلك أن القضية الفلسطينية اليوم تعتبر أبرز القضايا العادلة سياسيا وإنسانيا وأخلاقيا على المستوى العالمي، بعد أن تكشفت حقيقة الكيان الصهيوني العنصرية مع حرب الإبادة والتطهير التي يرتكبها جيش الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، فضلا عن وجرائمه بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية. وحيث تحتفي الشعوب العربية وشعوب العالم باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطينية، فإن تسليط الضوء على دور التضامن مع فلسطين يصبح من الأهمية بمكان.
ولعل أبرز مظاهر التضامن والدعم الجماهيري الذي شهدته الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية خلال العامين الماضيين، هو تظاهرات واعتصامات طلبة الجامعات والشباب، وما قابل ذلك من وردود أفعال الإدارات الجامعية على هذا الحراك من حيث الاستشراس في القمع والتنكيل بما فيه الاعتقال والفصل من الجامعة وإبعاد الطلبة الأجانب. وقد شهدت الجامعات الأمريكية والأوروبية حراكا كشف حقيقة النظام الذي يدعي الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والتفكير العلمي القائم على النقد، وتم فيه فصل رؤساء جامعات وجهت لهم لجان في الكونغرس الأمريكي اتهامات بعدم القيام بما يلزم لمواجهة "معاداة السامية".
أكدت التحركات الجماهيرية الأممية، الشبابية منها على وجه الخصوص، بأن ليس الضرر الذي يسببه الاحتلال الصهيوني بالشعب الفلسطيني عرضيا أو جانبيا، بل هو من أهم أهداف العدوان، ويترجم جيش الاحتلال ذلك عبر الإبادة والتطهير العرقي، الأمر الذي جيّش مشاعر الضمير العالمي وأيقظ فيه الاحساس بالمسؤولية الانسانية تجاه بشر تتم إبادتهم بدم بارد. وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي الدور الأكبر في التحركات الجماهيرية التي كان شباب جيل (زد) عمودها الفقري ومحركها في الوقت الذي كانت وسائل الإعلام العالمية غارقة في غيها تردد الاكاذيب الصهيونية.
حراك الجامعات الغربية:
يعتبر ما شهدته الجامعات الغربية، والأمريكية خصوصا، من حراكات شبابية، ساحات مواجهة ذات صلة عميقة بالقيم السياسية والقانونية والاخلاقية، فكشفت زيف الديمقراطية الغربية من جهة، ومن جهة أخرى ترسخت قضية فلسطين على أنها قضية ذات علاقة بالداخل الغربي تمس مسألة حرية الرأي والتعبير والتفكير والنقد. في الجامعات تم الفحص والتدقيق في سياسة التمويل التي تحدد في الكثير من الجامعات طريقة التفكير والمواقف والرؤى السياسية، خصوصا الموقف من الكيان الصهيوني. ففي الولايات المتحدة، ولمواجهة الحراك الطلابي، تم اعتقال أكثر من 3,000 شخص في أكثر من60 جامعة، وعشرات المعتقلين في فرنسا والمانيا بعد ان تم فض الاحتجاجات بالقوة بتدخل الشرطة. بعض الجامعات الأمريكية تعاملت بفظاظة مع الطلبة، بينما عقدت جامعات أخرى تفاهمات واتفاقات مع الطلبة بدل الصدام، فانهى الطلبة اعتصامهم بعد أن تعهدت الإدارات الجامعية بعرض مقترح الانسحاب من استثمارات مرتبطة بـ"إسرائيل" على التصويت المؤسسي. ولأن المانيا تعاني من مساحات ضيقة في الحريات والتصلب تجاه الطوفان وتبعاته وانحيازها الكبير إلى جانب الكيان، فقد تعاطت مع الاحتجاجات بسرعة أكبر من فرنسا، قمعا ومنعا للفعاليات المتضامنة مع فلسطين.
أما في إيطاليا فقد تمددت الاعتصامات والمسيرات الطلابية إلى الشوارع وداخل البرلمان، وكان أبرزها تصويت مجلس جامعة تورينو على إنهاء اتفاقية بحثية مع مؤسسات إسرائيلية، وتبعتها جامعة باليرمو بتعليق برامج إيراسموس مع جامعات في الكيان.
