تعرفت إلى صديقي الشاعر والفنان التشكيلي الراحل زياد أحمد أبو خولة في مكاتب فصائل المقاومة الفلسطينية في مخيم جرمانا ذي الأزقة الضيقة التي لا تتسع لشخصين يسيرا معاً خارج الشوارع الرئيسية، وكان يحلو لنا أصدقائه شرب الشاي المخمر أمام بيت العائلة، وغرفته المنفردة خارج البيت، بينما لوحاته المرسومة بالحبر الصيني معلق بعضها إلى جانب نافذة الغرفة.
ألتهم أوستراد المتحلق الجنوبي بيت العائلة، لكن زياد بقي في غرفته يقارع خط الترانزيت، وأعمال الترصيف والتزبيط من حوله، لأن غرفته جاءت في حديقة الدوار على طريق المطار لتغيير خط الأوستراد من الاتجاه نحو باب شرقي والمدينة القديمة، إلى خط كفرسوسة، والمزة، وداريا، فلم يكن أحداً مستعجلاً على هدمها، لأن العمل على الشكل الجمالي لمحيط الأوستراد لم يكن جزءاً من عمل مؤسسة الطرق، لذلك بقي صديقي في غرفته بعد رحيل أهله إلى الحسينية، حتى جاءت زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لدمشق للقاء الرئيس حافظ الأسد في (27/10/1994)، وهو أول رئيس أمريكي يزور سوريا، حيث هدمت محافظة دمشق كل البيوت والغرف المتبقية في محيط المتحلق، وزرعت مكانها أشجار الصفصاف والنخيل الباسق، والورد الجوري، وكأنه موجود منذ زمن طويل.
**زياد شاعراً: **
لدى زياد أبو خولة مجموعتان شعريتان، الأولى "حوارات مع امرأة من تين" صادرة في العام 1995 عن دار شراع للدراسات والنشر، والثانية "لا فرق كلها مقبرة" صادرة عن شركة دار التقدم العربي للصحافة والطباعة والنشر في العام 1998، محورهما الأساسي هو المرأة التي احتلت جزءاً كبيراً من حياة الشاعر الراحل، إذ يقول في القصيدة التي حملت عنوان المجموعة الأولى: "هامستك، همس العصافير الصغيرة، قتلتني يا امرأة، تمردت شفتاك، لا يا حبيبي، يا سيف حبي، أنا القتيلة".
تستنهض القصيدة حالة العشق، وتشربه حتى الثمالة في ذاتية خاصة دون فجاجة، مجسدة الوعي العميق والباطن لانتزاع الإبداع من التسليع الحياتي الذي يعيشه الإنسان الفلسطيني في الشتات عبر الهموم المعيشية المقولبة ما بين العائلة والأولاد والمدارس، وتأمين كل ما يحتاجه الإنسان، وما بين الورم النرجسي الذي يتوهم في برجه العاجي الذي يحيا به المثقف والشاعر، ليعالج ألمه الخاص ومكابدة الحب في واقع يطحن المشاعر ويبتعد بها، لكن القصيدة تعود إلى حالة العشق التي تنقل نبضها الكلمات: "امرأة من تين، ألقي بالتعب.. ثم خبئيني بحقل رمشك، في ظل الجفون، أنا طفلك المفقود".
إن مكابدة الشاعر يحاول الهروب منها بالاختفاء بين رموش وجفون المحبوبة التي تعتبر العاشق طفلها المدلل الذي لا تستطيع الوصول إليه.
ونجد في المجموعة الثانية قصيدة "كوني كما أنت.. ولكن لا تكوني حبيبتي": "سلمت روحي لامرأة، أهدتني أغنية وناي، ضمتني للصدر المعبأ بالحنان، وأرضعتني حفنة الكلمات".
إن إعلان الحب للمحبوبة فتح بوابة الكلمات لها من خلال "أغنية وناي"، فالأغنية زاد وزاد المحب العاشق، الذي يجد ضم المحبوبة له مفتاحاً من مفاتيح الحياة الخارجية عن اليومي والاعتيادي، وتعيد العاشق إلى الحياة الحالمة بالحب الأسطوري من خلال الكلمات، وهذا ما يوضح مكانة الكلمة ودورها لدى شاعرنا الراحل زياد أبو خولة، لذا عمق ارتباطه بالكلمة من خلال الشعر والكلمة.
