حذّرت منظمة العفو الدولية في 27 نوفمبر من أن “الهدنة قد تخلق وهماً خطيراً بأن الحياة في غزة تعود إلى طبيعتها… يجب ألا يُخدع العالم. فإبادة إسرائيل لم تتوقف لحظة واحدة.”
ووفقا لهذا ، تواصل دولة الاحتلال خرق ما يسمى بالهدنة، بلا توقف. هناك نحو 600 انتهاك مسجّل، و أكثر من 1350 شهيدا وجريحاً فلسطينياً، بينهم استشهاد 136 طفلاً. ورغم ذلك، يلوذ “ضامنو” الهدنة بالصمت المخزي، و كأن صمتهم جزء من الخطة. أي همس أو الادعاء بالضغط خلف الأبواب المغلقة يتبخر أمام حقيقة واضحه: دوله الكيان تفعل ما تشاء، ولا أحد يجرؤ أن يقول كفى.
فوقف إطلاق النار، منذ اللحظة الأولى، لم يكن سوى صفقة لتحقيق هدف واحد: إطلاق سراح الأسرى الصهاينه… والباقي تفاصيل. الهجمات الأخيرة على غزة والضفة و سوريا ولبنان عرّت نوايا الاحتلال. ففي 19 نوفمبر وحده، قتلت دوله الاحتلال 28 فلسطينياً بقصف أحياء سبق أن وصفت بأنها “آمنة”. وقبلها بيوم، اغتالت 13 شهيدا في مخيم عين الحلوة، بينهم 11 في سن المراهقة كانوا يلعبون كرة القدم—مشهد يلخّص طبيعة القاتل.
وفبل ذلك بثلاثه أسابيع، اي يوم 28 أكتوبر، وبعد مجزرة طالت 109 من أبناء غزه، ادّعى الوسيط ال قطر ي أن “الطرفين ما زالا ملتزمين” بالهدنة. فجاء الرد من دوله الكيان في مجازر 18 و19 نوفمبر في غزة ولبنان والتي راح ضحيتهما 41 فلسطينياً. ومع ذلك، وبلسان باردٍ حدّ القسوة، تكرر واشنطن ان وقف إطلاق النار ما زال "ثابتا”.
لكن الحقيقة المؤلمه ان الهدنة لا تنهار إلا عندما يُقتل إسرائيليون يهود. أما الدم الفلسطيني، فلا يدخل في حسابات خرق وقف إطلاق النار.
منذ 10 أكتوبر فقط، قتلت دوله الكيان 352 فلسطينياً. ولو قيس العدد بحجم السكان لكان هذا يعادل أكثر من 1500 صهيوني. فلنتخيل للحظة أن 1500 يهودي قُتلوا خلال هذه الهدنة. هل كانت واشنطن وأوروبا ستقول إن وقف إطلاق النار ما زال “ثابتا”؟
أم كنا سنسمع الصراخ المعهود: “أكبر عدد من اليهود يُقتَلون منذ المحرقه الاوروبيه!”—وكأن الهولوكوست اليهودي وقع في غزة.
و كنا لنرى الرئيس الأميركي يقود موكباً من زعماء العالم لتقديم العزاء والطاعة لدوله الاحتلال. وتملئ الفضائيات الغربية شاشاتها بصور القتلى الإسرائيليين، وتطارد البيوت الثكلى بكاميراتها. ويخرج البيت الأبيض بعد ذلك ليبرر الرد و المجازر الصهيونيه بوصفها “دفاعاً عن النفس”.
هذا ليس افتراضاً. هذه سابقه رأيناه مرارا وتكرارا.
أما حين يكون القاتل إسرائيلياً يهودياً والضحية فلسطينياً، تتبدل اللغة الغربيه حيث تدعوا إلى “الهدوء”، و ضرورة "خفض التصعيد”، و إلى "ضبط النفس”. ويذكرونا ب“الهولوكوست الأوروبي” كترنيمة مقدسة لتكميم أي نقد لجرائم الاحتلال وإبادته لغير اليهود.
وفي الضفة الغربية، تنكشف كذبه وقف إطلاق النار الكبرى، فالاحتلال وميليشياته نفذوا اكثر من 2350 اعتداءً خلال شهر أكتوبر وحده. و وثّقت منظمات حقوق الإنسان إعدامات ميدانية لشبان فلسطينيين من مسافة صفر، ومزارعين يُهاجمهم رعاع المستوطنون أثناء موسم قطاف الزيتون، ومخيمات تُنسف وتُقصف وتُفرغ من سكانها—كما جرى في جنين ونور شمس.
تقرير منظمه حقوق الإنسان، هيومن رايتس ووتش الأخير بعنوان، “أُزيلت كل أحلامي”، يوثق تهجير 32 ألف فلسطيني، ومحو أحياء كاملة. ومنذ 7 أكتوبر 2023، قتل الجيش الصهيوني و عصابات المستوطنون أكثر من 1000 فلسطيني في الضفة، و الاعتقال الإداري تضاعف، الاستيطان تضخم، التعذيب أصبح سياسة يومية.
هذا ليس وقف إطلاق للنار، بل مهلة تمنح دوله الكيان وقتاً لالتقاط الأنفاس، وإعادة شحن الذخيرة، وتبييض سجل جرائمها، بينما تُخمد المقاومة وتحرق الأرض. و ما هي إلا ستار دخاني لتهدئة الغضب الدولي ومنح الوسطاء العرب دوراً شكلياً، بينما يشيّع الشهداء الفلسطينيون صباحا و مساءً.
الدبلوماسية، اليوم، ليست أكثر من تمثيليه هزيلة. الضحايا فلسطينيون على مسرح القتل، بينما الكومبارس في واشنطن والعواصم العربية يلقون خطابات ووعود فارغه.
أما دونالد ترامب، فالمهم ان نعي انه دفع نحو الهدنة ليس لإنقاذ غزة من التجويع، بل لإنقاذ دوله الاحتلال من العزلة. الهدنة لم تكن لوقف الإبادة، بل لوقف أوروبا من اتخاذ قرارات عقابيه ضد سياسه حرب الاباده.
وقف لإطلاق النار الذي يسمح لدوله الكيان ان تقتل (على السكيت) ليست هدنة، بل خدعة. هي غرفة إعدام تدار تحت نظام فصل عنصري يهودي، و تطبّعها القوى الكبرى بلا خجل. اما في قاموس ترامب وواشنطن، فالهدنة “ثابته”… ما دام ثابتا ان الدم الوحيد الذي يسيل هو فلسطيني، وليس يهودي صهيوني!