افرزت الحراكات الطلابية حالة جديدة تُذكّر بالاحتجاجات التي شهدتها الجامعات الفرنسية نهاية الستينات، وفي الولايات المتحدة مطلع العقد السابع من القرن العشرين إبان حرب فيتنام، وفتحت آفاقا أخرى لكيفية تعاطي الجامعات مستقبلا مع مثل هذه الاحتجاجات ومدى تفاعل الرأي العام معها من ناحية مواجهتها والتضييق عليها أو فتح نوافذ لحرية التحرك وفق النظم والقوانين، فضلا عن بناء العلاقات بناء على توازنات دولية على مستوى جامعات العالم ولا تقتصر العلاقة مع جامعات ومؤسسات الكيان الصهيوني، وذلك من طراز تأسيس علاقات مع الجامعات في دول الجنوب، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
إن التحركات هذه المرة لم تتفجر لأسباب داخلية في أمريكا و أوروبا، بل لأسباب وجدها العالم تمس الضمير الإنساني والأخلاقي، ومن المرجح أن تتشكل المواقف الداخلية للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وتباعا الرأي العام، بناء على الموقف من حرب الإبادة في غزة. لقد أكدت الاحتجاجات الطلابية والشبابية والنقابية على أن قضية فلسطين لم تعد قضية خاصة بالفلسطينيين والعرب، بل تحولت إلى قضية انسانية اخلاقية عالمية، حيث تطور الوعي، خصوصا بين الشباب، إزاء القضية الفلسطينية. في هذا الصدد نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا لفتت فيه إلى أن هناك زيادة في التعاطف مع القضية الفلسطينية في امريكا من 12 بالمئة في 2013 إلى 27 بالمئة في العام 2024، ونوه المقال أن هذا التحول هو تحول جيلي لأعمار ما بين 18 و29 سنة الذين هم الأكثر تعاطفا مع فلسطين. وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام نشرت رويترز استطلاعا للرأي العام الأمريكي قال فيه 59% من الأمريكيين أنهم يؤيدون اعتراف أمريكا بالدولة الفلسطينية.
تضامن النقابات العمالية:
في السابع والعشرين من سبتمبر/ايلول 2025 أعلنت نقابات عمال الموانئ الأوروبية عن تنسيق حملة لمقاطعة السفن المحملة بالشحنات العسكرية المتجهة إلى الكيان االصهيوني، في خطوة تعكس تضامن العمال الأوروبيين مع الشعب الفلسطيني ورفضهم للحرب والإبادة الجماعية في قطاع غزة. وجاء ذلك في بيان أصدرته نقابات الموانئ الأوروبية التي اجتمعت في ميناء جنوة الإيطالي، تحت شعار "عمال الميناء لا يعملون من أجل الحرب"، وشاركت فيه وفود من إسبانيا وفرنسا واليونان وقبرص والمغرب وألمانيا والولايات المتحدة. وأكدت النقابات أن "الموانئ الأوروبية لن تكون أداة لآلة الحرب ولن تسهم في تمويلها، بل يجب أن توجه الموارد نحو حياة كريمة وضمان اجتماعي للفئات العاملة"، ودعت لفتح الممرات الإنسانية و"تقديم المساعدات العاجلة لسكان قطاع غزة، والمساهمة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، معربة عن دعمها لأسطول الصمود العالمي الذي يسعى لكسر الحصار عن غزة". واتخذت النقابات خطوات عملية تم بموجبها "منع ناقلات نفط وسفن عسكرية متجهة إلى موانئ الكيان الصهيوني من الرسو في موانئ إيطالية، منها ميناء تارانتو ولفيرنو"، وفق ما ذكرته وكالات الأنباء.
وفي الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2025، خرجت مظاهرات ضخمة تضامنا مع الشعب الفلسطيني قدرت بمليوني متظاهر في أكثر من 100 ميدان في مختلف المدن الإيطالية، وذلك بدعوة من كبرى النقابات العمالية دعما لأسطول الصمود العالمي بعد اعتراضه من قبل قوات الاحتلال في عرض البحر وأسر أكثر من 500 متطوع من نشطاء العالم واقتيادهم إلى السجون الصهيونية. كان الشباب في المقدمة، حيث شاركوا بفعالية كبيرة في مختلف المظاهرات، وقد عبر بعضهم عن مواقفه الداعمة لفلسطين وتحريرها. أحد المشاركين في التظاهرات بإيطاليا واسمه جوردانو فيورامونتي، وهو طالب ثانوية يبلغ من العمر 19 عاما، رسم على وجهه علم فلسطين وكتب عليه "الحرية لغزة". يقول جوردانو: هذا "واجب مدني بالنسبة لنا لنُظهر مدى غضبنا واستيائنا مما يحدث في العالم، ومن حكومتنا، ولنعلن دعمنا لأسطول المساعدات، وقبل كل شيء لفلسطين ولأهالي غزة الذين يُقتلون ويُعذبون ويُذبحون منذ أزمنة بعيدة".
لم يأبه جوردانو لما قالته رئيسة وزراء ايطاليا اليمينية المتشددة جورجيا ميلوني التي نددت قبل يوم من التظاهرات الاستثنائية وهي في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن، بالدعوة إلى الإضراب العام، ووصفت مبادرة "أسطول الصمود" بأنها "غير مسؤولة". لقد كان رد الإيطاليين أكثر التزاما من الكثير من العرب!!.