ولا تقف حدود اهتمام شاعرنا عند المرأة والحب والعشق، بل في المخيم والشتات الفلسطيني قائلاً: "المخيم ترمل، التحف غراباً، أسند على البكاء وجهه (و)الشوارع، ضاع رصيفها الآخذ بالانحسار، اليافطات شاحبة، بهت لون الخطوط البدائية على الحيطان، ضاعت نكهة العبارات، الإسفلت مثقوب بالحفر المتناسلة، الحصى تلم أشلاءها من جديد".
يؤنسن أبو خولة المخيم في أنه ترمل، ويصبغ عليه إنسانية في فعل الغطاء الذي يرتديه (غراباً)، ويقوم بفعل البكاء، ويعمق من وصفه، فالشوارع ورصيفها ضاقا وأصبح إنساناً مريض شاحب، بينما ألوان الكلمات والخطوط الموجودة على جدران المخيم تضاءلت ألوانها، وهذا جزء من شحوب وضعية المخيم في الحياة الفلسطينية، حتى الشعارات الثورية فقدت معانيها إذ ضاعت نكهتها في المخيم، والإسفلت تخرب كجزء من الواقع المعاش.
ويبث أبو خولة الأمل في "الحصى تلم أشلاءها من جديد"، فالأرض يشكل الفلسطيني جزءاً منها تلملم الحصى والإنسان.
ويهدي قصيدة "شظايا" إلى "المنسي في ذاكرة الكتابة الشهيد يحيى عياش": "يا نورساً، لفظه البحر بعيداً، دوري طلقتان، وأراك مبتلاً بضوء الشمس، تسقط مطراً، فوق كف البيلسان، طلقة، في الظهر، دوري، طلقتان، ينام فوق الأرض عشب، لكن وجهك، راية كالسنديان".
يربط أبو خولة بين الشهيد والنورس محلقاً عالياً فوق البحر بضوء الشمس معمداً بالشهداء شهيداً وراء شهيد، فالشهادة جزء من الفلسطيني منذ نكبة فلسطين إلى الآن.
**صحفياً:**
ضمتنا مجلة الحرية منذ ربيع 1998 حتى نهاية العام 2001، وكانت من أولى التغطيات المباشرة، جنازة الشاعر السوري الكبير نزار قباني كتب عنها: "نام حين استفاق الياسمين"، قائلاً: "هل تعبت؟ أم أن الدروب الضيقة والمتعرجة في عاصمة قلبك الكبير ضيعتك وحملتك بعيداً...
هل تعبت؟ أم أن شوقك إلى بلقيس لم يعد يحتمل، وروحك لم يبقَ فيها مكان ولو صغير للهزيمة..
هل تعبت؟ منا، من رفقتنا. نحن رفقة السوء-منحنا الأعداء فرصة للدخول في دمك..
هل تعبت؟ أم أن أحداً لم يعطك بندقية، بل صوبوا نحوك كل البنادق..، أترحل؟ وأنت تعلم أن الفجر هو أول لحظات الشعراء".
وفي معرض الكتاب الرابع عشر خريف العام 1998 في دمشق كان لنا تغطية صحفية عنه، حيث سألنا أستاذنا الراحل حسين عودات الكاتب والناشر نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب عن المعرض فقال: "أصبح المعرض دولياً ومعروفاً للجميع، وكل ناشر يعد كتبه منذ بداية العام، ولكن على الطريقة العربية، يزدحم بالطباعة في آخر ثلاثة أشهر قبل المعرض".
وعن طبيعة المعرض قال: "الموعد خاطئ، والأسلوب خاطئ، والمكان خاطئ، وطريقة التعامل خاطئة، ويحولون المعرض سنة وراء سنة إلى سوق كبير مثل سور الأزبكية في القاهرة لا أكثر ولا أقل، لا ترافقه نشاطات ثقافية حقيقية، ولا معنى جدياً لمساعدة الكتاب ومساعدة الثقافة أو تطوير الكتاب".
أما لقاؤنا مع الفنان التشكيلي بولس سركو في صالة المركز الثقافي العربي بالمزة نهاية العام 1998، سأله زياد: "في كثير من اللوحات هناك استخدام عناصر من الواقع اليومي-الحياتي للشعب الفلسطيني في فلسطين من حرق العلم الأمريكي، والعلم الإسرائيلي منذ استخدام العناصر الواقعية للفكرة، وتجسيدها في اللوحة هل ينصب العمل على الفكرة أم على التجسيد الفني للفكرة؟".
فكان جواب سركو: "خلال كل مرحلة عملي التجريبي، كانت الفكرة بعيدة نوعاً ما عن العمل، لأن غايتي الرئيسية هي كسب الخبرة من التجريد في استعمال اللون، وتبسيط الأشكال وتقديمها بشكل عفوي. الموضوع الحياتي الفلسطيني مهم جداً، وله تأثير يومي من خلال الصحف والإذاعات والتلفزيون، والإعلام بشكل عام ومباشر".
وكتب عن شهيد عملية (تل أبيب) في العام 1997، نص (مبروك يا أم العريس) جاء فيه: (يريدي بزة الديناميت ويمضي يصيح، ديك الصباح، صوته لحظة عشق بين فجر مضى يودع زنابق القرى الصغيرة وشمس تطرح تثاؤبها جانباً، تنهض نحو شروق جديد..
يرتدي بزة الرحيل، يصر زوادة الموت، وينهض مسرعاً يقبل طفلين، تنام الملائكة في سريرهما، ويضحك الحلم على صفحة الوجوه الطرية، يطعم جسده للأرض ويعلن انفجار الصمت أنا "يا عدو الشمس لن أساوم وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم". أعذريني يا أمي سأغيب أكثر من ساعات الشغل سأغيب طويلاً عنك ولكنني أهدي دمي إليك).
ويسجل زياد عشقه للمخيم الفلسطيني في زاوية "حبر للمخيم رائحة الوطن" فيقول: "منذ 17 عاماً لم أغادر دمشق باتجاه الشمال، أي لم أمر في مدينة حمص. بينما خلال خدمتي الإلزامية في الجيش كنت "سري مري" إلى حمص كما يقولون، إلى أن جاءتني الدعوة للمشاركة في أمسية شعرية، بدا الطريق واضحاً، وامتد الإسفلت أمامنا طويلاً. وكانت عجلات السيارة تبتلعه رويداً رويداً، تغير الكثير على جانبي الطريق، حتى اعتقدت أنني أمر من هذا الدرب للمرة الأولى إلا أن ذاكرتي ما زالت تسجل بدقة بعض الملامح التي لا تتبدل، وما إن وصلنا حمص حتى شممت رائحة مفردات الشاعر الحمصي ديك الجن، وكان مطراً خفيفاً رقيقاً يتراقص على الإسفلت فيترك إيقاعه التماعاً شفيفاً وأنا أنظر خلف الزجاج، وبعد.. حين ولجنا مخيم "العائدين" بدا لي كأنني أزوره للمرة الأولى، خاصة أننا عبرنا من طريق لم أعهده من قبل، وتغيرت الدروب إلا أن الحياة والناس في المخيم كسروا حاجز الغربة فشعرت إني لست سوى في مخيمي. وأنا ابن مخيم لجوء فلسطيني".
**تشكيلياً:**
لا توجد لوحات للفنان التشكيلي زياد أبو خولة منتشرة سوى غلافي مجموعتيه مرسومتين بالأسود والأبيض فقط دون بقية الألوان، فلوحة غلاف "حوارات مع امرأة من تين" نجد أن اللوحة تقدم وجهين لسيدتين أمامهما فضاء منقط نقاطاً بالأسود على الأبيض، بينما في عمق اللوحة ما بين الشعر والرقبة بيوت صغيرة، ويشارك الشعر الأسود خصل بياض كتب عليها أحرفاً عربية، بينما في الجسد تحت الرقبة كتب اسم اللوحة "امرأة من تين"، وإلى جانب اللوحة مستطيل يضم الأحرف العربية، وفي وسط عنوان الديوان كحروف "حوارات مع امرأة من تين".
أما لوحة غلاف مجموعة "لا فرق كلها مقبرة" فقد قسمها أبو خولة إلى ثلاثة أجزاء، العلوي من اللوحة يحتوي على قسمين أحدهما خيال جسد بالأبيض بينما بقية أجزاء اللوحة في الأعلى بالأسود (الحبر الصيني) أجساد بشرية لأشخاص يشكلون رتلاً أمام الجسد الأكبر منهم.
والنصف الآخر يحتوي على إهداء وكلمات صغيرة بالعربي، أما الجزء السفلي من اللوحة فيظهر فيه باطن القدمين وكأنهما في وضعية تلقّي الضرب ما بين الأبيض والأسود، لكن بقية فضائها باللون الأبيض.
أخيراً إن التنوع الذي كان يملكه الراحل زياد أبو خولة جعل منه إنساناً وفناناً وشاعراً بكل معنى الكلمة، فهو ابن مخيم جرمانا الأكثر فقراً في سوريا، حيث أمضى حياته بين الهم اليومي والعمل الصحفي والمتابعة الإخراجية في مجلة الحرية، والفن والشعر دون أن يستطيع جعل هم واحد من هذه الهموم صلب حياته، لذلك كان إبداعه متنوعاً وغنياً.