رحلة اسطول الصمود العالمي لكسر حصار غزة:
مع إمعان جيش الاحتلال الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة وسقوط عشرات آلاف الشهداء وأضعافهم من الجرحى وآلاف المفقودين والأسرى وتزايد المجاعة وسقوط شهداء التجويع والحصار، تحرك ضمير الرأي العام العالمي بشكل عملي لتبزغ في منتصف 2025 فكرة التحضير لأسطول غير مسبوق الحجم من حيث عدد السفن والمشاركين فيه بهدف كسر الحصار عن القطاع. وقد خرجت المبادرة إلى النور في شهر يوليو تموز من هذا العام بمبادرات تضامنية شارك فيها كل من الحركة العالمية نحو غزة، وهي مبادرة دولية تسعى للفت الانتباه إلى الوضع الإنساني في قطاع غزة، وتحالف أسطول الحرية وهي حركة تضامن شعبية دولية تأسست عام 2010 وتعمل على إنهاء الحصار الصهيوني على القطاع، وقافلة الصمود وهي حملة مغاربية انطلقت في يونيو/حزيران 2025 بمشاركة متضامنين من دول المغرب العربي، بالاضافة إلى مبادرة صمود نوسانتارا وهي قافلة شعبية من دول جنوب شرق آسيا تهدف إلى دعم الجهود لكسر الحصار البحري عن غزة.
بدأت الاستعدادات لتجهيز السفن، وبدأ تسجيل أسماء المتطوعين الذين بلغ عدد من تم تسجيلهم أكثر من 15000 متطوع ينتمون لأكثر من 44 دولة، لكن السفن المجهزة والمتاحة للإبحار يبلغ عددها نحو 50 سفينة لا تتحمل أكثر من 500 متطوع، بينهم خليجيون وعرب. أبحر "أسطول الصمود العالمي" عدة مرات وتعثر في اكمال رحلته بسبب سوء الأحوال الجوية ومهاجمة المُسيرات الصهيونية بعض سفنه، إلا أن الرحلة الرئيسية بدأت في أواخر أغسطس/آب 2025 من ميناء برشلونة الإسباني، وتبعها انطلاق أساطيل أخرى في سبتمبر وأكتوبر 2025 من موانئ مختلفة، مثل ميناء جنوى الإيطالية في سبتمبر 2025، وأندونيسيا ومن موانئ تونس واليونان.
وفي الأول من أكتوبر 2025، اعترضت قوات الاحتلال الصهيوني عدة سفن تابعة للأسطول أثناء إبحارها باتجاه غزة، وأكملت قرصنتها على باقي السفن بعد أيام قليلة من بدء عملية القرصنة.
في تجربة أسطول الصمود العالمي، كشف أبطاله الذين تم أسرهم، هول العذابات التي يعاني منها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال، حيث تعرض النشطاء لجزء مما يتعرض له الفلسطينيون.
الذي يحز في النفس ضعف التضامن الشعبي العربي الذي تعود أسبابه إلى الحالة الأمنية والسياسية السائدة في أرجاء الوطن العربي. فالتضامن الشعبي اللافت كان في المغرب وتونس وإلى حد ما في الأردن و مصر والبحرين التي يعتصم النشطاء فيها منذ الاسبوع الأول لطوفان الاقصى قبل أكثر من سنتين. إن هذا يدلل على وجود خلل واضح في المنطقة العربية، حيث تغرق أغلبها في أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ومعيشية، تجعل من الحكومات تتوجه نحو الحلول الأمنية بدلا من الشروع في التنمية الإنسانية المستدامة، وهي غارقة في الديون بسبب فشل البرامج الاقتصادية والفساد المالي والإداري ويكفي الاشارة إلى ان أكبر عشر دول مدينة يصل دينها العام إلى 1.5 تريليون دولار، ما يعني ربط الاقتصادات العربية عموما بما تفرضه المؤسسات المالية الدولية الدائنة التي تقرر الكيفية التي تعاد فيها إعادة هيكلة الاقتصادات والأولويات التي يتوجب تطبيقها.
يضع هذا الوضع على النخب العربية المؤمنة بعدالة قضية فلسطين ومشروعية مقاومتها للاحتلال الصهيوني، مسؤوليات كبيرة ومفصلية في حياة الأمة التي تعاني من وهن وتجزئة بلدانها وتقسيمها..كما تعاني فلسطين والأمة من خطة ترامب التي أقرها مجلس الأمن الدولي والتي يراد منها فرض انتداب جديد على غزة وعزلها عن الضفة وقطع الطريق على إقامة الدولة الفلسطينية ومحاولة ترميم سردية الاحتلال المعطوبة وتعبيد الطريق لفرض الهيمنة الصهيونية على الوطن العربي بـ"إسرائيل الكبرى".

